لم يكن ممكناً قبل فترة أن يقتنع المرء بأنّ المخاض الذي تمرّ به المنطقة سيتعثر بعض الشيء، وستأخذ نهايته لو قدر له أن ينتهي شكل المجاز. طبعاً في المجاز ومتفرعاته لا توجد أثمان ولا بشر يطحنون يومياً بالعشرات ليرفعوا هذا الثمن إلى مرتبة تليق بالسرديات الكبرى (الحرية، الكرامة... الخ). ولأنّه كذلك (أي المجاز) فلا يبدو مطابقاً كثيراً لواقع ينزف من دون انقطاع، ونكاد نلمس دمويته ووحشيته ملمس اليد. ثمّة مشكلة فعلاً في توصيف ماهية ما يحدث اليوم أمامنا. كلّ ما نراه بالعين المجرّدة يقول لنا بأنّ الثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب لا يمكن أن يكون إلا مقدمة «لشيء عظيم» سوف يحدث لاحقاً. هكذا قرأنا في كتاب الثورات الشعبية التي عمّدت بالدم والرؤوس المقطوعة. من جهة أخرى بدأت تلوح في أفق التجارب الدموية (ليبيا مثلاً) التي ظهر سياقها الفعلي أخيراً، علائم على أنّ «الشيء العظيم» الذي افترضنا حدوثه لم يستحق عظمته فعلياً. يبدو أننا أسرفنا كثيراً في نمذجة فكرة الثورة وفي ربط نسقها الدموي ميكانيكياً بفكرة التغيير الجذري. علينا من الآن وصاعداً أن نعيد قراءة التاريخ مجدداً، وأن نكفّ عن محاكمة ما يجري حالياً من موقع من يعتقد أنّ كتالوغات الثورات كافية وحدها لملامسة الواقع والاشتباك معه. الكتالوغ مفيد حتماً، وقد يعيننا على فهم أفضل لمشكلة انفلات العنف الانتقامي عقب أي ثورة تحدث، إلا أنّ مشكلته تكمن في كونه نظرياً أكثر من اللازم، ومتسقاً في وحدة عضوية لا يبدو أنّ السياق الراهن للأحداث يلائمها كثيراً. حتى اليوم لم تحدث تغييرات جذرية قادرة على إيفاء الدم الذي أهرق في الشوارع حقّه. هذه أول مسلّمة أسقطتها الاحتجاجات العربية من كتالوغ الثورات الراديكالية. أما القطيعة الجذرية مع النظم المافياوية المجرمة فلا نكاد نرى لها أثراً في كل الحراك الحاصل في المنطقة من تونس إلى البحرين. وهذه هي المسلّمة الثانية التي أسقطت بدورها من الكتالوغ. وعندما تسقط مسلّمتان أساسيتان كهاتين من حساب «الثورة» فهذا يعني أنّ المعيارية التي نعود إليها في كل شاردة وواردة بشأن الحراك ما عادت تحوز الهيمنة الرمزية ذاتها. واستمرار العمل بتلك المعيارية لدى البعض لا ينبئ بأننا في طريقنا إلى الخروج من الفقاعة. هنالك من خرج منها فعلاً و من هو في طريقه إلى ذلك، إلا أنّ الكتلة الوازنة التي صنعت الخطاب الأيديولوجي للمرحلة لا تزال تعاند فكرة الخروج من الفقاعة. قد لا يكون مناسباً أصلاً خروج هؤلاء من «قوقعتهم»، فلو فعلوا ذلك لقدموا لرفاقهم المختلفين معهم بشأن توصيف ما يحدث فرصة لخلخلة الهيمنة الأيديولوجية المفروضة (من جانبهم) على خطاب الثورة. وهي هيمنة مستمرة رغم «هشاشة مضمونها»، ورغم اختلاف السياق الذي أنتجها عن سياقات تاريخية أخرى في القرنين التاسع عشر والعشرين. في ذلك الوقت، كانت الأمور أكثر وضوحاً وأقلّ التباساً بكثير مما هي عليه الآن. كان واضحاً حينها أن الصراع إنما هو بين طبقات اجتماعية أو ما يماثلها. حتى عندما بدا لشخص مثل لينين أنّ الطبقات في مجتمع إقطاعي متأخر صناعياً وتسوده «علاقات فلاحية» ليست مؤهلة (أي الطبقات) لخوض صراع طبقي بالمعنى الماركسي لم يتردد في متابعة كفاحه رغم «عجز الواقع عن اللحاق بالنظرية». صحيح أنّ هذه العبارة هي من الأسباب التي أفضت لاحقاً إلى انهيار التجربة من داخلها، إلا أنّها كانت حقيقية في وقتها ومتّسقة تماماً مع سياق الظهور الجنيني للطبقات، ومع خوضها صراعاً فعلياً ضد بعضها البعض. وكما في روسيا كذلك في الصين (إيران «الثورة» ليست نموذجاً للصراع بين الطبقات الاجتماعية) حيث ارتأى ماو تسي تونغ أنّ الطريق إلى القطيعة مع هيمنة طبقات بعينها على إنتاج الثروة (بغرض نهبها من الأقلية وتوزيع الفتات على الأكثرية) داخل الصين هو باتباع نموذج خاص سماه في حينه «الثورة الثقافية». من هنا مثلاً نشأ التيار الماوي الذي حاربته الشيوعية السوفياتية في نسختها الستالينية البشعة واعتبرته تحريفاً للماركسية، تماماً كما تعاملت مع تجربة تيتو من بعد. هذه كلها تجارب أفضت فيما بعد إلى عكس ما نظّرت له، لكن نشأتها كانت في سياق تبلور هوية واضحة للصراع بين الطبقات حول آلية إنتاج الثروة وتوزيعها داخل المجتمع. أحياناً كانت الجهود التي تحاول مجاراة تلك التجارب، وصياغة هوية طبقية «مشابهة» للاحتجاجات العربية تثمر شيئاً ما، وأحياناً أخرى كانت تفشل، لكن كلّ ذلك كان يجب أن يبقى في إطار الاشتباك مع الواقع وتفكيكه، لا في إطار مسخه حتى يصبح ملائماً للنموذج أو الكتالوغ. في الحالة الأولى أصابت بعض المحاولات نجاحاً محدوداً وهامشياً. أما الحالة الثانية فبدا تماسكها الأيديولوجي أقلّ بكثير مما كان عليه قبل الاشتباك مع الواقع ومحاولة ليّ عنقه. وينسحب الأمر هنا على جدلية الثمن والتغيير كما على تماسك الخطاب الأيديولوجي واستمرار هيمنته من عدمها. كلّ ما فعلته القراءة الحرفية لكتالوغ الثورات أنّها أسرفت في نمذجة الواقع وفي صرف النظر عن تناقضاته التي اعتبرتها نافلة أمام التناقض المركزي. وهو تناقض مع السلطة المافياوية حصراً، حتى لو كانت هذه السلطة متماهية مع كتلة جماهيرية لا بأس بها. لقد اختار منظّروها أن يكون الحسم هو شعارهم، ولو أخذ هذا الأخير شكل المواجهة بين جماعات أهلية «بدائية التكوين» لا بين طبقات اجتماعية ناجزة كما يقول الكتالوغ الثوري. طبعاً هم يأخذون من الكتالوغ ما يلائمهم ويتركون أيضاً ما يلائمهم. وهذا جديد على مقاربتهم. فهم ليسو نيوليبراليين، ولا هم من دعاة الذرائعية السياسية. لكن يبدو أنّ المحافظة على تماسك سرديتهم الثورية بحاجة إلى قليل من الذرائعية (القليل فقط!). ذرائعية ينفونها عن أنفسهم ويتهمون غيرهم بها لمجرد أن لهم رأياً مختلفاً حول ما يجب فعله لانجاز التغيير بأقل خسائر ممكنة. والخسائر اليوم ليست بالقليلة وما من أفق للحدّ منها، وهذا ما يرجّح تقدّم فرضية الثمن الباهظ على ما عداها، رغم عدمية الطرح الذي تنطوي عليه. في المقابل لا يبدو أنّ التغيير الذي تبشر به سيكون قريباً. وقربه من عدمه ليس المشكلة بقدر ما هي جذريته واستطاعته إحداث قطيعة فعلية مع النظم المافياوية المجرمة. وهو ما لا يبدو في المتناول قريباً، أقلّه في سوريا. هنا حيث تتداخل الوقائع وحيث تمتنع القدرة على التنميط لا مكان لغير التعقيد والمقاربة المركبّة. على كلّ من يريد تحليل الوضع في هذا البلد أن يفهم ذلك. وعندها قد يغدو الخروج من الفقاعة أمراً ممكناً، لا بل أخلاقياً. ثمة إضافة لا بد منها وان بدت «خارج السياق»: ما نعيشه اليوم من صراع بين ميليشيات النظام وميليشيات المعارضة هو نتاج عيشنا داخل «الفقاعة» منذ عام ونصف العام. نفّسوا الفقاعة قليلاً حتى يتبقّى لفقراء سوريا مكان يلتجؤون إليه.

* كاتب سوري