لا تنقطع عن سوريا مواعيد فلسطين، وفجر أمس كان لـ«الشام» موعد جديد. قبيل الفجر، كانت طائرة استطلاع تابعة للعدو تتابع هدفاً محدداً: سيارة مدنية تم تشخيصها على أنها للقيادي في «الجهاد الإسلامي»، أكرم العجوري، الذي يقيم في دمشق. تابعت الطائرة السيّارة من لحظة انطلاقها من مكان قريب في المدينة إلى حين وصولها منطقة الفيلات الغربية في حي المزة. وبعد أن دخلت السيارة مرآب المبنى ذي الطوابق الثلاثة، أطلقت طائرات حربية ثلاثة صواريخ موجهة من فوق مرتفعات الجولان المحتل، ليصيب المبنى صاروخ واحد، بعدما أسقطت الدفاعات الجوية السورية صاروخاً آخر، بينما أخطأ الثالث هدفه فسقط خلف المبنى المستهدف.

أخطأ الإسرائيليون هذه المرة كما في مرات سابقة. لم يكن القائد في سيارته كما توقّع العدو. كان فيها ابنه معاذ ومرافقه عبد الله يوسف حسن. استشهدا فوراً، ونُقلا إلى مستشفى الرازي القريب، ثم نقل الجرحى ومن ضمنهم زوجة العجوري وأخوها، وابنته وحفيدته بتول ابنة الشهيد معاذ. بعد دقائق من الانفجار، حضر المراسلون ووسائل الإعلام. لم يبقوا طويلاً. لم يعرفوا تفاصيل القضية أصلاً. اعتادوا الأمر وباتت الغارات الإسرائيلية أمراً مألوفاً لا يحتاج تغطية طويلة. طوّقت الأجهزة السورية محيط مكان الاستهداف. وما إن غادر الإعلام، حتى حضر نائب وزير الخارجية، فيصل المقداد. وقف أمام المبنى الذي أُصيب الطابقان الثاني والثالث منه، بينما تضرر الأرضي كثيراً. وقف المقداد يستطلع المكان برفقة ضباط الأمن. بدا قلقاً وحذراً. اقترب منه مراسل لإحدى القنوات. أراد استصراحه. لم يُجب مباشرة. ثم التفت إليه قائلاً: «هالموقف ما بدّه تنديد، بدّه شي تاني». ثم أفَل المكان.
منذ سنوات طويلة وقياديو وعناصر «الجهاد الإسلامي» يعملون بعيداً عن الأعين في «الشام». صحيح أنه ليس لديهم أي مراكز أو تجمّعات علنية، لكن لديهم مجموعاتهم المنظّمة داخل مخيمات اللاجئين وخارجها. يروي أحد الضباط السوريين، ممن تعاملوا سابقاً مع «الجهاد» أنهم «حذرون جداً ومتنبّهون إلى التهديدات الأمنية خصوصا في ظلّ الحرب السورية وفقدان الأمن». ولذلك هم «غالباً ما يستفيدون من بعض المناطق المغلقة بالتعاون مع الدولة السورية ليقيموا فيها مراكزهم أو مساكنهم». ومنزل العجوري موجود في منطقة سكنية لكنها أمنية، إذ فيها تقع السفارة اللبنانية، ومنزل السفير الباكستاني، ومركز أمني.
لم تتدخّل «الجهاد» في الحرب السورية، ولم تكن طرفاً على أي حال. اختارت البقاء على الحياد، على عكس ما فعلته «حماس». تابعت الحركة عملها الطبيعي في التدريب والتجهيز والتنسيق بعيداً عن تجاذبات الحرب، سياسياً وميدانياً. «كانوا يقولون إنهم حركة مقاومة لتحرير فلسطين، وهذا التزامهم الوحيد، ولا يعملون إلا له»، يروي الضابط في حديثه عن عدم انخراطهم في الحرب على أي مستوى. وكان المستهدف في الغارة، العجوري، هو من تولّى قيادة عناصر وتشكيلات الحركة خارج فلسطين. وهو أيضاً يُعدّ «المشرف» العام على الجناح العسكري «سرايا القدس». لم يترك العجوري دمشق أبداً طوال السنوات الماضية، وهو من سعى إلى تحييد الحركة عن أي تدخل في المشهد السوري طوال السنوات الماضية، واختار التركيز على ما هو موجود من أجله: التجهيز والتدريب. تمتع العجوري بعلاقات طيبة مع الأطراف كافة ومنهم المسؤولون السوريون والإيرانيون والمقاومة في لبنان، كما تولى التنسيق معهم في ما يتعلق بشؤون «الجهاد» على أكثر من مستوى.