تفسّر أغلب التحليلات السائدة، عودة التوتر بين تايبيه وبكين، بعامل إعادة تأكيد القوة الصينية، التي من شأنها تبرير رغبة التوحد مع تايوان. تُعلي هذه القراءة، دور العامل الداخلي، المرتبط بأزمة أيديولوجية لنظام «سلطوي»، يبحث عن شرعية، تعزز موقع الرئيس شي جين بينغ، المتنبّه لأمنية الأمة الصينية، والذي جعل إعادة التوحد مع تايوان، أحد شروط «نهضة» الصين.

يرى بارتيليمي كورمون، المشرف على قطب آسيا-المحيط الهادئ، في «معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية» في باريس، ورئيس التحرير المساعد، لنشرة «آسيا فوكيس»، أن هذه التفسيرات للنزاع بين تايوان والصين، تتجاهل البعدين التاريخي والهيكلي للصراع، ولعبة الضغط السياسي، اللذين يندرجان فيه. وهي لعبة تشددت اليوم، بفعل سياق الصدام الصيني-الأميركي، والأولوية الاستراتيجية، التي توليها إدارة الرئيس دونالد ترامب لاحتواء بكين.
بداية، وكما يذكر بارتيليمي، إن كانت الصين قد دخلت في مرحلة تأكيد قوتها، من خلال تعزيز انخراطها في الملفات العالمية، إلى جانب ملف تايوان، فإن ذلك لا يُعد تغيراً يُذكر. برز العداء عام 1949، عندما اصطدم الوعد بدمج تايوان في جمهورية الصين الشعبية، بالمقاومة المسلحة للجزيرة، وبميزان القوى، الذي جعل الأمر مستحيلاً. منذ ذلك التاريخ، لم يطرح قط حل للصراع، ووفقاً للمحلل، حافظَ شي جين بينغ، على موقف سابقيه نفسه.
يقول بارتيليمي كورمون: «هكذا، يعدّ تأويل كلام شي جين بينغ حول إعادة التوحيد باعتباره تأكيداً جديداً للقوة الصينية، خطأً من الناحية التاريخية، ودليلاً على فقر حاد في معرفة العلاقة بين طرفي المضيق. سُنَّ قانون مناهضة الانفصال، الذي يفترض أن يحول العودة إلى استعمال القوة، في حال إعلان تايوان استقلالها، في عام 2005، أي قبل وصول شي جين بينغ إلى السلطة. ومنذ أربعين عاماً، يُضاعف المسؤولون الصينيون تصريحاتهم لشعب تايوان، مستخدمين دائماً الخطاب العسكري والودي نفسه في ذات الوقت (تحرير التايوانيين). لم تنتظر الصين شي جين بينغ لتهدد تايوان واستقلالها الفعلي، القائم منذ ستين عاماً».
من ناحية أخرى، يرى الباحث أن قدوم إدارة ترامب، لم يغير ميزان القوة بين بكين وتايبيه بعمق، لكنها مع ذلك، صارت على نحو مقلق، جزءاً من العداوة بين الولايات المتحدة والصين. ويقدِّر أنه توجد أجندتان مطروحتان اليوم على طاولة بكين: توجد من ناحية علاقتها مع تايوان، التي تسودها أهداف ثابتة، ويعاد تأكيدها بلا كلل، وهي لمصلحة إعادة التوحد التي تجري على نحو أحادي ينحي جانباً تطلعات التايوانيين (ما يجعل الأمر يبدو بالنسبة إلى كورمون كـ«عزم على الإلحاق»).
من ناحية ثانية، ينشغل الصينيون بالعلاقة مع الولايات المتحدة، والتفاوض حول مجال النفوذ، «لا شك في أن الصين قلقة من أن تُطوَّق، لكن، مرّة أخرى، لم تولد هذه المخاوف بالأمس، فهي تمثل هوساً للنظام الصيني، وقد كانت موجودة قبل قدوم شي جين بينغ. الجديد، هو القدرات العسكرية الصينية، التي، بعيداً عن القلق، يمكن أن توفر إجابات لبكين». في هذا السياق، تسمح إعادة التوحّد مع تايوان بدفع هذا القلق، لكن مرة أخرى، هذا النزاع ليس وليد اليوم». يدقق كورمون، أنه وإن كانت الولايات المتحدة تؤدي دوراً أساسياً في ميزان القوى، إلا أن هذا الوضع ليس جديداً: «منذ الخمسينيات، قامت سونغ مايلين، زوجة شيانغ كاي شيك، بضغط مشدَّد لدى برلمانيين أميركيين، واستفادت من دعم ثابت من الجمهوريين. لقد تغير الزمن بلا شك، لكن يواصل العديد من النواب الأميركيين في دعم تايوان في مواجهة الصين القارية». مع ذلك، يرى عدد من المراقبين تسارعاً في التقارب بين الولايات المتحدة وتايوان، منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة، ما طرح شكوكاً حول مبدأ وجود «صين واحدة»، وأدخل اضطراباً على التوازن الدبلوماسي بقبول ترامب بإجراء حوار هاتفي مع الرئيسة التايوانية، تساي إنغ ون.
بالنسبة إلى بارتيليمي كورمون، تمكن ترامب من خلال هذه الحركة، من الإيهام بأنه سيكون مسانداً وفياً لتايوان، في حال تصادمها مع بكين، «لكن الحقيقة، أن الرئيس الأميركي، يرى تايوان رافعة تسمح له بالضغط على الصين، في إطار مقاربة الصفقة الكبرى، أو المساومة الكبرى، التي يبدو منخرطاً فيها».
يذكر الباحث أنه إلى جانب استمرار بيعها الأسلحة، تسلط الإدارة الجديدة ضغوطاً على عدد من البلدان، للحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية مع الجزيرة. وقد صوت مجلس الشيوخ، في شباط/فبراير الماضي، لمصلحة قانون يعزز الروابط بين الولايات المتحدة وتايوان، ما يعني عدم وجود قطيعة بين واشطن وتايبيه، منذ قدوك ترامب، الذي كرر، على غرار أسلافه، دعمه لتايوان. ويضيف: «نتذكر أنه في بداية الألفية، في ظل إدارة بوش، تلقى الرئيس التايواني، شان شوي بيان، وهو استقلالي صريح (على عكس تساي إنغ وون)، جائزة حقوق الإنسان من الولايات المتحدة، للتدليل بشكل أوضح، على دعم واشنطن لتايبيه. ما تغير مع ترامب، ميلاد نوع من الفظاظة في التعامل مع هذا الملف الحساس، ما يعكس دون شك، جهلاً كاملاً به، واستخفافاً كبيراً بالقضية التايوانية».
يرى المحلل أن الاعتقاد في دعم الولايات المتحدة لتايوان، على نحو غير مشروط، في حال تصادمها مع الصين، أمر ساذج. ووفقاً له «من سوء الحظ، أن الرئيسة التايوانية، تبدو شديدة الثقة. ومن المؤكد أنّ من الحكمة أن تلتفت تايوان في اتجاه شركاء آخرين، حتى تتجنب ما قد يحدث، إذا ثبت أن واشنطن لا يمكن الاعتماد عليها، وتتعظ من نموذج بلدان أخرى في المنطقة، على غرار اليابان».
لا يزال احتمال قيام صراع مسلح بين واشطن وبكين موضوعاً يُسيل الكثير من الحبر، ويشير بارتيليمي كورمون، إلى أهمية هذه العداوة بين القوتين، وأثرها في العلاقات الدولية المعاصرة. لكنه يرى أن خطر قيام نزاع مسلح سيزول بسرعة، «أولاً لأن آثاره ستكون مدمرة لكلا البلدين، ومن ثم لأن شروط مثل هذا الصراع، ليست مستوفية. ما بقي، ليس إلا خطاباً وضغوطات لوبيات عسكرية-صناعية تبحث عن اللعب على المخاوف والهوامات، لتبرير مبيعات أسلحة مهمة. على الشاكلة نفسها، تبقى فرضية قيام نزاع مسلح بين الصين وتايوان ضعيفة للغاية، لأسباب مشابهة».