القاهرة | «المجلس العسكري استعاد السلطة». تصريح جاء على لسان عضو المجلس العسكري الحاكم، اللواء ممدوح شاهين، قبل أن يكمل «السلطة التشريعية بعد حل البرلمان». اللواء لم يقل الحقيقة كاملة. وكعادتهم ترك العسكر الأيام تقول ما تبقى. هي بالفعل قالت قبل ذلك، أعلنوا وقوفهم إلى جانب الثورة وتوقفوا. والأيام قالت إنهم وقفوا إلى جوارها حتى حققوا أهدافهم بقتلها، وتسليم البلاد مرة أخرى لنظام المخلوع مبارك. الثورة وقفت في وجوههم، فتحالفوا مع الإخوان وقالوا لهم «إننا معكم»، لكنهم أيضاً لم يكملوا «معكم حتى نقضي على الثورة ونتفرغ لكم»، بنفس حكاية «أكلت يوم أن أكل الثور الأبيض».


أمس فقط اكتملت الصورة، بدا واضحاً موقف العسكر من الثورة. الإخوان والثورة خارج الحياة السياسية، والانتخابات الرئاسية ستزوّر لمصلحة آخر رئيس وزراء مبارك، أحمد شفيق. أمس فقط صدر الحكم بحلّ مجلس الشعب. في اليوم نفسه صدر الحكم بعدم دستورية قانون العزل السياسي لرجال نظام مبارك. وبناءً على ذلك أصبح من ظنوا أنهم فازوا بالثورة وحققوا مكاسب واستولوا على مناصب، خارج اللعبة السياسية، فيما دخل إلى اللعبة من كانوا من المفترض أنهم خرجوا منها بعد الثورة، ورحيل مبارك عن كرسي الرئاسة.
الصورة التي اكتملت أمس كانت تعدّ من فترة. لكن الانشغال بالمكاسب السياسية والمصالح الضيقة أعمى الجميع عن النظر إلى الوضع بشكل كامل. العسكر لن يتخلوا عن الحكم، وإن تخلوا فسيسلمون السلطة لمن هو معهم، أو على الأقل لمن لا يضر بمصالحهم. هكذا صرخ الشباب في ميدان التحرير، في أحداث شارع محمد محمود الشهيرة، في تشرين الثاني الماضي. وقتها تركت جماعة الإخوان المسلمين الثوار وحدهم يُقتلون ويصابون، ولم يتخذوا قراراً بالانضمام إليهم في التظاهرات التي كانت الداخلية ترد عليها بعنف شديد. الأحداث كانت عقب جمعة «المطلب الواحد» الداعي إلى تسليم السلطة من العسكر إلى سلطة مدنية، عبر تحديد موعد نهائي وواضح لانتخابات الرئاسة. وأعلنت مجموعة من القوى السياسية اعتصامها في الميدان، بينما كان الإخوان يرفضون ذلك، ويؤكدون أن الاعتصام سيعطّّل انتخابات مجلس الشعب. جماعة الإخوان وقتها لم يكن يهمها إلا مصالحها الضيقة عملاً بمبدأ أن «مصلحة الجماعة ستصبّ في مصلحة مصر»، وأن أي نجاح للإخوان سينعكس بطبيعة الحال على الدولة المصرية. المهم لديها وقتها أن تحصد مقاعد البرلمان، فتكرر الأمر نفسه في أحداث مجلس الوزراء. بينما كان الثوار يعترضون على تكليف كمال الجنزوري بتشكيل الحكومة الجديدة، كان الإخوان يرون أنه لا بد أن تمنح الحكومة الفرصة كاملة. وحتى مع بداية أحداث العنف، بإطلاق الشرطة العسكرية الأعيرة النارية على المعتصمين، لم يتخذ الإخوان موقفاً على أرض الواقع. وكان حلول الذكرى الأولى للثورة. الثوار أعلنوا أن الذكرى الأولى ليست للاحتفال بالثورة، ما دامت أهداف الثورة لم تتحقق بعد، ولا يزال قتلة الشهداء أحراراً ويحصلون على البراءة من القضاء، ولا يزال العسكر يحكمون رغم أنهم وعدوا بأنهم لن يستمروا في الحكم أكثر من ستة أشهر. وقد مرّ عام ولم يرحلوا عن الحكم. كان الثوار يرفعون مطالب أخرى تطالب بتطهير مؤسسات الدولة، وعزل بقايا النظام السابق «الفلول». وهتف الثوار وقتها بأن «الثورة مستمرة»، ولا بد من أن تستكمل أهدافها. لكن وقتها أيضاً كان للإخوان رأي مخالف. فقرروا النزول إلى الميادين للاحتفال بالثورة، باعتبار أن الثورة انتهت بالفعل وحققت مكاسبها، فهم ضمنوا أغلبية البرلمان، حتى وإن كان الثمن هو شق الصف الثوري الذي بدأ باستفتاء 19 آذار. يومها استغل الإسلاميون الدين لمصلحة مكاسبهم والاكتفاء بتعديل بعض مواد الدستور المعطّل، والخروج بها في إعلان دستوري، بدلاً من إعداد دستور جديد للبلاد.
البرلمان هو الآخر كان كاشفاً للإخوان. وتأكيداً لشق الصف الثوري، في بداية أعمال المجلس في 23 كانون الثاني الماضي، دعت مجموعة من القوى السياسية إلى تنظيم مسيرات إلى البرلمان لمطالبته بالسعي والضغط لتشكيل حكومة ائتلاف وطني. وقتها اعتدى شباب الإخوان على المتظاهرين، رغم أن مطالبهم تركزت على أن يكون حزب الأغلبية في البرلمان راعياً ومؤلفاً للحكومة الائتلافية.
اليوم الإخوان في حاجة إلى من يقف معهم، لكنهم لن يجدوا. فحدث ما رسم له المجلس العسكري وشق الصف. في أحداث مجلس الوزراء، خرج قادة الإخوان والسلفيين ينتقدون المتظاهرين بعبارة «إيه اللي وداهم هناك». وفي الذكرى الأولى للثورة، قالوا إن من يدعون إلى استكمال أهداف الثورة «يريدون تخريب البلاد». وفي أحداث البرلمان قالوا عنهم «بلطجية يريدون اقتحام المجلس»، واستخدموا دعايتهم المضادة ضد كل من هو ثوري، اتهمومهم بالإلحاد، والشذوذ، وممارسة الشباب الجنس مع الفتيات في الاعتصامات. كل هذا والمجلس العسكري يتابع ولا يتدخل، ويشارك من بعيد في تشويه صورة الثوار والثورة.
اليوم جاء الدور على الإسلاميين، ولا سيما الإخوان، لكنهم أصبحوا بمفردهم في وجه العسكر، وإن كان الجميع سيخسر من تبعات ما يحدث. أحكم المجلس العسكري قبضته على الحكم. عندما صدر قرار منح صفة الضبطية القضائية، أول من أمس، للاستخبارات الحربية والشرطة العسكرية، كان واضحاً الحكم الذي ستحكم به المحكمة الدستورية العليا.
وجاء الحكم بينما الشارع السياسي منقسم فعلاً. الهمّ واحد، لكن حالة العداء التي خلقها المجلس العسكري، وغباء القوى السياسية المختلفة، جعلا عدداً منهم يفرح بالحكم بحل البرلمان، واستمرار شفيق في انتخابات الرئاسة، فقط لأنها ضد الإسلاميين. لكن الواقع يقول إنها ضد الثورة، وعودة للنظام السابق في شكل أحمد شفيق، يؤكد أن الثورة سرقت. العسكر لن يؤدّوا التحية العسكرية لرئيس مدني، فما بالنا لو كان من جماعة الإخوان المسلمين. العسكر يريدون تأمين مصالحهم، ومصانعهم، وشركاتهم، التابعة للقوات المسلحة. هم يعتبرونها أمناً قومياً رغم أنها شركات لتعبئة مياه الشرب، وصناعة المعكرونة. العسكر من البداية، وهم لا يريدونها دولة مدنية، فإن تلك الدولة لا تحمي مصالحهم. الإخوان أمامهم فرصة للعودة إلى الصف من جديد. الصف الثوري الذي سيستفيد منه الإخوان أيضاً، لكن الاستفادة ستوزع على باقي القوى وعلى البلد بشكل عام. إما العودة إلى صفوف الثورة أو إتمام مخطط المجلس العسكري بانقلابه الناعم وعسكرة الدولة.