ليست مهنة «تنظيف المنازل» أمراً غريباً عن المجتمع السوري، شأنه في ذلك شأن كثير من المجتمعات. لكنّ هذه الظاهرة شهدت تنامياً كبيراً بفعل ظروف الحرب، وما أفرزته من تغييرات اقتصادية واجتماعية. لكل واحدة من السيدات العاملات في هذا المجال حكاية خاصة. إلا أن جميع الروايات تتقاطع عند نقطة مشتركة تتمثل في «لقمة العيش الصعبة»، ما كسر كثيراً من القيود والأعراف الاجتماعية، التي كانت في ما مضى تحول دون تفكير كثير من السوريات في ممارسة هذه المهنة.

تبتسم أم سامر، بينما تتحدث عن عملها في تنظيف المنازل. تروي لنا كيف تخلّت عن عملها في المحاماة، لتمتهن التنظيف، في محافظة بعيدة عن مسقط رأسها. تقول: «لدي أبناء، وعليّ أن أدرّسهم... ضاقت بي الأحوال في دمشق، بعد استشهاد زوجي. لم يعد يكفيني ما أجنيه من مهنتي، فقررت العمل في المنازل، لذا اخترت السفر إلى اللاذقية، ففيها لا يعرفني أحد، وتكاليف المعيشة أقل». لا تشعر أم سامر بالخجل من عملها، تؤكد ذلك مرّات عديدة. تقول «قد ينظرون إليّ في بعض الأوقات نظرات مؤذية، لكن ذلك لا يعني لي شيئاً، مقارنة بتأمين حياة أفضل لأبنائي الذين يتابعون دراستهم، ويكبرون أمام عيوني». تشرح موقف عائلتها من عملها: «عندما علم إخوتي بعملي هذا، رفضوه بداية، وعرضوا عليّ المساعدة رغم أوضاعهم المادية الصعبة، لكنني لا أريد أن أثقل عليهم. أستطيع أن أربي أبنائي بنفسي»، تقول. تصمت لحظات، ثم تبتسم وهي تضيف بفخر «كم سنة بيكبروا، وبيتخرجوا من الجامعات، وبقعد وبرتاح. جميعنا مستعدون للقتال دفاعاً عن أبنائنا، ونحن نقاتل ولو بمنفضة الغبار».

السمعة: رأس المال
لا تُعدّ أم سامر حالة فريدة من نوعها في سوريا، إذ تسبّبت الحرب، وما رافقها من تغييرات اقتصادية واجتماعية، في تغيير كثير من السوريين لمهنهم. كما أفرزت إقبال عدد كبير من النساء على العمل في قطاعات عديدة، بعضها كان حكراً على الرجال في ما مضى، سواء لتعويض غياب الرجال، أو لمساعدتهم في تأمين دخل إضافي لتوفير مستلزمات الحياة. وتعتبر مهنة تنظيف المنازل أكثر سهولة مقارنة بغيرها، إذ لا تحتاج إلى رأسمال، أو معدات خاصة، أو خبرة في مجال معين أو حتى شهادات، أو أوقات دوام طويلة وصعبة. تعتمد المهنة بشكل أساسي «على السمعة الطيبة، والتنظيف بإتقان، والأمانة»، وفق تعبير أم ممدوح، التي تمارسها منذ سنوات عديدة. تقول السيدة الخمسينية: «بدأ الأمر بعد أن مرض زوجي. أصيب في عموده الفقري، من جرّاء عمله عتالاً وسائق سوزوكي (سيارة شحن صغيرة) سنوات طويلة. كان لا بد من تأمين مصدر دخل للعائلة، فبدأت العمل في أحد المنازل عن طريق أحد معارفي». وتضيف «أُعجبت صاحبة المنزل بعملي، ورحت أعمل في بيوت إضافية، فكسبت سمعة حسنة. إن أردت أن تحصل على المال بشكل مستمر لا بد أن تتقن عملك. أي خطأ سيشوّه رأسمالي، وهو السمعة».

يشير بعض السيدات إلى وقوع حالات تحرّش، لكنها تُنسب جميعاً إلى شخصيات لم يلتقين بها

لم يوفّر المرض أم ممدوح، فأصيبت بالسرطان، لتواظب على السفر دوريّاً إلى دمشق للعلاج. كذلك تستثمر هذا الوقت بزيارة ابنها الذي يؤدي خدمته العسكرية في العاصمة. حدّ وضعها الصحي من عملها، لكنها لم تتركه. تقول: «في السنوات الماضية كنت أعمل في منازل ومكاتب عديدة، ولساعات طويلة. اليوم لا أستطيع ذلك، اكتفيت بعدد محدود من المنازل فقط». وتضيف «أصحاب المنازل التي أعمل فيها يقدّرون وضعي، إن تأخرت على موعد، أو أخلفته، نتيجة مرضي. يتعلق الأمر براحتهم معي، فلا يمكن السماح بإدخال شخص غريب إلى المنزل كل يوم».

مكاتب وعمل منظّم
الانتشار المتزايد لعدد العاملات المحليات في المنازل، وإقبال المقتدرين على طلبهن، في ظل ارتفاع تكاليف العاملات الأجنبيات، دفعا عدداً من العاملات «العتيقات» إلى تنظيم هذا العمل. أم أنس، وهي سيدة في عقدها السادس، لم تعد تستطيع العمل في المنازل، ما دفعها إلى تأمين عاملات يحللن مكانها. هكذا، خلقت فرصة عمل جديدة، بالاعتماد على علاقاتها وسمعتها. تقوم الراغبات في العمل بتسجيل أسمائهن لديها، كما تستقبل اتصالات من عائلات تبحث عن عاملات. تتولى أم أنس مهمة الوساطة بين الطرفين، مقابل نسبة متفق عليها، في حال قبلت العائلة بالعاملة وتم الاتفاق معها. تحرص السيدة على متابعة التفاصيل. تتواصل لاحقاً مع العائلات، وتسأل عن مدى إتقان العاملة لعملها. وفي حال وجود أي شكوى، لا تتردد في إرسال عاملة أخرى، إلى أن «يحصل الزبون على طلبه». وفق تعبيرها. «عند ورود شكاوى تتعلق بالأمانة حول إحدى العاملات، أقوم على الفور بشطب اسمها من قوائمي»، تقول. لدى أم أنس نوعان من «خدمات التوظيف»، أوّلهما الاتفاق الشهري، حيث يجري الاتفاق بين صاحبة المنزل والعاملة على راتب شهري مقابل عدد محدد من أيام العمل. أما الثاني، فالعمل بنظام «المهمات»، أي التنظيف لمرة واحدة. ويزداد الطلب على النوع الثاني، والذي يبدأ مع بداية فصلي الصيف والشتاء، «حين يبدأ موسم التعزيل»، على حدّ تعبيرها.

«يوم بيوم»
لا يؤمن هذا العمل دخلاً ثابتاً في كثير من الأحيان، وتضطر النساء إلى التنقل بين منازل مختلفة خلال فترات وجيزة. تقول أم ممدوح: «يتم تحديد الأجر عادة بحسب مساحة المنزل، أو عدد الغرف المطلوب تنظيفها، ونادراً ما يتم احتساب عدد ساعات العمل، ما يجعل الدخل الشهري غير ثابت ومهدداً بالنقص، في حال المرض، أو عدم وجود اتفاق دائم مع عدد من البيوت». كذلك، يعتبر هذا النوع من الأعمال «غير آمن» بالنسبة إلى كثيرات، وهو ما يدفع أبناء هبة إلى الاتصال بها بشكل متكرر خلال عملها. تقول السيدة الأربعينية: «أبنائي يشعرون بالقلق، وأنا أتفهّم ذلك. العمل في منازل الغرباء يخلق جواً من عدم الراحة، خصوصاً عندما تطول ساعات العمل، لذلك أجيب دائماً على اتصالاتهم». تعيش هبة في بيت مستأجر مع أولادها، بعد أن تركهم زوجها مع بداية الحرب في سوريا، وسافر، ثم انقطعت أخباره. أصرّت الأم على أن يتابع الأبناء دراستهم، لتتحمل هي مسؤولية هذه العائلة. بدوره، يحرص أبو سامي على مرافقة زوجته خلال عملها، ومساعدتها، ليشكل الزوجان «ورشة تنظيف صغيرة»، الأمر الذي يرى أنه «أريح وأفضل وأسرع».
يشير بعض السيدات إلى وقوع بعض حالات التحرّش، ومحاولات الاعتداء. لكنهنّ جميعاً ينسبن تلك الحالات إلى شخصيات لم يلتقين بهن، فيغلب على الحديث مصطلح «سمعنا»، ما يجعل التحقق من تلك الحالات صعباً. هذا الأمر أسهم في خلق ما يشبه «عرف» في المهنة، يقضي بضرورة وجود ربة المنزل، خلال العمل، فيما تقبل بعض السيدات بالعمل من دون التقيّد بهذا الشرط، خصوصاً السيدات اللواتي دخلن العقد الخامس من أعمارهنّ.