يرجع تاريخ صناعة الفخار السوري إلى العصور القديمة. وتشير بعض المصادر إلى شيوعه منذ الحقبة الفخارية (بين 6000 و4000 ق.م)، في عصر «النيوليت» (العصر الحجري الحديث). اليوم؛ تبدو الحسرة واضحة على وجوه جميع ممارسي المهنة ممن التقتهم «الأخبار»، خوفاً من مستقبل قاتم يهدد بخلوّ البلاد من ممارسي «أقدم حرف التاريخ»، ما لم تتحرك جهة ما، لإنقاذ فخّار سوريا، وفخارها.

يجلس محمد سالم فاخوري على كرسي في مصنعه، في منطقة «السليمة» الصناعية، (قرب برزة في محيط دمشق). بيدين عمر خبرتهما 50 عاماً، يحرك عجينة صلصال موضوعة على دولاب متحرك، وسرعان ما تأخذ العجينة شكلاً ما. يعشق فاخوري، الفخار. كنية الرجل المنحدر من محافظة حمص، مشتقّة من المهنة التي ورث أسرارها عن عائلتي أمه وأبيه. «حمص كان فيها حوالى 80 فاخورياً، يعملون في مهنة صناعة الفخار منذ 60 عاماً. اليوم، بقي منهم اثنان أو ثلاثة فقط، منهم أنا»، يقول محمد لـ«الأخبار»، والابتسامة تعلو وجهه، فيما تواصل يداه العمل.


طرق فاخوري باب المهنة منذ كان في الصف الثاني الابتدائي، قبل أن يبدأ العمل على الدولاب في مطلع العشرينيات من عمره. سعى إلى تطوير مهنته، عبر إدخال الرسم والحفر، بعد أن صار شَيّ الفخار يتم بواسطة فرن كهربائي، أما العمل على الدولاب، الذي يعطي الصلصال شكله الأول، فظل يدوياً. «مصلحتنا تبدو بسيطة، لكن علينا أن نحسب حساب نسمة الهواء» يقول الرجل، ويشرح السبب «لو تعرضت قطعة الفخار للهواء من طرف واحد فقط، من دون أن يجفّ الطرف الآخر، لتخرّبت القطعة، ولضاع التعب».

مراحل العمل
التربة، الزمن، الإبداع، الجو، حرارة الفرن وفصول السنة. كلها عوامل تؤثر بما لا يقبل الشك في المنتج النهائي. يشرح لنا سير العمل «ننقي التربة من الشوائب، ونطحنها. نهزّها بالغربال، ثم نرويها بالماء للتخلص من الحصى، فلا يبقى غير الغضار الصالح». ويضيف «بعدها، نعجنه، ونعطيه قساوة محددة من خلال زيادة كميات التراب للغضار. يرافق العملية فرك ودعك باليدين، بعد ذلك نترك العجينة تختمر ليوم واحد، ثم نشكل كل قطعة على الدولاب». آخر المحطات، هي فترة التجفيف الطبيعي، التي تستغرق أياماً في الصيف، وربما شهراً في الشتاء. تختلف مراحل العمل تبعاً لحجم القطعة، وتُنجز بعض القطع الكبيرة على مرحلتين، ليتم تجميعها تالياً.

كذلك؛ يختلف زمن الشيّ بحسب حجم الفرن وطبيعة الفخار، وغالباً ما يستغرق ثماني ساعات على الأقل، في درجة حرارة تتبدل بحسب نوع الشيّ. النوع البسيط (ويسمى البسكوت) يتطلب 800 درجة مئوية، أما الطناجر التي تُكسى بالزجاج فتتعرض إلى حرارة تتجاوز 1000 درجة.

ثروة غضارية... وصنعة مهدّدة!
أول ما يبحث عنه صُناع الفخار تربة ملائمة، لها قوام متماسك وقابلة للتشكيل، غضارية تشبه طمي الأنهار، وهي موجودة بكثرة في سوريا. يقول فاخوري «اكتشف الجيولوجيون غضاراً مناسباً لمهنة الفخار، في المناطق الممتدة من القطيفة (ريف دمشق)، حتى مناطق ريف حمص، مثل تدمر وجب الجراح، وتبعد بأعماق متفاوتة عن سطح الأرض». يرى الخمسيني أن صنعته مهددة بالانقراض، إن لم تجد من يشجعها ويحرص على نقلها إلى أجيال جديدة. يقول «لم أعلّم أولادي المهنة، لأنها متعبة وذات مردود مالي قليل». ويضيف «الأزمة أنقصت كثيراً ممارسي الصنعة. معظمهم هاجر، ولم يبق سوى بعض الحرفيين المتناثرين في بعض المحافظات والمدن، كحلب والقامشلي. عدد هؤلاء غير مُحصى بدقة».
«لم أعلّم أولادي المهنة، لأنها متعبة وذات مردود مالي قليل»


بدوره، يدعو محمد عرابي، صاحب «معمل القصر للفخار» في ريف دمشق، إلى الرجوع إلى الطبيعة عبر بوابة الفخار. ينتقد الرجل الثمانيني الطبخ في أواني النحاس، والألمنيوم، و«Tefal، وStainless Steel» لمضارّها. يؤكد أن «للخضار واللحوم طاقة يستمدها الجسم لتعزيز قوته، والفخار يحفظ تلك الطاقة، على عكس أدوات الطبخ الأخرى». يذكر عرابي أن البواخر الأوروبية كانت، قبل الأزمة، تنقل الغضار المستخرج من شرق محافظة حمص، ومن منطقة البصيرة (في الجزيرة السورية)، التي تحوي كميات كبيرة أيضاً. يصف الرجل الغضار السوري بـ«الكنز المدفون، المهجور والمهمل».


يحلم عرابي بأن تستعيد هذه المهنة عافيتها في «بلدها الأصلي»، بعد أن أخذت تنتشر في الدول الغربية. يقول «أبذل جهوداً لإقامة معهد لتعليم الفخار. بالطبع لديّ خسارة كبيرة في هذه الصناعة، نفقاتنا كثيرة، وخاصة كلفة الشيّ، وضرائب الكهرباء المرتفعة جداً. لولا وجود موارد أخرى لأفلست».

لا أسواق خارجية
يعمل نبيل علي سيف الدين، في هذه المهنة منذ قرابة 30 عاماً. هو «شيخ كار» وعضو في «اتحاد الحرفيين بدمشق». عمره 45 عاماً، وقد ورث المهنة عن والده. ينحدر الرجل من مدينة أرمناز (ريف إدلب)، مهد صناعة الفخار وخزّانها البشري في سوريا منذ القدم، لكنه مقيم في العاصمة. كان قد افتتح ورشة في منطقة الدويلعة عام 1995، وما زال عمله مستمراً، بوجود خمسة عمال إلى جانبه. يتوقع سيف الدين، أن عدد ممارسي المهنة حالياً في كامل سوريا أقل من 20 شخصاً، فيما كان العدد سابقاً يتجاوز حاجز الخمسين في مدينة أرمناز وحدها. يقول «في دمشق وريفها يمكن وجود 6 أو 7 معلمين فقط. منهم اثنان في منطقة الدحاديل، وواحد في منطقة الست زينب، وصانع في دمر، وآخر في عدرا الصناعية». يحرص سيف الدين على مواكبة الحداثة. يقول «نعمل على تطوير المصلحة من خلال الماكينات الحديثة، وإضافة الزخرفة والفن، وتحسين طرق الشيّ». يتحدث عن مصادر المواد الأولية بالقول «نحضر التراب بأنواعه. قبل الأزمة كنا نجلب التربة الصفراء والحمراء من أرمناز، وهي النخب الأول. أما الرمل فمن الساحل، ومن سهل الزبداني نحضر التربة البيضاء».

يرى سيف الدين، أن الاهتمام بالتفاصيل يعطي نتائج باهرة، ويؤكد أن الفخار ينقي الماء من الشوائب بشكل أفضل، و أكثر صحيّة من «الفلاتر». يأسف الرجل لاندثار المهنة، ويعيب قلة الاهتمام بواحدة من أهم الصناعات التي اصطبغ بها تاريخ البلاد. يقول «لا يوجد أي دعم للمهنة، لا من الحكومة، ولا من أي جهة أو منظمة». يوضح أن أرباب الصنعة، كانوا يعتمدون سابقاً على التصدير إلى لبنان وفرنسا وإيطاليا والعراق واليونان، ويشاركون في معارض خارجية، اليوم يقتصر التصدير على العراق ولبنان، مع تصدير قليل إلى اليونان. يرى سيف الدين أن «الأجانب يفهمون قيمة القطعة المشغولة يدوياً والجهد المبذول في صناعتها». وينتقد كل إساءة للمهنة «نتيجة الجهل بها». يقول «للفخار خلطة وعجينة سحرية، يجب أن تكون العجينة رقيقة لا سميكة. كما أن شيّ الفخار بدرجة حرارة 600 درجة لا يعطي نتائج مرجوّة. أما الشيّ على الغاز والمازوت، فينعكس سلباً على الفخار، فهو حسّاس ويتطعم مباشرة بالمواد، يجب أن يُشوى الفخار على الحطب أو الكهرباء ليكون صحياً».