خطَت تركيا وإسرائيل خطوة أخرى مهمّة على طريق تطبيع العلاقات بينهما، بعدما أعلنت الثانية قبل أيّام تعيين إيريت ليليان، سفيرة جديدة لها في أنقرة. وليليان كانت سفيرة للكيان في بلغاريا بين 2015 و2019، ومن ثمّ عُيّنت في 26 كانون الثاني 2021، قائمةً بالأعمال في السفارة الإسرائيلية في العاصمة التركية. وفي 17 آب الماضي، أعلنت تركيا وإسرائيل عن تبادل قريب للسفراء، لكن الأولى لم تعلن حتى الآن عن اسم سفيرها الجديد الذي سيُرسَل إلى تل أبيب، علماً أن الجانبَين كانا على وشك التبادل في نهاية عام 2021. ويأتي ذلك التطوّر بالتوازي مع حصول اجتماع كان مقرّراً سلفاً، بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لابيد، في نيويورك، الثلاثاء الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويُعدّ هذا اللقاء الثاني بين الرجلين، بعدما كان لابيد قد زار أنقرة وزيراً للخارجية في 23 حزيران الماضي، كما هو اللّقاء الأول بين إردوغان ورئيس وزراء إسرائيلي منذ اجتماع الأوّل بإيهود أولمرت في عام 2008، قبل العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة.

وقال لابيد، في أعقاب الاجتماع، إن الطاقة كانت الموضوع الرئيسيّ على جدوله. كما شكر تركيا على تعاونها لمواجهة الهجمات «الإرهابية» الإيرانية على مصالح إسرائيلية على الأراضي التركية، في وقت سابق من هذا العام. كما تناول إردوغان ولابيد مسألة تعيين السفيرة الإسرائيلية الجديدة في أنقرة، ومسار استئناف الرحلات الجوّية المدنية بين الجانبَين، والذي كان قد أُعلن سابقاً. وفي سياق «تعزيز العلاقات» أيضاً، استقبل ميناء حيفا الفرقاطة التركية «كمال رئيس»، في الرابع من أيلول الحالي، في زيارة هي الأولى لسفينة حربية تركية إلى إسرائيل منذ أكثر من عشر سنوات. وبعد وصوله إلى نيويورك، مطلع الأسبوع، تحدّث إردوغان في اليوم التالي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، معلناً دعمه «الجهود لتحقيق السلام في الشرق الأوسط». كما دعا إلى «الحفاظ على الهوية التاريخية والدينية للقدس والحرم الشريف»، وطالب بـ«دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية». في المقابل، رأى أن «تطوير العلاقات التركية – الإسرائيلية يخدم الاستقرار في المنطقة، وإسرائيل وتركيا والشعب الفلسطيني».

يبدو واضحاً سعي إردوغان الحثيث لكسب التأييد اليهودي في الولايات المتحدة، كما الإسرائيلي


وعلى ضوء ذلك، توقّف بعض المحلّلين الأتراك أمام تجاهل إردوغان الحديث عن الاضطهاد الذي يتعرّض له الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي يومياً، في مقابل شنّه هجوماً عنيفاً على اليونان، واتّهامه إيّاها بـ«تحويل بحر إيجه إلى مقبرة للّاجئين»، وإظهاره صورة أطفال قتلى بسبب «تعمّد اليونان إغراق مراكبهم»، بحسبه، فضلاً عن توسيعه دائرة انتقاداته، لتشمل «سياسة الصين تجاه الأويغور». وشهدت زيارة إردوغان لنيويورك، أيضاً، نشاطاً مكثّفاً للرئيس التركي مع ممثّلي المنظّمات اليهودية في الولايات المتحدة، حيث التقى أولاً رئيس «المؤتمر اليهودي العالمي» رونالد لودر، لمدّة ساعة في البيت التركي في نيويورك. وحضر اللقاء أيضاً رئيسا «المجتمع اليهودي التركي» إرول كوهين وإسحاق إبراهيم زاده. كما عقد إردوغان اجتماعات مع ممثّلين عن منظّمات تركية وأجنبية في مركز «روكفلر» في نيويورك، قارب عددهم الـ 300 شخص. كذلك، التقى «لجنة توجيه العلاقات التركية – الأميركية»، فضلاً عن اجتماعه، عن طريق «الصدفة»، بالحاخامة اليهودية راشيل غولدنبرغ في أثناء تنزّهه في إحدى حدائق نيويورك، وتعبيره لها عن معارضته لـ«معاداة السامية»، في رسالة «عفوية» إلى اليهود والإسرائيليين. وكان السفير التركي في واشنطن، مراد مرجان، والذي اشتهر بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، قد التقى، في التاسع من أيلول الجاري، الممثّلة الخاصّة لـ«لجنة مكافحة معاداة السامية» في أميركا، ديبوراه ليبستادت، وقال مرجان حينها إن «تركيا تحارب الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية وكل جرائم الكراهية».
ويبدو واضحاً سعي إردوغان الحثيث لكسب التأييد اليهودي في الولايات المتحدة، كما الإسرائيلي، من أجل مواجهة اللوبيَيْن الأرمني واليوناني الناشطيْن جدّاً هذه الفترة ضدّ تركيا، التي دخلت أخيراً في توتّرات مع أثينا ويريفان. كما أن إردوغان يأمل كسب ودّ الرئيس الأميركي، جو بايدن، ولقاءه، علّ في ذلك تخفيفاً للضغوط الكبيرة على الاقتصاد التركي. وكتب مراد يتكين، متسائلاً عمّا إذا كانت «طريق واشنطن تمرّ بإسرائيل أو اليونان». وقال إن «إردوغان تزداد حاجته إلى المال مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، وهو يأمل أن تستنفر المؤسّسات المالية اليهودية في العالم لدعم تركيا». وأضاف يتكين إن «جزءاً كبيراً من المستثمرين الروس الذين جاؤوا إلى تركيا من روسيا بعد الحرب الأوكرانية يحملون جوازات سفر إسرائيلية». وأشار إلى أن «هناك انطباعاً في أنقرة بأن تأييد إيران لأرمينيا يدفع أيضاً بأذربيجان إلى التقريب بين تركيا وإسرائيل»، متابعاً أن الرئيس التركي «يعتقد بأن لقاءاته مع الإسرائيليين وممثّلي المنظّمات اليهودية يمكن أن تفتح له الطريق إلى البيت الأبيض، بما يخفّف من الأزمة الاقتصادية». وختم يتكين قائلاً: «هذا يسمّونه سياسة خارجية بـ 360 درجة!».
في السياق نفسه، انتقد السفير التركي السابق في الولايات المتحدة، نامق طان، ما سمّاها «السياسات المتقلّبة» لتركيا في الفترة الأخيرة. وقال إنه «لا يمكن في السياسة الخارجية أن تغنّي كلّ يوم أغنية جديدة». وقال إن «تركيا تبدو منذ فترة طويلة مثل سفينة تسير من دون قبطان، وتتمايل في بحر عاصف»، مضيفاً إن «أنقرة باتت في مرحلة يَصعب معها تَوقّع ما الذي ستفعله في السياسة الخارجية»، وهذا، بحسب طان، «لا يمكن تسميته سياسة خارجية متعدّدة الأبعاد».