عشية 27 كانون الأول/ ديسمبر، الذكرى الحادية والثلاثين لرحيل العقيد هواري بومدين رئيس الجمهورية الجزائرية لسنوات، ورئيس أركان جيش التحرير خلال سنوات الثورة وما بعدها، ودّع الجزائريون في تشييع مليونيّ مهيب قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، في تعبير عن وفائهم لجيشهم الوطني وتقديرهم لحسن إدارة صالح في التعامل مع الحراك المستمر منذ عشرة أشهر ونيف.

فوفاء الجزائريين لقادتهم ولجيشهم وشهدائهم ومجاهديهم، منقطع النظير، إذ أن أفضل تعريف يمكن أن نعطيه لرجل أو امرأة جزائرية هو لقب شهيد أو مجاهد أو ابن شهيد أو زوجة شهيد أو أخت شهيد.
ورغم ذلك فقد عشنا زمن العقيد هواري بومدين مفارقة مؤلمة، وهي أنه رغم تقديرنا لتاريخ الرجل وإنجازاته الوطنية والقومية ودوره في حربَي حزيران/ يونيو 1967، وتشرين الأول/ أكتوبر 1973، واحتضانه المميّز لفلسطين، قضية وثورة وشعباً، إلّا أننا لم نقبل أن يبقى الرئيس أحمد بن بله، أوّل رئيس لجمهورية الجزائر المستقلة، ونزيل السجون الفرنسية لسنوات، وصديق جمال عبد الناصر والعديد من قادة التحرّر في العالم، سجيناً في بلاده لمدة 15 عاماً، فشاركنا في أكثر من حملة لإطلاق سراحه، لا سيّما تلك التي أطلقتها جريدة «السفير» عام 1977، ورئيس تحريرها الصحافي العربي الكبير طلال سلمان، والتي لم تؤتِ ثمارها إلّا بعدما أصدر الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد عفواً عن بن بله.
المفارقة نفسها واجهناها مع القائد أحمد قايد صالح، بعد الحراك الشعبي السلمي الرائع الذي انطلق في الجزائر في 22 شباط/ فبراير 2019، وأودى بالحكم السابق، حيث واجه القايد صالح بصلابة كلّ محاولات التدخّل الفرنسي في الشؤون الداخلية، وكان حريصاً على تجنّب سفك نقطة دم واحدة في مواجهة الحراك، الذي لم يتوانَ بعض المشاركين فيه عن إطلاق شعارات تستهدفه شخصياً، حتى قاد البلاد نحو استحقاق دستوريّ تمثل في انتخابات رئيس الجمهورية، رغم كلّ ما يمكن أن يثار حولها من ملاحظات.
وكما كنّا نؤيد الرئيس بومدين في نهجه العام، معترضين في الوقت ذاته على سجن بن بله لسنوات طويلة، كنّا أيضاً نؤيد قايد صالح والجيش الوطني الشعبي في نهجه العام، لكنّنا بقينا معترضين على اعتقال مجاهد صادق عريق كالرائد سي لخضر بورقعة، وقد بلغ من العمر السادسة والثمانين، ولم يتوانَ يوماً عن الانتصار لشعبه كما لكلّ قضايا أمّته وفي طليعتها قضية فلسطين.
إنّها إشكالية عصرنا، بل ربما كلّ العصور، وهي التوفيق بين دعم النهج الوطني والقومي لهذا الرئيس أو الحزب أو النظام، وبين الاعتراض على بعض الممارسات غير الديموقراطية. إشكالية لا نجد طريقاً لمواجهتها إلّا بالتسلّح بالموضوعية، فنؤيّد ما ينبغي تأييده من دون حرج، ومعارضة ما ينبغي معارضته من دون وجل، ونبقى نعترض على سجن معارضين ووطنيين على يد أنظمة وطنية.
رحم الله القائد أحمد قايد صالح، الذي كانت جنازته المليونية استفتاء نادراً لصالح جيش الجزائر ورئيس أركانه.
ورحم الله هواري بومدين، الذي لا يمكن أن نذكر محطات مهمّة من محطات الجزائر والأمّة إلّا ونذكر له بصمات مهمّة ورائعة فيها.
ورحم الله بن بله قائداً وزعيماً ورئيساً.
وأطال الله في عمر سي لخضر بورقعة وفكّ أسره مع كلّ سجناء الرأي في الجزائر والوطن العربي.

* سياسي لبناني