لو عاد إلى الحياة بعض الذين عاشوا في الضاحية الجنوبية لبيروت، خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات، ورأوا شجرة الميلاد مضاءة اليوم في شوارع حارة حريك وبئر العبد، لما صدّقوا أن هذه هي الضاحية حقّاً. العالم يتغيّر، والضاحية تغيّرت، نسبياً، ويصحّ فيها لسان بعض عجائزها عندما يقولون: «ما بيبقى على ما هو إلا هو».


كل شيء يمكن حركةَ الزمان أن تجد فيه الثقوب المناسبة، لتعبر منها، فتختلف الصور في تمظهراتها. حتى مبدأ «عدم التشبّه بالكفّار» يُصبح ممكناً القفز فوقه، بألف طريقة وطريقة، وما كان بالأمس «بدعة سيئة» يُصبح اليوم «بدعة حسنة». العالم يتغيّر، والضاحية تتغيّر، ووحدهم الذين لا يستوعبون حركة الزمان يتلقّون الصفعات، والصدمات، ولكنهم في نهاية الأمر يُسلمون للأمر الواقع تحت عنوان «المصلحة العامة».
عندما يُقال الضاحية، يعني شيعة، هكذا أصبح الإيحاء تلقائياً. لم يكن الشيعة في لبنان، وفي الضاحية تحديداً، على مزاج واحد في يوم من الأيام. حتى في عزّ أيام «الراديكالية» كان هناك من يُزيّن شجرة الميلاد داخل منزله، عملاً بسُنّة «العيش المشترك» في لبنان، والتعايش الإسلامي المسيحي، وربما قبل ذلك بما تبثّه «طقوس الشجرة» من أجواء فرح وبهجة. كثيرون اليوم، ممن يتمسّكون بالشريعة الإسلامية في الضاحية، كبروا في بيوت كانت تُزيّن بالشجرة كل عام. بعض هؤلاء انخرطوا لاحقاً في الأحزاب الشيعية، منهم من استشهد ومنهم من لا يزال إلى اليوم يقاتل. لكن، ما لم يكن مألوفاً في السابق، هو انتصاب شجرة الميلاد الضخمة أمام بلدية حارة حريك، وفي شارع الاستشهادي أحمد قصير، الشارع الذي ضُرب أخيراً بتفجيرين انتحاريين، أحدهما كان منفّذه لبنانيّاً من منطقة الشمال.

يبدو المسيحي كمن عليه الاختيار بين شجرة الضاحية أو شجرة طرابلس


باب الاجتهاد أوسع عند الشيعة في مسألة الاحتفال بميلاد المسيح


ماذا عن شجرة الميلاد في الشمال؟ الضاحية شيعية اليوم بأكثريتها الساحقة، وإن كان فيها، سابقاً، عدد وازن من المسيحيين (ميشال عون ابن حارة حريك). لكن الشمال كان، وما زال، للمسيحيين فيه حضور أكثر من وازن. خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل سطوة «السلفية» على النفَس الطرابلسي، أقلّه في الشكل والإعلام، لم يكن أحد ليخطر في باله الحديث عن وضع شجرة الميلاد. ظنّ البعض أن طرابلس أصبحت، أو ستصبح، على شاكلة قندهار زمن حكم طالبان لأفغانستان. لكن ها هو الوزير أشرف ريفي، الطرابلسي القحّ، يُدشّن إلى جانب رجال الدين المسيحيين شجرة الميلاد، قبل أيام، في وسطة عاصمة الشمال. ينادي من أمام الشجرة، قائلاً: «مرة جديدة تثبت طرابلس وجهها الحقيقي، فتاريخها تاريخ العيش المشترك والوحدة الوطنية، وهي مدينة المحبّة والسلام والعلم والعلماء، وكل حملات الافتراء وحملات التشويه اندثرت، وباتت وراءنا». سيجد هذا الكلام مثيله في الضاحية أيضاً. فتيات، ممن يلبسن العباءة السوداء، يفاخرن على مواقع التواصل الاجتماعي بشجرة الميلاد التي تُزيّن منطقة بئر العبد. رئيس بلدية حارة حريك، زياد واكد، يقول: «خلال السنوات الأخيرة بتنا نضع الشجرة في الشارع العام، ولم نلق أي اعتراض، بل على العكس، أعرف أن «الأخوة» يضعون الشجرة في منازلهم إليهم». عندما يقال «الأخوة» في الضاحية فهذه إشارة إلى «شباب حزب الله». كنيسة مار يوسف، في حارة حريك، المحاطة بمنازل الحزبيين، انتصبت أمامها أيضاً شجرة ميلاد ضخمة.
ماذا عن السياسة؟ ريفي، مثلاً، يُدرك أن سيلاً هائلاً من فتاوى «السلف الصالح» ستعارضه في مسألة الشجرة وأصل شرعيتها. في الضاحية يُدرك المعنيون، أيضاً، أن بعض الميول المتشددة لا تزال، حتى اليوم، وهي لا تستسيغ شجرة الميلاد، شرعاً. لكن يُلحظ أنّ هذا النفَس في الساحة الشيعية أقل، بنسبة عالية، مما هو عليه في الساحة السُنيّة. هكذا، في كلتا الصورتين، يظهر أن ثمّة رغبة باستمالة المسيحيين. كأن الشخصيات السياسة السنيّة، من الذين يصفون أنفسهم بالمعتدلين، يريدون القول للمسيحيين: «نحن نحبكم أكثر». يعني لا بد لهم من إرسال رسائل محبّة، إلى بيئة «القوات اللبنانية» المسيحيية، وغالباً ما يكون ذلك يستبطن نوعاً من النكاية بالطرف الإسلامي الآخر. هذا الطرف الآخر لديه رسائله أيضاً، كأنه يريد أن يقول لبيئة «التيار الوطني الحر» المسيحية، نحن الذين «نحبّكم أكثر». لم تكن هذه الإشارات لتظهر قبل اللقاء الشهير بين السيّد حسن نصر الله والعماد ميشال عون في كنيسة مار مخايل. ربما من هنا تُفهم «حماسة» قناة الـ»OTV « لتغطية حدث شجرة الميلاد في الضاحية، وتقابلها حماسة مماثلة من قناة الـ»MTV « لتغطية حدث شجرة طرابلس. يبدو المسيحي اللبناني اليوم كمن عليه الاختيار بين شجرة الضاحية وشجرة طرابلس، شجرة الشيعة أو شجرة السنّة، وهكذا.
سابقاً شهدت طرابلس إحراقاً لشجرة ميلاد، وهذا العام، قبل أيام، تعرضت الشجرة التي وضعت عند تقاطع إيليا في مدينة صيدا للحرق أيضاً. شخصيات تيار المستقبل، ومن يدور في هذا الفلك، كانوا يسارعون إلى التصريح بأن هذا الفعل «لا يمتّ إلى الإسلام بصلة». في الضاحية لم يحصل حرق لتلك الشجرات.
ما حكاية الحرق والاعتداء والاعتراض على تلك الشجرة، قديماً وحديثاً، عند المسلمين؟ في الواقع، ربما وجب لفت نظر الوزير ريفي، ومن يُشاطره نزعة الـ»كوول» من المعتدلين، كما يصفون أنفسهم، إلى أن ثمّة فتوى سعودية - وهابية رسمية، في هذا المجال، صادرة عن «اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» برئاسة الراحل الشيخ عبد العزيز بن باز (المفتي السابق في السعودية). الفتوى تحرّم الاحتفال والمشاركة في كل عيد لغير المسلمين، ويصل بها الأمر إلى حد تحريم إحياء عيد الأم مثلاً، وعيد ميلاد المسيح بطبيعة الحال، ومردّ ذلك «لما فيه من التشبّه بالنصارى ونحوهم من الكفرة» (فتاوى اللجنة الدائمة 88/3). هذه فتوى سعودية (مستوحاة من فتوى لابن تيمية) رسمية، وليست مجرّد تغريدة لأحد الدعاة، وريفي وجماعته يُحبّون السعودية جيّداً، وهي مرجعهم، وبالتالي ما عليهم إلا أن يتدبروا الأمر ويجدوا «التخريجة» المناسبة للشجرة.
شيعياً، يُوجّه سؤال استفتائي إلى المرجع السيد علي خامنئي، وفيه: «بالنسبة إلى أعياد المسيحيين، هناك بعض المسلمين يحتفلون بها، فيضعون شجرة الميلاد كما يصنع المسيحيون، فهل في هذا إشكال؟ فيأتي الجواب: «لا بأس بالاحتفال بميلاد عيسى المسيح على نبينا وآله وعليه السلام». لا يتطرّق إلى مسألة الشجرة على وجه التحديد، في جوابه، ويقتصر على مبدأ الاحتفال بإعلان جوازه. لكن، عند مرجع آخر، نجد في جواب للسيد علي السيستاني (على موقعه الرسمي) يجيب رداً على سؤال، ما حكم بيع وشراء شجرة عيد الميلاد، بـ»لا مانع منه إذا لم يعدّ ترويجاً للضلال». سؤال آخر يوجّه للسيستاني، هو: هل يجوز أن نحتفل برأس السنة الميلادية، فيجيب: «إذا كان فيه ترويج للمسيحيّة فلا يجوز». بعض المراجع الشيعية، في بحث هذه المسألة، كانوا يفضلون الاحتفال، إن كان لا بد منه، بشجرة «نخل» لا سواها (بحسب النص القرآني).
في نهاية الأمر يعرف المسلمون، السُّنة والشيعة، أن كتبهم التراثية زاخرة بتأكيد مبدأ «عدم التشبّه بالكفّار». وإن كانت الأمور قطعية عند السنّة، أو عند بعضهم، في هذه المسألة، نجد أن باب الاجتهاد و«التخريجات» أوسع عند الشيعة. طبعاً، ريفي وسواه من المعتدلين، سيصعب عليهم إيجاد التخريجات الفقهية أمام السلفيين، ولهذا لا يجد أمامه سوى تخريجات سياسيّة وعناوين عامة، لا يمكن أحداً أن يعارضها في الظاهر، مثل المحبّة والتعايش والسلام.