رغم المرض والخجل، استحقّت عازفة البيانو مكانتها في السجل الذهبي للموسيقى الكلاسيكيّة... بلغت التكريس بعد الحرب العالميّة الثانية، وبقيت موهبتها مرتبطةً بموزار

إذا كان اسم موزار قد أطلِق لقباً على بعض المؤلفين، فليس بين العازفين من يستحق هذا الشرف أكثر من عازفة البيانو الرومانية كلارا هاسكِل (1895ـــــ1960). صحيح أن المرأة الأسطورية التي رحلت منذ نصف قرن، لم تُعرَف بهذا اللقب، لكن بين موهبتها وعبقرية موزار أكثر من قاسم مشترك. كما والد موزار، كانت والدة كلارا موسيقية، ولقّنتها الدروس الأولى على البيانو. كشفت الطفلة عن قدرة خارقة على الاستيعاب وعن أذنٍ موسيقية كانت تسمح لها، وهي لم تتجاوز الخمس سنوات، بأداء مقطوعة بعد سماعها مرة واحدة. أضِف إلى ذلك، القاسم المشترك الأساسي مع موزار، إتقانها العزف على الكمان أيضاً. كانت كلارا تحترف هذه الآلة إلى جانب البيانو، وبعد فترة الدراسة في كونسرفتوار باريس، فازت ابنة الأربع عشرة سنة بالجائزة الثانية في العزف على البيانو، وبالأولى في العزف على آلتها «الثانية» أي الكمان!




C. HASKIL/SCHUMANN, from PIANO CONCERTO







لكنّها أجبِرَت على ترْك الكمان نهائياً، بعدما شخّص الأطباء، عام 1914، التواءً في عمودها الفقري. هكذا بدأت الصبية ذات المستقبل الواعد تتلقّى الضربات. ومع بداية مسيرتها المهنية، لم يقدّر الجمهور الفرنسي موهبتها، فانتقلت إلى سويسرا. لكنها فقدت الثقة بالنفس بسبب التهميش والإعاقة الجزئية التي تعاني منها، ما يدفعها إلى التهرّب من تقديم الحفلات، كما ألغت أكثر من مرّة حفلات كانت قد وافقت على إحيائها. وأخيراً استعادت هاسكِل ثقتها بفضل الاحتضان الذي لاقته في سويسرا، البلد الذي منحها جنسيّته لاحقاً. لكن القدر كان أيضاً في المرصاد، إذ أصيبت بتوَرّم في عصب العين عام 1942، استدعى خضوعها لعملية جراحية خطرة، ثم خرجت منها متعافية واستهلت المرحلة الأكثر ازدهاراً في مسيرتها. بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تنهال عليها العروض لتقديم الحفلات وتسجيل الأسطوانات علماً بأن عددها يبدو لنا اليوم قليلاً نسبياً. وفي 1960، لدى وصولها إلى بروكسل لتقديم إحدى حفلاتها الكثيرة، تعثرت في محطة القطار فسقطت وأصيبت بأضرار أدّت إلى وفاتها.



C. HASKIL/SCHUBERT, from PIANO SONATA D.960







كوّنت هاسكِل خلال مسيرتها ريبرتواراً كبيراً. احتكاكها الأول كان بأعمال موزار التي غابت بعد ذلك عن حفلاتها بعد الاحتراف. لكن المؤلف النمسوي عاد واحتل لاحقاً مساحةً أساسية في حياة هاسكِل، حتى باتت من أبرز المتخصّصين في أداء مؤلفاته للبيانو المنفرد (سوناتات) والبيانو والأوركسترا (كونشرتوهات). إلى جانب ذلك، صبّت هاسكِل اهتمامها على الحقبة الرومنطيقية، وبالدرجة الأولى على المؤلفَيْن الألمانيَّيْن بيتهوفن وشومان، إضافة إلى شوبرت وشوبان. أما من حقبة الباروك، فاختارت هاسكِل بعضاً من سوناتات الحركة الواحدة من ريبرتوار الإيطالي دومينيكو سكارلاتي... والمفارقة الكبيرة أنها لم تهتم لمَلِك تلك الحقبة المؤلف الألماني جان سيباستيان باخ. وقد تكون أدّت من أعماله في حفلاتها الكثيرة، لكن ليس هناك أي تسجيل يوثق ذلك.



C. HASKIL/MOZART, from PIANO SONATA K.330







من ناحية أخرى، تعرفت كلارا هاسكِل إلى معظم رموز الموسيقى الكلاسيكية في الفترة الممتدة من العشرينيات حتى وفاتها. وقد سجّلت أو قدّمت الأمسيات مع قادة الأوركسترا التاريخيين. لكن علاقة الصداقة الأمتن، كانت تلك التي جمعتها بعازف الكمان البلجيكي الشهير أرتور غروميو (1921ـــــ1986)، إذ تعرفت إليه عام 1950 وشكلت معه الثنائي الأشهر لعشر سنوات. وكانت في طريقها إليه في بروكسل، لتقديم أمسية مشتركة تجمعهما، حين خطت خطوتها التراجيديّة الأخيرة. للثنائي تسجيل تاريخي لستّ من سوناتات موزار للبيانو والكمان، إضافة إلى تسجيل كامل لأعمال بيتهوفن في الفئة نفسها. أما بعيداً عن الأضواء، فكان الصديقان يتبادلان الآلات ويلهوان بالموسيقى، إذ كان أرتور يعزف البيانو أيضاً، وكلارا تعزف الكمان باحتراف، رغم تعرّجات القدر وقيوده اللئيمة.
بشير...