رسالة إلى المقاتل العراقي والمواطن العراقي


خرائط متعاكسة لحرب واحدة.
لم تتفاعل خلايا الجسد العراقي منذ سنوات كتفاعلها الأسبوع الماضي.
كثيرون لاحظوا ذلك، لكن ملاحظتهم ظلت محصورة في مراقبة الحركة الخارجية: تحرك القوات العسكرية، تحرك القوى الإقليمية (تركيا، إيران)، تحرك القوى الدولية (القيادات العسكرية الأميركية)، تحرك القوى المحلية (البرزاني، أسامة وأثيل النجيفي).
فورات من النشاط الخارجي الظاهري المحموم، والدبيب الداخلي الخفي، تتصاعد على أرض العراق.
ماذا يحدث في هذه البقعة الأزلية، المخضبة بالدم والأحقاد والأحزان والحرمان؟

الحركة متشعبة ومتداخلة الى أبعد الحدود، يكاد تشعبها وتشابكها يجعل التمييز بين أجزاء الصورة العامة مستحيلاً. ولكن، خلف نثارات الصور المنشورة والمخفية، وخلف فوهات المدافع والراجمات، وخلف الخطط المعلنة والمستترة، لا توجد سوى لوحتين رئيسيتين تشيران، على نحو واضح، الى حقيقة المشهد.
اللوحة الأولى تمثل فورة عسكرية متصاعدة، تقودها الحكومة المركزية، سياسياً وعسكرياً. استطاعت، حتى الآن، استعادة أجزاء واسعة من محافظات الوسط، التي سقطت بأيدي التنظيمات الإرهابية، بصرف النظر عن تسمياتها: «داعش» أو سواه. بتصاعد الزخم القتالي، استعاد المجتمع العراقي جزءاً كبيراً من ثقة المواطن المفقودة بنفسه وبالسلطة التي تحكمه. هذه الحركة مدعومة من المرجعية الشيعية بقوة، ومن القوى السياسية الشيعية حاكمة ورديفة، ومدعومة خارجياً من إيران وقوى حليفة لها، والأهم من هذا مدعومة من شريحة وطنية حيّة من أبناء السنة، غير المسيسين حصرياً. يتكون عمود هذه القوة الفقري من تشكيلات الجيش العراقي، والشرطة المحلية، وقوات شعبية تتمثل بمتطوعين شيعة وقوات عشائرية ومدنية سنية، وعناصر الحكومات المحلية، وقطاع من الصحوات السابقة.
استطاع هذا الفريق التقدم باتجاه الشمال، حتى بات على مقربة من خط التماس مع قوات البيشمركة من جهة، وقوات «داعش» المتاخمة لحدود نينوى، وفي قلب مواقع «داعش» في الأنبار. ويبدو واضحاً من سير المعارك أن هذا الفريق أفاد عملياً من درس الهزيمة النكراء، التي حلت بالجيش العراقي في حزيران 2014 في الموصل. جمّد الفريق القائد لهذا الحشد وعود فتح ملفات الفساد والهزائم على نحو جدي، وجمّد أيضاً عناصر الخلاف الرئيسية مع القادة الكرد ومطالبهم الشرهة المتصاعدة، وتمكن الى حد كبير من تحييد، أو نزع فتيل، جزء كبير من صواعق القيادات السنية المشاركة في السلطة. بهذه الإجراءات التطمينية المتسارعة أرغم الجميع على التعبير بصوت أكثر خفوتاً وتلغيزاً عن الخلافات والأطماع، التي درجوا على التحدث عنها بصوت علني، متأزم، وصارخ حتى وقت قريب.

كعب أخيل الداعشي

اللوحة الثانية تضم ثلاثة عناصر أساسية، متنوعة الأطماع، متحدة في مشاريعها القريبة: القيادة الأميركية وقيادة مسعود البرزاني ومجموعة أسامة - أثيل النجيفي وحلفاؤها، بإسناد إقليمي واسع تركي وخليجي. ما يميز هذا الفريق أنه يضع نفسه تحت المظلة الأميركية العامة، التي تراهن على أن هزيمة «داعش» لن تتم قبل ثلاث سنوات. استراتيجية تطويل المشهد الداعشي تُفسّر من قبل الفريق الآخر على أنها محاولة لرسم خرائط أمر واقع تقسيمية على الأرض، سيتم الاعتكاز عليها، بعد ذهاب «أسطورة داعش». هدف هذه الخرائط فرض قرائن سياسية ودستورية ابتزازية، مفادها أن هذه البقاع كانت خارج السلطة المركزية لفترة طويلة، حالها كحال المناطق الكردية، لذلك يستحيل أن تعاد الى مركزية الدولة، من دون دفع ثمن وطني ثقيل وقاس. ولهذا السبب تكتفي القوات التي تقودها أميركا برسم حدود الخرائط من الجو بالنار، من طريق القصف بالطائرات، مدعومة بالتحرك العسكري الأرضي للبيشمركة وللخبراء الأجانب، الهادف الى استكمال وتعميق رسم خرائط الأمر الواقع، وهو عين ما يحدث في سوريا.

الواجب الأخلاقي يحتم التحذير من احتمال استدراج القوات العراقية الى مصيدة جغرافية، والى بيئة منتخبة جيداً، لكي يتم تدميرها


من المحتمل أن يغدو النهوض الشعبي والانتصار العسكري سبيلين إيجابيين ممكنين لصحوة عصامية وطنية، صادقة، معادية للفساد والمفسدين

إذاً، نحن أمام لوحتين متعاكستين، تجري أولاهما من الجنوب باتجاه الشمال، تتخذ من مركزية الدولة العراقية ملامحها العامة الجوهرية بعيدة المدى، ومن مكافحة ما يعرف بـ»داعش» هدفاً مباشراً للتحشيد والهجوم. أما الفريق الثاني فيتخذ من الخطة الأميركية استراتيجيته العامة بعيدة المدى، ومن ما يعرف بالحرب على الإرهاب غطاء مباشراً للحركة على الأرض.

«مجزرة التركمان»: فضيحة العصر الإعلامية

أبرز المواقف الجديدة، التي طفت على السطح، وعمقت تداخل مكونات المشهد السياسي، يتمثل في الدخول السياسي المريب للأزهر في الصراع العراقي، بتحريض وتمويل سعوديين. سبقه الى ذلك تصاعد الحضور الميداني لتركيا، التي كانت ولم تزل الحاضنة الروحية والمالية والسياسية والأرضية للإرهاب الدولي، العابر للقارات.
دخول تركيا السريع والمفاجئ الى جبهة الصراع من طريق إسناد حكومة أربيل عسكرياً، مكافأة لها على احتضانها العناصر المعادية للمركز من جهة، ومحاولة لعب دور عسكري وسياسي في الأزمة العراقية عامة من جهة أخرى، أضاف إلى المشهد الملتبس بعداً جديداً، ذا وظيفة تعويضية طائفية، بديلاً من فقدان علو الصوت المعارض، الذي ساد حتى وقت قريب بين سياسيي المناطق الغربية السنية المشاركين في السلطة. وعلى الرغم من التواطؤ التركي مع الإرهاب، إلا أن علاقة تركيا بالعراق ومكوناته السياسية والعرقية والطائفية ظلت أكثر حذراً وخصوصية، وأقل استفزازاً، قياساً بما يحدث في سوريا. استخدمت تركيا سلاح الدعم الصامت، ولي الأذرع، في تعاملها مع ملف القوى المعادية لتوجهات الحكومة العراقية المركزية والإرهاب العابر للحدود. وظل انهماكها العلني محصوراً، بدرجة رئيسة، في نهب الموارد النفطية والاقتصادية، مستغلة الأطراف المتناحرة كافة: القيادة الكردية، الحكومة العراقية، وما يعرف بـ»داعش» وحلفائه. حتى أنها صمتت، وصمت العالم كله معها، متسترين على أبشع مجازر التاريخ المعاصرة المرتكبة بحق العراقيين ذوي الأصول التركية في تلعفر. المجزرة التي لم يتكرم إعلامي عراقي أو عربي أو أجنبي بالإشارة الى بربريتها المخيفة ولو تلميحاً. هذه المجزرة المرعبة تميط اللثام ليس عن تخاذل وفساد ضمير القيادة العراقية الحاكمة وفشل خططها في حقبة المالكي فحسب. بل تشير في الوقت عينه، وتشرح السبب الرئيسي لتجاهل المجزرة الجماعي المتعمد، حتى من قبل متشددي الشيعة السياسيين، ومتعصبي النزعة العثمانية الأتراك. السبب في هذا التستر المتداخل يكمن في أن شهداء تلعفر ينتسبون الى فصيلة القطط السود، أي «التركمان الشيعة»، الذين يعانون من نواقص طائفية (شيعة في محيط سني مسيحي)، ممزوجة بنواقص عرقية (أتراك بين العرب والكرد والآشوريين، منبوذون من قبل تيار أردوغان)، ونواقص جغرافية (جزر سكانية بلا ممرات). راجع يوتيوب، الرابط المسمى «تلعفر المنكوبة» لمعرفة معنى كلمة «مجزرة».

ما المقصود بـ «داعش»؟

قوة الفورة التي تقودها السلطة المركزية، وتعاظم بربرية الإرهابيين وانكشاف صورتهم البشعة، أظهرت أن «داعش» ليس سوى وعاء خارجي أخطبوطي، يخفي في ثناياه خلائط متحدة في بعض الأهداف، غير متجانسة في التركيب، تضم قوى مختلفة، تبدأ من خلايا استخبارية، الى متطوعين جهاديين سلفيي العقيدة متنوعي الجنسيات، وصولاً الى قوى علنية: تيارات وهابية، إخوان مسلمين، بقايا الديكتاتوريات، حلقات متساقطة من صراعات سابقة في الشيشان والبلقان وافغانستان، عناصر أمنية وعسكرية متضررة، قوى سياسية مدحورة، طامعون سياسيون وتجار حروب.
لمن يريد أن يفهم طبيعة حركة «داعش» في الموصل على حقيقتها من الداخل، عليه العودة الى ثلاثة مراجع موثوقة. الأول، اجتماع مسعود البرزاني ببرلمان كردستان، عقب سقوط الموصل، الذي أكد فيه معرفته بتحرك داعش المسبق، وتأكيده أن وجهة «داعش» لم تكن احتلال الموصل وإنما تحرير معتقلين من سجن بادوش، وأن عددهم بضع مئات، لا أكثر! بناء على ذلك توصل البرزاني الى قراراته العرقية المتطرفة القائلة: عراق ما قبل سقوط الموصل ليس كعراق ما بعده، وأن البيشمركة لن تقاتل «داعش» إذا ارتضى عدم التعرض لمناطق نفوذ البيشمركة. أما المرجع الثاني فهو الحوار الذي أجرته الممثلة البارعة عن كتلة البرزاني، فيان دخيل، قبيل سقوط الموصل، والذي أكدت فيه وجود قرار سياسي كردي نهائي، لا رجعة فيه، بمدة زمنية محددة- عام واحد- يتم فيها «ارجاع الحقوق الى أصحابها» بالقوة، من طريق وضع اليد على ما يعرف بالمناطق المتنازع عليها وتحديداً: سنجار وكركوك. مختتمة حديثها - لمن يود أن يعترض على قرار الضم - قائلة باستهزاء بلطجي وقح: سنضم كركوك وسنجار الى كردستان و»راجعوني بعد عشر سنين»! بيد أن المرجع الأكثر أهمية نجده في المقابلة التي أجرتها قناة «البغدادية» التلفزيونية العراقية مع أحد أبرز دعاة «الانتفاضة» في المناطق الغربية، علي حاتم السليمان، الذي اختتم تهديداته، من مقره في أربيل، قائلاً: «لا وجود لما يعرف بداعش في المنطقة، وإن المقاتلين هم جماعات من أبناء المنطقة، تعمل تحت إمرة قيادات معروفة»، وإنه هو شخصياً أحد أبرز هذه القيادات الميدانية. ولم يكتف السليمان هذه المرة بتهديد الحكومة العراقية ورئيسها بأنه سيدوسهم بالنعال، بل أكد جازماً أن تحقيق هذا الأمر سيتم عاجلاً، خلال أيام. لقد تحقق تهديده. فبعد المقابلة سقطت الموصل، وانبثقت دولة «داعش» من العدم! إن «قناة البغدادية» مطالبة أخلاقياً ووطنياً وقانونياً، بالتخلي عن لعبة المخاتلة الإعلامية، وإعادة هذا الجزء الدقيق والخطير من المقابلة، وعقد حوار، وربما حوارات، متخصصة حول أسباب بثها وتوقيتها وفحواها ومغزاها، لكي يتعرف المجتمع العراقي والعربي إلى حقيقة ما جرى ويجري، ويفهم جزءاً من ألغاز اللعبة الداعشية، التي تتنقل من مكان الى آخر بسلاسة أسطورية.

مكائد سياسية بأبعاد تاريخية

لوحة التحرك ضد مساعي إنهاض المشاعر الوطنية العراقية لا تشمل القوى الدولية والقوى الداخلية ذات الارتباطات الدولية والاقليمية فحسب. حتى داخلياً، ضمن إطار ما يعرف بالعملية السياسية، نجد تحركات متسارعة، عالية الشحن، تصب في استراتيجية إحباط الهجوم العسكري وتحجيم زخمه، وتشتيت مراميه الوطنية التوحيدية. حيدر الملا، أحد أبرز القيادات البرلمانية عن «القائمة العراقية»، والناطق باسم كتلة حكومية، يترجم أولويات المعركة إسلامياً، على إيقاع دعائي أميركي، قائلاً: «إن المعركة، التي يخوضها الجيش العراقي، تحتاج الى تصحيح وجهتها، بنهضة تاريخية مشابهة لنهضة الرسول محمد، تتولى مهمة كسر أنوف الفرس أولاً قبل التقدم باتجاه معاقل الارهابيين». ينطق الملا كلماته على طريقة المعتوه محمد سعيد الصحاف، بكل برودة أعصاب، من على قناة «هنا بغداد»، يوم الثلاثاء، العاشر من آذار 2015، مذكراً العراقيين ببيانات مجلس قيادة الثورة إبان الحرب العراقية الايرانية. لكن الملا نسي أن يذكر أن كسر هيبة الدولة الساسانية لم يحدث قبل أن يتم كسر شوكة المشركين العرب، قريش خاصة. بهذا الانتصار التوحيدي فُتحت للإسلام الناهض آفاق الوحدة القومية، ثم آفاق وحدة أممية واسعة. وإذا أردنا أن نتوغل أعمق في المحاججة الأخلاقية، لا يسعنا إلا أن نضع حيدر الملا في مواجهة الإمام علي بن أبي طالب، في لحظة تاريخية مشابهة، حينما رفض إذلال بنات كسرى وزوج ابنه الحسين بشهربانو (أم زين العابدين وفق المراجع الشيعية. ينكر الواقعة باحثون سنة، ويؤكدها آخرون لأغراض طائفية محضة). لم يكسر الإمام أنوف المنكسرين. على العكس، لقد رممها، وزينها بالحسين الشهيد، لكي تكون راية الدعوة المحمدية خافقة في سماوات أبعد الأمم والشعوب. وائل عبد اللطيف، الوزير السابق، يُعلي صوته من أقصى الجنوب، من البصرة، داعياً الى تحرير إقليم البصرة من غدر سلطات المركز. ناطق رسمي باسم «الحراك السلمي» يعلن بصوت عصابي: لا يوجد سنة يقاتلون في صفوف القوات العراقية المسلحة، ومن وجد منهم ليس سوى عميل وخائن.
إنّ خطورة المعركة الراهنة ومفصليتها تتطلب إعادة الحسابات العسكرية الميدانية بدقة بالغة، ولكن من دون الإخلال بتصاعد العزيمة الشعبية والهدف الوطني، والانتباه الى مراهنة الفريق الآخر على إمكانية امتصاص الفورة (الزخم المتصاعد) والنجاحات الميدانية، وتحويلها الى فرصة لإعادة خلط الأوراق، وتالياً تدمير الاتجاه التوحيدي الوطني، الذي اتسمت به المعارك الأخيرة. وحتى في الجانب الشيعي، هناك من لا يريد للنصر أن يأخذ مداه الوطني، بل يريد له أن يظل نصراً طائفياً، واستخفافاً بقوة الخصم، لكي يغطي على الفشل السابق، الذي عاشه العراق في حقبة المالكي على وجه خاص. إن الواجب الوطني يحتم أن لا يتحول النهوض الشعبي التوحيدي ستراً لتغطية فشل سابق، بل يجب أن يكون هدفاً صادقاً للتغلب على هذا الفشل، وعلى ما ولّده من إحباط وخيبة ومرارة في نفوس المواطنين.

تناقضات في إطار الوحدة الكاذبة

يسود المشهد العراقي العام اضطراب بيّن، يكاد يلمسه الجميع، يتمثل في تضارب تصريحات الأميركيين، وتوتر تصريحات القادة الكرد (كتلة البرزاني تحديداً)، ونشاز صوت من يدّعون تمثيل المناطق السنية. ولا يخفي الحدث صراعاً علنياً - وإن بدا محتشماً لدى فرقاء في الحكومة العراقية - بين إرادات متعددة تنضوي، كما أسلفت، في هذه اللحظة، في جبهتين أو في مشروعين، رغماً عن ادعاء المشروعين وقوفهما في جبهة أوسع اسمها التحالف ضد «داعش». المشروع الأول يحاول استخدام المعركة ضد «داعش» من أجل استنهاض حالة وطنية، والآخر يسعى بكل السبل الى إفشال هذا السعي، سواء بالاتهامات الإعلامية، أو بالعمل السياسي، وربما العسكري أيضاً، حينما تقتضي الضرورة ذلك.
لذلك، يتوجب على القوى العراقية، القائدة للمعركة ضد الإرهاب التكفيري، عدم الانجرار الى أوهام النصر السريع، أو السقوط في الخيلاء الفارغ، لكي لا تقع القوات العراقية في كماشة محكمة، من طريق تطويقها وشل حركتها عند أكتاف كركوك وحدود المحافظات الخاضعة لسيطرة البيشمركة، ووضعها في خانق في مواجهة الإرهابيين (ولا أقولن داعش). إن الوقوع في مثل هذا الخطأ في الحسابات سيقود الى محاصرة القوات وشل حركتها واستنزافها. وقد يقود التحالف الوثيق بين أطراف عديدة، خارجية وداخلية، الى تدبير مؤامرة جديدة لتدمير الآلة العسكرية العراقية. وهذا الأمر لن يقود إلا الى سقوط العراق في الكارثة. فهذه الجولة من الحرب هي النقلة الأخيرة في معركة المصير. بعدها لا يستطيع أحد أن يتحدث عن عراق واحد البتة.
لقد كشفت أحداث الموصل وما بعدها على نحو سافر- وهو أمر اختلط وغمُض في المشهد السوري، بسبب الإصرار على صبغ الصراع بصبغة سلطة ومعارضة - أن جبهة «داعش» عبارة عن كتلة واسعة تتقاطع فيها الوهابية، والاخوانية، والملكية، والمشيخية الخليجية، والأطماع الطائفية المحلية، وقوى الاستخبارات الأجنبية، والعناصر الجهادية العاطفية. ومن الناحية الثقافية تعتبر الداعشية الخلاصة التاريخية لرعونات الأزمان الثقافية كافة. وهي جبهة تنشيطية، لها وظيفة طارئة، وقتية، هدفها كسرالتوازنات السياسية القائمة من خارجها، وفتح احتمالات جديدة في واقع معقد، يأبى على الحل بيسر من داخله وبنفسه. وكما أن جبهة القوى الانفصالية تتقاطع فيها الإرادة الأميركية والعرقية الكردية وبقايا القوى ذات الجذور الموروثة من حقبتي البعث وحقبة تحالف ما بعد الاحتلال، يتحتم في المقابل أن تكون المعركة ضد «داعش» حزمة متفاعلة من إرادة وطنية جامعة، ومن نهوض يتجاوز حدود الأطر الطائفية والمناطقية الضيقة، ويتجاوز الأزمة المجتمعية، التي صنعها الاحتلال ورافقت وجوده. ولكن، ليس من طريق الانصهار في معركة تحد لداعش فحسب، أو من طريق إفشال المحاولات الرامية الى كبح وإيقاف الزخم الوطني الجامع فحسب أيضاً، بل يتحتم أن تقود المعركة الى إعادة الوجود السني والآشوري والتركماني والأيزيدي والكردي الوطني الى قلب المجتمع العراقي سياسياً واجتماعياً وقانونياً، وعاطفياً قبل كل شيء. وذلك لن يتم إلا بقيام مركزية وطنية مزدوجة: مؤسسة دولة توحيدية جامعة، ذات مهمات استثنائية موقتة، مقرونة بعلاقات ديمقراطية شاملة، محايدة ومتوازنة، تكون أساساً للعلاقة الوطنية العامة وأفقها الحقوقي والاجتماعي. إن شمولية المركز التوحيدية، وحياديته، يجب أن تكونا مشروطتين بثقة مطلقة، طوعية، مفعّلة، تنظم عقد علاقة المكونات والمناطق بالدولة المركزية التوحيدية الجامعة.

زهو الانتصار المتسرع: طريق عزرائيل إلى الكارثة

إن حدة الصراع وراهنيته تجعلان من الصعب على المتابعين فهم حقيقة المشهد ووضعه في إطاره التاريخي السليم وطنياً. لا يمكن فهم ما يحدث الآن في العراق من دون العودة الى جذور الأزمة التاريخية، الى الخصوصية العراقية، المتعلقة بقضية المركزية والسلطة، والعلاقة بين السلطة والقوة. لأن المعركة الراهنة لا تنحصر في الجانب العسكري ومشكلاته الفنية، بل تتعداه الى طبيعة الدور العسكري في تاريخ العراق الحديث وصلته المباشرة بعمليات التغيير في رأس السلطة العراقية.
منذ إسقاط الهيمنة العثمانية بريطانيا، وتأسيس المملكة العراقية الهاشمية، قامت مركزية الدولة العراقية على عمود فقري رئيسي واحد هو الجيش (البريطاني أولا ثم العراقي)، مسنوداً بحالة دستورية شكلية، مركبة تركيباً خارجياً، بقيادة عسكريين يرتدون الملابس المدنية. وقد ظل هذا الأمر يسري حتى الاحتلال الأميركي. فالحكومات الجمهورية، التي تخلت عن البرلمانية الملكية الشكلية لصالح نموذج المحاصصة في الحكم، ترأسها، كلها، رمزياً وواقعياً قادة عسكريون، ومارست جميعها من دون استثناء المركزية من طريق سيادة الجيش، وقامت الانقلابات المضادة كافة من طريق الجيش وبواسطته أيضاً. لقد سعى الشيوعيون العراقيون الى كسر واحدية القوة بخلق قوة رديفة للجيش، من طريق تأسيس «المقاومة الشعبية»، التي وجد فيها العسكريون سنداً ممكناً عقب سقوط النظام الملكي، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أنها محاولة محفوفة بالمخاطر، فانقلبوا عليها، وعجلوا في حلّها. ورداً على ذلك أراد البعث عام 1963 إشراك الميليشيات الشعبية والحزبية المسلحة «الحرس القومي» في قيادة الحياة السياسية والأمنية الى جانب الجيش، لكنه فشل أيضاً، فسقطت تجربة تحالف العسكريين والبعث خلال أشهر معدودة، لتعود السلطة الى العسكريين بقيادة تيار قومي: عبد السلام وعبد الرحمن عارف. لقد حاول بعض القوميين تعديل الأفق مدنياً من طريق رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، إلا أن محاولتهم اصطدمت بمركزية الدور العسكري القوية والمتأصلة، سواء أكان العسكري حاكماً أو متربصاً بالحكم. وفي تجربة البعث الثانية 1968، جاء البعث مجدداً على أكتاف العسكريين أيضاً. لكن عسكريّي ومدنيّي البعث سرعان ما سيطروا على رأس السلطة وانتزعوها من قادتها الأساسيين (النايف والداوود)، فظهّرت شخصية البكر، رمزاً عسكرياً جديداً للجيش، وحامياً لمركزية الحكم التقليدية. كانت اللعبة البارعة للتيار المدني في البعث هي عدم الوقوع في خطأ عام 1963 المتوقع آنذاك، والمتمثل في إعادة تجربة ميليشيا الحرس القومي المكروهة وطنياً. لقد تفتق عقل البعث عن فكرة صنعتها أسرار انقلاب النايف والداوود، تمثلت في أن جهاز مخابرات الجيش، الذي يحمي الرئيس العراقي عادة، كان رأس الحربة في إسقاط سلطة الرئيس عبد الرحمن عارف. لقد استثمر صدام شخصياً هذه اللمحة السحرية الخفية، من طريق تطوير جهاز العنف العسكري الداخلي: الأمن والمخابرات، تحت قيادة الجلاد المحترف ناظم كزار، بالسيطرة على مركزية الجيش عامة، وعلى رمزية السلطة العسكرية والحزبية، ثم لاحقاً على مجمل الحياة السياسية في العراق، بما فيها حزب البعث نفسه.
من خلال هذا العرض نصل الى خلاصة واضحة: كان تحطيم مركزية الدولة العراقية هدفاً مشتركاً للأميركيين والإسرائيليين وبعض القوى العراقية الساعية الى الانفصال والمحبذة له، يضاف اليها القوى التي شعرت بالهزيمة السياسية، بصرف النظر عن موقعها السابق أو الحالي. وسيظل هذا الهدف قائماً. ولم تكن هزيمة الموصل في 9 حزيران 2014 سوى حلقة متممة من حلقات تهشيم القوة العسكرية العراقية، من طريق تدميرها، والاستيلاء على أسلحتها، التي تراكمت بحكم الضرورة خلال فترة الوجود الأميركي المباشر واشتداد المقاومة ضده. وهنا يفهم المرء سر إصرار الأميركيين على عدم تجهيز العراق بأنظمة الدفاع الجوي، واحتكار الجو من قبلهم. لقد وصل الأمر بهم الى حد عدم تسليم طائرات للقوات العراقية مدفوعة الثمن. وهو سلوك شبيه بما يحدث للقوات الليبية حالياً في مجال التزود بالسلاح. إن الاستيلاء على الجو هو خصيصة الحرب الحديثة، وأبرز مكوناتها. إنه الوجه الجديد للاحتلال في قرننا. إن ما حلّ بالجيش العراقي من هزائم، وما حصل من تهشيم لأسس الدولة بطريقة مخططة، لم يكن سوى دليل على منهجية استراتيجية مصممة تصميماً بارعاً، قائمة على فكرة واحدة: الاعتماد التام على دونية وتهافت النخب العربية الحاكمة في تمزيق روابط المجتمعات العربية التاريخية. لذلك نرى أن تصريحات مسعود البرزاني وهواجسه تتركز كلها في نقطة واحدة: الخشية المطلقة من وحدة وطنية عراقية، وعدم إعطاء فرصة للمشاعر التوحيدية بالعودة الى نفوس العراقيين، حتى لو كانت توحيداً قائماً على أسس التقاسم التحاصصي، أو النزوع الديمقراطي بالفدرالية أو الإدارة الذاتية. لقد حاول المالكي صناعة مركزية خاصة به، من خلال الجيش أيضاً. لكنه صنع مركزية ملفقة، مصلحية، قائمة على قاعدة الفساد العام، فلم تتمكن حتى من حماية نفسها، وتبخرت فجأة أمام ضغط خصومها الأقوياء، الذين استغلوا الأزمة السورية لتمرير أزمة عسكرية وسياسية الى العراق، أطاحت المالكي حاكماً، ومزقت جيشه الصوري ومركزيته الأنانية، الجاهلة سياسياً.
لهذ السبب يحتم التاريخ على المجتمع العراقي اهتبال الزخم الوطني الكبير، المرافق للنهوض العسكري، لا من أجل دحر «داعش» فحسب، ولا من أجل ايجاد سلطة قائمة على الجيش، أو على تعدد فروعه (ميليشيات، حشد، صحوات، حرس وطني)، أو على تأصيل النزعة المركزية والعسكرية. بل على العكس، يتوجب حدوث ذلك من خلال وحدة الإرادة الشعبية في مواجهة الإرهاب ومواجهة التفريط بالأرض والمصالح الوطنية، كأداة جامعة، وطنية، ظرفية، مسنودة بحرية ذاتية حقيقية للمواطن بمختلف تكويناته العرقية والمناطقية. أي خلق ناظم وطني مزدوج، يجمع بين الأفق الوطني الشامل والحرية الذاتية المحلية. وهو أمر لا تريده القوى المراهنة على الانفصال والتقسيم، والقوى الاقليمية الطامعة، والجهات الدولية. لأن النهوض الوطني التوحيدي الجامع هو السبيل الواضح والفاضح، الذي يحرج القوى المتلاعبة بمصير الشعب العراقي كافة، ويكشف مشروعها المعادي للنزعة الوطنية العراقية.

الاقتصاد غذاء الحرب ورحمها

حركة الواقع السياسية والعسكرية، التي تبدو من السطح كأنها تجري خارج سياق الدورة المجتمعية، لم تتم بانفصال عن قاعدتها الاقتصادية. بل على العكس، جرت بترابط وثيق مع العوامل والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وعكست جوهرها المتحرك.
لقد استغلت القوى السياسية الشيعية الحاكمة المركز واقتصاد الدولة الريعي الآحادي، بتشجيع من القوى المحتلة، لغرض الإثراء السريع، من طريق وضع اليد على مفاصل الدولة الأساسية، ونهبها بأقصى سرعة ممكنة، محبذة فكرة سيطرة اقتصاد الدولة، المنهوبة طبعاً. أما الفريق الثاني، الذي شعر أنه أقل نفوذاً مركزياً، فقد مال الى نظرية التقسيم الاقتصادي المناطقي والفردي للثروة، والى الثراء الاسطوري السريع من طريق النهب بالخصخصة والسلب بالمحاصصة. هذا التنافس الاقتصادي الكارثي الشره كان ولم يزل أحد أسرار الخلاف بين المركز والإقليم (عقود النفط، موارد الحدود)، وسر التعاون بين القيادات الكردية وبعض المكونات السياسية من خارج التيار الشيعي. وهو أيضاً عامل تقاطع لبعض المكونات الشيعية، المحبذة لهذا الاتجاه، كالمجلس الأعلى، رغماً عن الاختلاف في مواقف أخرى، طائفية وسياسية. وفي الجانب الآخر لا يُستبعد أن يرتدي النهوض التوحيدي الراهن طابعاً اقتصادياً وأخلاقياً عصامياً مغشوشاً، لتحويل الأنظار عن فضائح مرحلة النهب العلني وهزائمها، وإقفال حساباتها من دون مسائلة سياسية ومالية قانونية. ولكن، ربّ ضارة نافعة! فمن المحتمل أن يغدو النهوض الشعبي والانتصار العسكري سبيلين إيجابيين ممكنين لصحوة عصامية وطنية، صادقة، معادية للفساد والمفسدين. فما يحدث لن يحدث بسبب صحوة أخلاقية فطرية، خالصة، بل تحت تأثير العوامل الاقتصادية باتحاد تام مع الازمات السياسية والأمنية. لأن ما يحدث انعكاس أيضاً لبعض ارتدادات الأزمة الاقتصادية، الناتجة من الانهيار المفاجئ في أسعار النفط، وما يرافقها من صعوبات مالية، يستدعي التضييق على احتياجات المجتمع الأساسية ودخل المواطن. إن تصاعد الزخم الوطني، وما يرافقه من تقوية للشعور الوطني والإرادة الوطنية، حتى لو كان في شكله العسكري الوقتي والمرحلي، يستدعي بالضرورة من جبهة القوى المعادية للوطنية العراقي والحالمة بالتقسيم محلياً، وبإضعاف العراق إقليمياً، وباستمرار السيطرة على شؤونه دولياً، أن تحزم أمرها وتتكاتف لغرض الحد من هذا النزوع الوطني المتصاعد، وربما افشاله وكسره. وهنا يكمن سر التحرك التركي الأميركي البرزاني، المدعوم بمجموعة أثيل النجيفي ومن يحيط بهم ويتقاطع معهم حول هذا الهدف، بما فيهم الخليط غير المتجانس المعروف باسم «داعش». وما النبرة الأميركية المتصاعدة، الملوحة بإمكانية قيام مجازر وانتهاكات لحقوق الإنسان في المناطق المنتزعة من الإرهابيين، سوى إشارات بليغة في طريق إعادة تعبئة المشاعر الطائفية في مواجهة النهوض الوطني.

وطن بين كان ويكون

إن الواجب الأخلاقي يحتم التحذير من احتمال استدراج القوات العراقية الى مصيدة جغرافية، والى بيئة منتخبة جيداً، لكي يتم تدميرها، بالطريقة ذاتها التي حدثت في الموصل وصلاح الدين في حزيران الماضي. لكن ذلك لا يعني، كما أسلفنا، التردد أو الحدّ من موجة تصاعد الزخم الوطني. على العكس، ذلك يعني وجوب إدراك ضرورة ترقية هذا الزخم كمّاً ترقية واعية، مخططة منهجياً، واغنائه نوعياً، من طريق تحفيز المكونات جميعها على الانخراط في بناء الوحدة الوطنية الطوعية الحرة المتكافئة، المؤسسة على حقوق المواطنة، وليس على أطماع الطوائف أو المناطق والأحزاب.
* كاتب عراقي