في عام 2009، توجه جورج ورانيا إلى تركيا مستفيدَين من العلاقات الجيدة التي كانت تربط سوريا بجارتها، ومن فتح الأخيرة باب الزواج المدني على أراضيها، حتى أمام غير الأتراك. أراد الحبيبان الزواج مدنياً تجنباً لفكرة تغيير الأديان. كانا يأملان بتثبيت عقدهما في سوريا عند عودتهما، خاصة أن الحراك المجتمعي في ذلك الوقت كان يتجه لطرح موضوع الزواج المدني والسعي إلى تطبيقه. كانت الخطة «ب» تقضي بسفرهما للعيش خارج البلاد في حال فشلت مساعيهما. لم يتحقق شيء من خطط الزوجين، باستثناء العقد في تركيا. اندلعت الحرب، فتراجعت احتمالات السفر القانوني المتاحة للسوريين، كما تكلل زواجهما بطفلة لا يمكنها عبور الحدود بشكل نظامي، لعدم امتلاكها أوراقاً رسمية.


«الإسلام هو الحل»!
على امتداد سنوات، بذل الزوجان جهوداً حثيثة، للوصول إلى ثغرات تمكنهما من تثبيت زواجهما، أو حتى الالتفاف على القوانين. لكن جميع محاولاتهما باءت بالفشل. يوضح جورج أنهما سافرا إلى محافظات عدّة، وقاما بكثير من الخطوات، كما تعرضا للنصب والاحتيال، وفي النهاية بقي الوضع كما هو. مما جرّباه، محاولة الحصول على «قيد نفوس» مزور، كي يعقدا بموجبه زواجاً كنسياً. كذلك؛ حاولا أخذ الملف باليد، ورشو موظف، لتسجيل الزوجة في خانة الزوج. كما اقترح البعض تسجيل الطفلة باسم شخص آخر لكنهما رفضا الفكرة. أخيراً، أصبحت الطفلة في سنّ التعليم، فلم يبق أمام الزوجين خيار، سوى الزواج في «المحكمة الشرعية»، بعد إشهار الزوج إسلامه. رفعت الزوجة «دعوى تثبيت زواج» أمام المحكمة، استُدعي الزوج، وأشهر إسلامه، فتم تثبيت زواجه، وتسجيل ابنته. اليوم يعتبر جورج في سجلات النفوس شخصاً مسلماً، لا يرث أفراد عائلته المسيحية، ولا يُدفن، حال وفاته، في مدافنها، رغم أنه في حياته الخاصة، ما زال على دينه.

أطفال مكتومون
لم تكن تجربة فادي أفضل، لكنه لا يزال مصمماً على عدم تغيير دينه، ويصر على وثيقة الزواج المدني التي تربطه بزوجته، ولا تعترف بها أي جهة حكومية. للزوجين اليوم ثلاثة أطفال، التحقوا بالمدرسة لكن بطريقة غير نظامية. تمكن الزوج، بحكم علاقاته، من تسجيلهم في إحدى المدارس الخاصة، لكن مسيرتهم الدراسية ستتوقف حين يصلون إلى مرحلة الشهادة الإعدادية، إذ لن يتمكنوا من المشاركة في امتحاناتها. يفسر فادي سبب رفضه «الزواج الشرعي» بأنه مقتنع بفكرة العقد المدني الذي يضمن لكل من الزوجين وضع الشروط التي تناسبه وتضمن حقوقه. ويؤكد بأنه سيستمر في سعيه، حتى يتمكن من حل مشكلته، وتثبيت زواجه في بلده.

حملة ماتت في المهد
قبل حوالى سنة، أطلق عدد من الناشطين حملة بعنوان «سوريون مع الزواج المدني الاختياري». ترافقت الحملة مع محاضرات ولقاءات إعلامية، فضلاً عن إعداد مشروع قانون سعياً إلى إقراره. لكن الآمال ضاعت، حين لمس الناشطون تراجع أعضاء «مجلس الشعب» الذين دعموهم أول الأمر. يوضح غابي طعمة، أحد مؤسسي الحملة، أنهم كانوا مصرين على كلمة «الاختياري»، خوفاً من إثارة أي حساسية في المجتمع. من أبرز النشاطات التي قام بها الفريق، استفتاء عبر صفحة «دمشق الآن» على موقع «فايسبوك»، كانت نتيجته تأييد 63% من أصل 50 ألف مصوّت. يقول طعمة: «كنا متفائلين. لو أجري استفتاء على نطاق أوسع، لأخذنا نسبة قبول كبير، خاصة وقد لاحظنا أننا في كل جلسة أقمناها، أو برنامج حواري، كنا نحصل على مؤيدين ومناصرين جدد». وعن سبب عملهم على مشروع القانون، يبيّن طعمة أنهم، خلال نشاطات التوعية التي قاموا بها للتعريف بالزواج المدني ومفهومه، وجدوا أن «من أهم المشكلات، عدم جود قانون يمكن إسقاطه على سوريا، فالدول الأخرى لا تملك قانوناً مدنياً اختيارياً، بل قوانين مدنية ملزمة».

يُعتبر جورج في سجلات النفوس مسلماً رغم أنه في حياته الخاصة ما زال على دينه


ويضيف «كان لا بد من بناء نص قانوني سوري من الصفر». يوضح طعمة أنهم درسوا قانون الأحوال الشخصية، وقوانين الأحوال الشخصية للطوائف في سوريا، من أجل معرفة الحالات التي تغطيها تلك القوانين. كما استفادوا من القوانين الدولية، واتفاقيات حقوق الإنسان، والطفل، والعهد الدولي. عملت المجموعة الصغيرة شهوراً عدة، للوصول إلى صيغة مسودة نهائية، وعدهم عدد من أعضاء «مجلس الشعب» بعرضها على المجلس، لكن الوعود لم تثمر عن أي شيء حتى الآن. وعن موقف رجال الدين، أوضح طعمة أن «رجال الدين الإسلامي رفضوا الموضوع بشكل قاطع. بعض رجال الدين المسيحي عبروا عن رأيهم الشخصي، لا الكنسي، الموافق على المشروع، وأكدوا أن المؤسسة الدينية ترفض الفكرة بالمطلق».

«حديث القانون»
لا يُعترف في سوريا، إلا بصكوك الزواج المعقودة على أسس دينية (المسلمون أمام المحاكم الشرعية، والمسيحيون أمام المحاكم الروحية، وللطائفة الدرزية محكمة مذهبية خاصة تنظر في أمور الزواج... وهكذا). وبالتالي فإن أي زواج خارج إطار قوانين وشروط الديانات يُعتبر باطلاً، وغير قابل للتطبيق. أما الزواج بين شخصين من دينين مختلفين فله أحكام خاصة. المسلم يستطيع شرعاً الزواج بغير المسلمة، وفي حال رغبت المسلمة بالزواج من شخص غير مسلم، فعليه اعتناق الإسلام، وإلا عُد زواجهما باطلاً. تشرح المحامية لمى قباني، أن «العقبة الوحيدة في قانون الأحوال الشخصية السورية التي تمنع الزواج المدني، هي المادة رقم 48، التي تؤكد أن زواج المسلمة من غير المسلم باطل». تستغرب قباني سبب الاعتماد المطلق في قانون الأحوال الشخصية على الدين الإسلامي، إذ ينص الدستور في الفقرة الثانية من مادته الثالثة، على أن «الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع»، والمعنى هنا أن الفقه الإسلامي ليس المصدر الوحيد للتشريع. تقول «لا وجود لـ أل التعريف، ما يعني أنه رئيسي، وبجانبه مصادر أخرى». وتضيف «معظم قوانينا لا علاقة لها بالشرع. نحن لا نقطع يد السارق، ولا نرجم الزاني مثلاً، كما أن الوصية الواجبة مخالفة للشرع، لكنها أُدرجت في القانون. لا نعرف لماذا تمسكوا بالتشريع في الأمور الشخصية التي تمسّ العائلة!». وعن التفسير القانوني لعدم تثبيت عقد زواج منظم خارج البلاد، توضح قباني، أن السبب «مبدأ سيادة القانون السوري على السوريين، وبالتالي زواجهم خارج البلد غير معترف به، ما يجعل وضع أصحابه من الناحية القانونية بحكم المساكنة». وتقول: «يوجد قصور في القانون، ويجب حله لأن الناس يعانون. كما أن القوانين وُضعت لتساعد الناس على تحسين حياتهم، وليس العكس».