صفحات الإبداع من تنسيق: أحلام الطاهر

يطرق عيدٌ آخر أيام ظافر الخاوية، فينبش ذاكرته الموسيقية الشحيحة. يطورق بأبيات بخوّت «عيدوا بي في الخلا والفريق معيدين» ويدغم الشطر الخاص بالخضاب، وهو يهرش بأظافره الصفراء صدغه. يشتعل حماسه فيطبل براحة كفه على فخذه، مكتب رئيس الرقباء، جدران السجن حتى باب دورات المياه، يختار المغلق منها ولا يتوقف عن التطبيل حتى يسمع من الداخل لعنتين على الأقل.
«شايب ما يرحم اللي غدا قلبه حزين** جعل ذوده في نحر قوم وهو يشوفها»
يهمس بالبيت بين رفاقه إذا مر ضابطهم المناوب، فإن انتبه الضابط انكمش ظافر في مقعده، وإن ابتعد قلّد مشيته. يتقن تقليدهم جميعاً، وترتفع ضحكات الجنود كلما زاد عدد نجوم الضابط المقلّد ونياشينه. لم يجرب ولا مرة خفة دمه في حضور أي ضابط، هو من عسكر يؤمنون بأن اليوم الذي لا يخاطبهم فيه رؤساؤهم ولا يلحظون وجودهم، يوم جيد.
فرت الرتابة من استراحة الجنود حين استدعاه كبيرهم.
– كم لك من أهلك؟
كان ظافر قد توقف عن إحصاء الأيام منذ الإجازة الأخيرة قبل أسبوع. يحتاج أصابع يديه ورجليه للحساب ولن تكفي.
لا يظن أن الضبّاط يظلمونه وهم يلحقون التوقيف بتوقيف، كان مؤمناً أن نومة أهل الكهف مصيدته التي تنهش راتبه، وأيام إجازاته وتكاد تبلع الترقية أيضاً. رد بصوته الرسمي: الواجب أهم طال عمرك!
قال الكبير: أهلك في الوادي؟ ثم دون أن ينتظر الإجابة، سلّم العريف ورقة مدموغة بتوقيعات وأختام: تأخذ التعبان هذا لشهار وتقضي أربعة أيام عند أهلك وترجع لنا ثالث العيد بحول الله!
قلب ظافر تكليف تسليم السجين لمستشفى الصحة النفسية وهو يبلع ريقه. الضابط الذي لم يقرأ أفكار جنديه، صرفه بهواجسه والورقة: الفجر تستلمه من الضابط المناوب.
لم ينم ظافر ليلته كي لا يفوته عيد الخماسين. مع نجمة الصبح، كان يؤدي التحية ويستعد لاستلام سجينه.

«رجال في العمل I,II,III,IV» للفنان السعودي عبد الناصر غارم (100.0 × 118.0 سنتم ــ 2012)

ولأنه لم ير غير مجانين الأفلام، كانت صدمته كبيرة حين دخلوا برجل نحيل طويل هادئ ذي شارب مهذب.
لم يكن في الرزين الذي سلّم على الضابط وجنده ملمح جنون واحد، ولولا القيد في أطرافه لأقسم ظافر أنه لم يبت في السجن ليلة.
أركبه بجواره في الكراون فيكتوريا الفضية موديل ٩٠.
الصمت المطبق في السيارة لم ينقطع حتى توقفا بعد ساعة للتزود بالوقود. طلب المجنون كأس شاي بالحليب: «وإذا عندهم بسكوت أولكر هات لي .. لا هنت».
مده الجندي بكأسه الورقي وبقي خارج السيارة متذرعاً برغبته في التدخين. ينفث ظافر الدخان ويثني على نباهته: «أنا مهبول أقعد جنبه وفي يده شيء حار؟! ماذا لو خطر له أن يصبّه عليّ؟!»
بعد سيجارتين وكأس شاي الحبق، أعاد ظافر حساباته: لا أظن بعقله شيء.. لا بد أنه تورط بمصيبة لا خلاص من عواقبها واختار أهله الجنون حتى لا يسجن.. وكما استلّوه من السجن في ليلة سيخرج من شهار في لحظات.. «واضح إنه ولد نعمة».
خلع بدلته العسكرية ولبس ثوبه البني المخطط بالأسود، ثم ركب السيارة.
قطع المسافران الدرب الطويل بين الرياض والطائف في أحاديث حفرت قليلاً في سيرة السجين: نشأته في حرض، عمله في وزارة الزراعة، عشقه لجده ولعلي عبد الكريم ولشارع فلسطين: «كلما ضاق صدري لقيت علاجه هناك».
لم يقل شيئاً عن سبب سجنه ولا عن تهمة الجنون. وليكون ظافر منصفاً، سيعترف بأنه استمتع بحديث رفيقه المنظم عن سيارات الفورد وتاريخ دخولها السعودية وما قيل فيها من قصائد شعبية ماراً على عجل بقصائد المرية.
تحدث عن حرب ٦٢ في اليمن التي شارك فيها والده، وحين سمح له ظافر، قلّب الأشرطة القليلة في السيارة واستأثر باختيار الأغاني التي سيستمعان إليها تالي المشوار.
بعد ثلاث ساعات، أدار الراكب وجهه للرمل المريض وسكت. كان توقيته سيئاً جداً للعريف الذي اندلق النوم من نافوخه على أجفانه. كأس القهوة التي شربها في الوقفة الثانية للوقود لم تطرد حتى الغبار عن رموشه القليلة.
بعدما راغت السيارة عن الطريق مرتين، اقترح مهدي (السجين) أمراً: يا أخي، لو أدري أن ميتتي ستكون في البر، ما ركبت معك.. أما انزل في محطة وارقد و«كل مطرود ملحوق» أو أسوق السيارة عنك حتى نصل.
وللتوثيق، فإن المقيد لم يقنعه بل تكفلت بذلك الست وعشرين ساعة بلا نوم.
هبة الهواء وخطوته الأولى خارج السيارة، أيقظتا حواس السجان كلها، وللحظة كاد يتراجع، ثم انزوى كجنين في مقعد الراكب ووجهه للسائق.
تصميمه على مراقبة سجينه، تبخّر ويد مهدي تخفض صوت المسجل والسيارة تسبح في الدرب الذي لا ينتهي.
غيبوبة ظافر الكابوسية توجت بحلم السقوط فانتفض، تحسس ركبته التي تهشمت على الإسفلت وتلفت، وجد السيارة متوقفة عند بوابة مستشفى شهار. مسح لعابه عن خده وهو يسير بخطوات واسعة للمصحة.
قبل أن يتم سلامه على عسكر البوابة، كان مهدي خلفه.
اجتاحته نوبة ضحك هستيرية وهو يرى المجنون مرتدياً لباسه العسكري ويمد الواقفين بالورقة: جئت لتسليم هذا السجين وهذي أوراقه.
الضحك تحول إلى رعب حين قبض العسكر على ظافر. صرخ محاولاً تصحيح الخطأ، لكن شعره المنكوش، عيونه المحمرة، بقعة اللعاب الجافة على شدقه، وجمله المفككة لم تساعده كثيراً.
أسبوع العيد قضته أحياء في الوادي تبحث؛ لم يتركوا حصاة على أختها مفتشين عن ضائعهم.
مطلع الأسبوع الذي يليه، انتدب الضابط جندياً زميلاً لشهار بعد وصول رد غريب على استفساره. العسكري الذي قدم للتعرف إلى ظافر، درس بجدية آثار الضرب والتقييد على بدن صاحبه وقال بحزم: رئيسنا أوصاني ألا أخرجك إن لم تكن قد عقلت.. «أظن الجماعة ما قصروا» ثم كركر طويلاً.
خارج شهار سأله: تروح معي للرياض؟ ينتظرك جزاء طويل.. أو أطلب لك سيارة لتذهب للوادي؟
استأجر ظافر سيارة واتجه لجدة. كان عازماً على أن يرابط في شارع فلسطين.
لم يصدق عينيه حين رأى بعد ساعة واحدة سيارته تمخر الشارع ومرفق مهدي يرتاح على نافذة السائق المفتوحة، وأزرار الزي العسكري تعكس نور الشمس.
كل ما تخيله عن اللقاء تلاشى حين نزل المجنون وسلّم عليه بحفاوة، شاكراً إياه على السيارة وعلى زيارة جدة: كانت أمنية وتحققت.. بيض الله وجهك!
كان مهدي يخلع الزي العسكري والمسجل يصدح «أرسل سلامي مع نسيم الصباح.. للصاحب اللي صار وصله صعيب».
ملامح مهدي البشوشة أشرقت أكثر وهو ينبه الجندي: اشتريت لك أشرطة جديدة.. غيّرت الزيت وعبّأت الخزان بنزين.
* السعودية