القاهرة | بسرعة، يتحوّل وجه الصحافة الثقافية في مصر إلى مجهول لا يتفاءل به كثيرون. وبسرعة أكبر، يبحث المثقفون المصريون عن مبادرات بديلة تشي بأنهم لا ينتظرون خيراً من تغييرات «الإخوان» في الصحافة بعد تعيين مجدي العفيفي القادم من عُمان رئيساً لتحرير «أخبار الأدب» خلفًا لعبلة الرويني (الأخبار 15/ 8/ 2012). وفي مشهد مماثل، فوجئت الشاعرة غادة نبيل باختفاء الصفحة الثقافية التي تشرف عليها في جريدة «الجمهورية».


الصفحة الأسبوعية المنحازة لقضايا حرية التعبير والإبداع، أزيلت من الطبعة الثالثة للجريدة الأسبوع الماضي، ثم مُنعت من النشر تماماً. كتبت نبيل على صفحتها في فايسبوك: «لم تنشر صفحة «ثقافة وأدب» التي أقدمها في «الجمهورية» ولن تنشر بعد اليوم». لا يمكن القول إن المفاجأة كانت شاملة، فلغادة نبيل موقفها السلبي من رئيس التحرير الجديد جمال عبد الرحيم، منذ أن قاد حملة ضد البهائيين، ثم منعَ بالقوة مؤتمراً لجماعة «مصريون ضد التمييز الديني» في «نقابة الصحافيين» التي يتمتع بعضوية مجلس إدارتها. العدد الأخير للصفحة الملغاة في «الجمهورية» كان يضم مقالاً لغادة نبيل يبين من عنوانه «حرية حتى الموت». المفارقة هنا أنّ الصفحة ضمت أيضاً تقريراً لجمال فتحي عن ظاهرة منع مقالات المثقفين في الصحافة القومية بعد التعيينات الأخيرة، وكانت صحيفة «الأخبار» قد منعت بضربة واحدة مقالات أربعة مثقفين، إذ أوقف رئيس تحريرها الجديد محمد حسن البنا (ليس ابن مؤسس الإخوان!) ومقال الروائي المخضرم إبراهيم عبد المجيد «حجة كامب ديفيد» الذي وصف فيه حادثة مقتل 16 جندياً مصرياً في مدينة رفح شمال سيناء بأنها «تقصير عسكري». كما منعت الصحيفة مقالاً للروائي يوسف القعيد بعنوان «لا سمع ولا طاعة»، كتب فيه شهادته على حادثة اعتداء جماهير إخوانية على الصحافي خالد صلاح أمام مدينة الإنتاج الإعلامي بسبب انتقاداته لجماعة الإخوان، وهي حادثة تنصلت منها الجماعة، ثم اتصّل على أثرها الرئيس محمد مرسي بصلاح الذي يرأس جريدة «اليوم السابع»، مؤكداً له: «لا نقبل الاعتداء والعنف من أي جهة ونحترم حرية الصحافة».
كذلك كانت مؤسسة «الأخبار» قد واصلت ملاحقة عبلة الرويني، فمنعت نشر مقالها الأسبوعي بسبب رفضها حذف عبارة «أخونة الدولة». وربما لأن رئيس التحرير محمد حسن البنا قرر أن يريح نفسه تماماً من صداع الثقافة، فقد أوقف صفحة «آراء حرة» التي كانت تضم مقالات لمثقفين آخرين، منهم الروائي محمود الورداني، والشاعر مدحت العدل الذي كان عنوان مقاله الأخير المرفوض نشره «سيادة الرئيس... مصر أم الجماعة؟».
أما «ورشة الزيتون» النقدية الأسبوعية الأكثر تواصلاً في مصر منذ 20 عاماً، فقد تحولت إلى جهة لإصدار بيانات الإدانة المتلاحقة. في يومين متتاليين، كانت بيانات «الزيتون» مخصصة للعدوان على الصحافة، أدانت في أولهما « الإزاحة الفاشية التي لحقت بالكاتبة والناقدة عبلة الرويني، رئيسة تحرير جريدة «أخبار الأدب»، وإحلال من لا يملك كفاءتها ولا مهنيتها». ودعت الورشة التي يرأسها الشاعر والناقد شعبان يوسف إلى «مقاطعة الجريدة في عهدها الجديد، احتجاجاً على هذا السلوك غير الديموقراطي في ظل نظام يسلك الطريقة التي سلكها النظام المخلوع في الإقصاء والاستقطاب». وكررت «الورشة» استخدام لفظة «الفاشية» في اليوم التالي، في إدانتها الاعتداء على خالد صلاح وزميله الإعلامي يوسف مصطفى الحسيني، معتبرةً الحادثة «داعماً عملياً وفاشياً ومانعاً فعلياً وتعسفياً لمنع هؤلاء الإعلاميين من ممارسة أدنى حرياتهم، وأبسط حقوقهم في التعبير عن آرائهم وأفكارهم المستقلة، ما ينذر بموجة فاشية مقبلة، مدعومة بالصمت التام والمطبق من قبل الأجهزة الأمنية ومؤسسة الرئاسة».
وفي سياق متصل، ينظم الصحافيون والمثقفون المصريون مسيرة احتجاجية في وسط القاهرة، تبدأ من ميدان طلعت حرب مساء غدٍ الخميس «للتنديد بالهجمة الشرسة التي تتعرض لها الثقافة والإبداع ومحاولات تكميم الأفواه التي تمثلت في مصادرة بعض الصحف ومنع كتّاب وصحافيين من الكتابة والاعتداء على الإعلاميين». كما تأتي الوقفة نفسها إعراباً عن قلق المثقفين من «محاولات تغيير هوية الدولة من خلال الدستور الذي تجرى صياغته حالياً، وخصوصاً في ما يتعلق بالحريات العامة والخاصة».
إذاً، سينظّم هؤلاء وقفتهم القلقة وسط رياح القاهرة المضطربة، وسيرفعون صور رموز التنوير المصرية خلال الأعوام المئتين المنصرمة، ربما ليستمدوا منها القوة... والأمل!

تم تعديل هذا النص عن نسخته الورقية بتاريخ ٢٢ آب ٢٠١٢