أحياناً يجد المرء نفسه مرغماً على معاودة نقاش البديهيات: هل يحقّ للدولة أن تدافع عن نفسها تجاه «التهديدات الداخلية»؟ وما هو تعريف «التهديد الداخلي» بالتحديد؟ وبأيّ وسيلة يفترض بالدولة مواجهته إذا كان تعبيراً عن احتجاجات شعبية تقوم بها شرائح عريضة من الناس؟ ألا يحقّ لهؤلاء أن يحتجوا على تهميشهم من دون أن تتعامل معهم الدولة كتهديد محتمل وتلجأ في مواجهتهم إلى أساليبها المعتادة في البطش والتنكيل؟


ماذا لو كانت «الفدرلة» أو الحكم الذاتي هي الحلّ بالفعل لمشاكلهم وشعورهم بالاغتراب داخل دولتهم؟
بالنسبة إلى الدولة التي تحتكر كلّ شيء وتعتبر البطش بالأفراد والمجموعات المهمّشة حلّاً لمشاكلها لا تعبّر هذه الأسئلة بالضرورة عن بديهيات، ولا يحقّ لأحد أساساً مناقشتها إذا كان يعتبر نفسه «وطنياً» أو منتمياً بالولادة إلى هذه الدولة أو تلك. لنلاحظ بالفعل كيف أنّ الإرهاب أو العمالة لدولة أخرى هما الصفتان اللتان يواجه بهما أيّ راغب بمناقشة احتكار الدولة لمجال من المجالات، وليكن العنف مثلاً. هذا الأخير أصبح يمارس الآن خارج إطاره الدستوري والشرعي، ومع ذلك تجد الدولة ألّا مبرر يذكر للتشكيك في مزاولته على هذا النحو، ومن يشكّك في ذلك يوضع تلقائياً في خانة الداعم للعنف ضدّ الدولة، أو المبرّر لعنف «المتمرّدين». البديهي هنا هو أن يُسأل المرء عن سبب اصطفافه إلى جانب الفئات التي تناصبها الدولة العداء، لا أن يحاكم على «فعل لم يرتكبه»، ويصبح كما في حالة أحمد دومة (المتهم في مصر بخرق قانون التظاهر رغم أنه لا يعترف بهذا القانون ويعتبره مجافياً لمنطوق الدستور الذي وضعه قانونيون وسياسيون ينتمون إلى تحالف 30 يونيو) مثلاً عدوّاً للدولة والقضاء والشعب معاً. ثمّة حالات مماثلة تحصل في «سوريا» وأوكرانيا و...الخ، ولا تجري في أيّ منها مناقشة الواقع الذي أفرزها، وهو في كلّ الأحوال واقع يصبّ في مصلحة الأفراد و«الجماعات» لا الدولة. المناقشة ممنوعة هنا لأنها ممتلئة بهذا الواقع، فهي لا تظهر فقط أنّ من حقّنا أن نحتجّ وبالقوّة والعنف إن أمكن، بل تؤكّد أيضاً كون الاحتجاجات نتاجاً للسياسات، وهذا أمر لا تسمح الدولة بتداوله، وتعتبر من يفعله محرّضاً على هدمها والاقتصاص من أجهزتها. للتذكير فقط فإنّ ذلك هو دور اليسار تاريخياً، وقد عرفت الاحتجاجات الحالية كيف تعيد إحياءه رغماً عن اليسار أحياناً، وفي مواجهة «أقطابه التاريخيين» الذين انخرطوا في «العملية السياسية» التي اخترعتها الدولة لتمويه وظائفها الفعلية، وهذا على أيّ حال نقاش آخر قد نتطرّق إليه لاحقاً. من البديهي إذاً في مواجهة خطاب جذريّ كهذا أن يتضاعف العنف النظامي ويترك على غاربه، فالتهديد يطال هذه المرة وظائف الدولة الزجرية و«حقّها» في استخدام العنف، وما لم تتدخّل الأجهزة بقوّة وتضع حدّاً لهذا التهديد فستصبح مساءلتها أمراً عادياً، وسيتكرّر لجوء الناس إلى هذا النسق (الاحتجاجي) الذي أثبت فاعليته في مواجهة البطش الدولتي.
نحن عادة لا نناقش الاحتجاجات في الغرب كما يجب، وننسى أحياناً أنّ الدول هناك هي الأكثر استعداداً لممارسة البطش حين تشعر بأنّها مهددة، وقد حصل ذلك في أكثر مناسبة، وقيل حينها في المحتجين كلام يشابه ما يقوله رجب طيب أردوغان وبشار الأسد والكسندر تورتشينوف (الرئيس المعيّن من قبل البرلمان الأوكراني) الآن. في لندن مثلاً وبالتزامن مع انطلاق الانتفاضات عام 2011، اندلعت احتجاجات عارمة قوامها المهمّشون والعاطلون عن العمل، وقد تعاملت معها أجهزة الدولة البريطانية بعنف شديد، وكانت الحكومة برئاسة ديفيد كاميرون مستعدّة في حال توسّع الاحتجاجات وخروجها عن السيطرة (بدت عنيفة جدّاً وناقمة بشكل خاصّ على الأغنياء ومتاجرهم وأحيائهم) إلى استخدام الجيش في مواجهتها. لا نعرف بالضبط كيف انتهت المواجهات بين الطرفين، أو ما هو مقدار البطش الذي استعملته قوّات الشرطة والدرك لسحق المحتجين وإخراجهم من الشوارع. كلّ ما نعرفه أنّ الاحتجاجات قد توقّفت، وأنّ الدولة استخدمت «أقصى ما تستطيعه من قوّة» لإنهاء «أعمال الشغب» التي قام بها المحتجون (استعملت معظم وسائل الإعلام حينها مصطلح «riots» أي «أعمال شغب» لتوصيف الاحتجاجات الشعبية العنيفة ضدّ الدولة البريطانية، ولم تجرؤ أيّ منها على تسميتها باسمها الفعلي «protests» أي احتجاجات). طبعاً، فهي إن لم تقدر على فعل ذلك «بالأدوات المعتادة» والمقرّة في الدستور فستستعين بالجيش، وحينها قد لا تحصل فقط اعتقالات جماعية وإصابات وضحايا كما أخبرنا الإعلام (لا أحد يعرف شيئاً اليوم عن معتقلي تلك الحوادث)، وإنما أيضاً مجازر وجرائم حرب. «الغريب» أنّنا لم نسمع في ذلك الوقت كلاماً عن بطش الدولة، وعن شرعية استخدامها للعنف المفرط في مواجهة الاحتجاجات، رغم أنّ الحشد الشرطي والأمني كان كبيراً جداً بالقياس إلى أعداد المحتجين (خمسة عشر ألف عنصر شرطة ودرك تقريباً)، وهو بالضبط ما حصل في سوريا عام 2011، وفي تركيا عام 2012، ويحصل الآن بشكل متواتر وأكثر دراماتيكية واتساعاً في أوكرانيا. في كلّ هذه الحالات اعتبرت الدولة أنّها تدافع عن نفسها، وعن «حقّها في احتكار العنف» وممارسته وقت الحاجة، ولم يكن المحتجون بالنسبة إليها سوى أدوات للهدم والتخريب. ديفيد كاميرون الذي يتشدّق بدعم الاحتجاجات هنا اعتبرهم في لندن إرهابيين، ولم يشعر بالحاجة إلى مخاطبتهم سياسياً، فمطالبهم لا وجود لها خارج فضاء الدولة التي يحقّ لها وحدها النظر في حاجات «مواطنيها». لا كيان لهؤلاء أصلاً خارج المؤسّسات التي «تمثلهم» داخل الدولة، فعبرها حصراً تناقش قضاياهم، وأيّ خروج عليها هو تمرّد على الدولة نفسها، وعلى أجهزتها الموكلة بحفظ «الأمن العام» و«السلام الاجتماعي». هكذا تتصرّف الدول الرأسمالية عادة، وفي الغرب تحديداً لا يسمح للاحتجاجات بالخروج عن المسار المرسوم لها. بإمكانك الاحتجاج وإيصال صوتك إلى «المؤسّسات التمثيلية» ولكن ضمن الضوابط، وفي إطار ما يسمح به القانون. كلّ الاحتجاجات التي خرجت عن هذا الإطار ولم تعترف بالحدود التي وضعتها السلطة عوملت بقسوة شديدة (انتفاضة الضواحي في فرنسا عام 2005، احتجاجات المهمّشين في لندن عام 2011، الاحتجاجات الاقتصادية في اليونان عامي 2011 و2012... الخ) ونظر إليها كتهديد محتمل للدولة واستقرارها. على هذا الأساس يعتبرها البعض أقرب إلى الاحتجاجات هنا من «مثيلاتها» في الغرب، فهي راديكالية بالفعل، وتكاد «تطابق» نماذج مصر و«سوريا» وأوكرانيا وتركيا التي تميّزت بالجذرية هي الأخرى، وبالتصويب على الدولة وأجهزتها مباشرة.
لا يهمّ إلام انتهت هذه التجارب لاحقاً وخصوصاً في الحالة السورية، بقدر ما تهمّ الوجهة ونقطة الارتكاز. إذ إنّها جميعاً انطلقت من اعتبار الدولة (وليس السلطة فقط) خصماً لها، وسواء اتّسمت بالفوضوية أو بالعدمية إلا أنّها حافظت في المجمل على منهجية واحدة طوال فترة اشتغالها، وهي منهجيّة الردّ على التهميش بالعنف المقنّن. كانوا يعرفون في «سوريا» ومصر وتركيا وأوكرانيا (أخصّ بالذكر احتجاجات الشرق والجنوب في سلافيانسك ودونيتسك وأوديسا وماريوبول و... الخ على اعتبار أنّ ما لاقوه كان البطش الدولتي في أحطّ صوره وأكثرها فظاعة، فيما احتجاجات كييف واجهت بطش الداخلية وقوّات «بيركوت» فقط) أنّهم سيواجهون بطش الدولة منذ البداية، ولكنهم لم يتصوّروا أنّه سيكون بهذه الوحشيّة، وتخيّلوا أنّ الردّ التدريجي عليه سيترك مساحات للمناورة بينهم وبين السلطة. الأجهزة من جهتها كانت تنفّذ إرادة السلطة بتأجيل التفاوض ومنعه إن أمكن بحجّة أنّ الحسم آت، وأنه سيقود حتماً إلى «ملاقاة التمرّد» ولكن من موقع أكثر قوّة وقدرة على فرض الاملاءات. في بعض الأحيان كان الصراع يخاض على الأرض بدموية شديدة فيما قنوات التفاوض تشتغل لإبقاء شعرة معاوية قائمة بين الطرفين. ساعد ذلك أحياناً في تقليل الخسائر، ولكنه لم يحمل الدولة أبداً على مراجعة خياراتها، بدليل أنّها تستعمل التكتيكات نفسها سواء في تركيا أو في أوكرانيا أو في مصر (رأيي النقدي تجاه الحالة السورية لا يغيّر من طبيعتها التي تشبه كثيراً الحالات الأخرى، وتتفوّق عليها من ناحية المظلومية) رغم اختلاف السياقات وتباينها تبايناً شديداً. تبطش بالمحتجين ثم تبدي استعدادها للتفاوض مع «الجيّدين» منهم. أهمّ شيء بالنسبة إليها أن يهزم المحتجّ وهو موقن أنّه كان مخطئاً. العودة عن الخطأ تبدأ بعزل العناصر المتطرّفة التي رفضت التفاوض مع الدولة بعد هزيمتها أو إضعافها. هؤلاء مجرمون وإرهابيون، ولا يمكن أن تقوم تسوية بوجودهم. هاكم نموذجاً عن هذا الخطاب، وهو في المناسبة يصدر عن سلطة وصلت إلى الحكم عبر الاحتجاجات ومواجهة بطش الدولة أيضاً: «مستعدون للتباحث حول هذه المسائل مع ممثلي الإدارة المحلية والنشطاء ورجال الأعمال في مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك، لكن مع المجرمين المسلحين الملطخة أيديهم بالدم، فإن الدول المتحضرة لا تتحاور معهم، وبحسب القانون فإنه يتم تحييدهم». الكلام هنا لألكسندر تورتشينوف رئيس أوكرانيا المعيّن من البرلمان، ويتوجّه فيه إلى أهالي منطقتي دونيتسك ولوغانسك الرافضين لسلطته، والمطالبين بالاستفتاء في 11 أيار الجاري على الوضع القانوني للمقاطعتين. المهمّ في كلام الرئيس المعيّن أنه يأتي بين مجزرتين، واحدة في أوديسا، والثانية في ماريوبول. ألم أقل لكم إنّ استراتيجية البطش بالاحتجاجات لا تتغيّر بتغيّر السياقات، وبالتالي تفاوض فقط من يبدي استعداده لتغيير جلده والتبرّؤ ممن ذكرهم تورتشينوف. هؤلاء «مسلّحون» بالفعل، ولكنهم بالأساس محتجّون وأصحاب مطالب، وعلى الدولة التي تبطش بهم سواء في أوكرانيا أو في تركيا أو في مصر أن تعلم أنّ هزيمتهم موقّتة. وهذا يعني أنهم سيعودون لمقارعتها بعد تغيّر موازين القوى الحالية. المكان الوحيد المتاح لفعل ذلك حالياً هو شرق وجنوب أوكرانيا، فهناك لم تهزم الاحتجاجات بعد، ولا يزال بالإمكان التعويل على «انتصارها»، ولو عبر إجراء رمزي مثل الاستفتاء على حقّ تقرير المصير.
* كاتب سوري