د. جورج قرم

نشرت «الأخبار» مقالات عدة حول مستوى علمانية فكر الأب يواكيم مبارك، وهو العلاَّمة الماروني المختص في تاريخ العلاقات الإسلامية ــــ المسيحية. المقال الأوَّل كتبه أنطوان فليفل ونشرته الجريدة في 17 شباط 2010 بعنوان «النزعة العلمانية في الفكر المسيحي في لبنان: يواكيم مبارك»، وردَّ عليه الأستاذ أمين الياس بتاريخ 4 آذار 2010 بمقال بعنوان «رداً على أنطوان فليفل: يواكيم مبارك والنزعة العلمانية»، انتقد فيه مبالغة فليفل في التشديد على فكرة العلمانية في فكر الأب مبارك وفي تسليط الضوء على دور المسيحيين في سبيل العلمانية المشرقية، مغيِّباً على حد قوله دور المسلمين. كما نشرت بتاريخ 21 نيسان 2010 مقالاً للدكتور ألبير داغر تحت عنوان «عروبة الموارنة» وردَّ عليه أيضاً الأستاذ أمين الياس في مقال نُشِر في الجريدة عينها بتاريخ 30 نيسان 2010 تحت عنوان «الموارنة هم مذهب فكري ونُسكي... وليسوا قبيلة» أعطى نظرة مغايرة لنظرة الدكتور داغر، مستنداً إلى وقائع تاريخية لا تؤيِّد وجهة نظر الأخير. لكلّ هذه الأسباب، نعطي لقرَّاء جريدة الأخبار فرصة الاطلاع على فكر يواكيم مبارك حول إشكالية تاريخ لبنان ودور الموارنة فيه، وهو نص ألَّفه الأب مبارك وأُعيد طبعه في كتاب جمعْتُ فيه مختارات من أعماله في كل الميادين التاريخية والسياسية واللاهوتية وبعض رسائله وعظاته في الخلوات الدينية (Youakim Moubarak. Un homme d’exception, Textes choisis et présentés par Georges Corm, Librairie Orientale, Beyrouth, 2004). وأعتقد أنَّ مثل هذا النص يفيد القرَّاء مهما كانت الطائفة أو المذهب الديني الذي ينتمون إليه، ذلك أنّ الاطلاع الواسع للأب مبارك على تاريخ الكنيسة الشرقية وتاريخ المشرق العربي الدنيوي يسمح له دائماً بفتح الأفق في تفسير الأحداث التاريخية الكبرى وكشف مغزاها في سياق التطوّر الطويل الأمد للمجتمعات الشرقية.

الأب يواكيم مبارك
يطرح هذا الفصل المستهل به هنا عدداً مهمّاً من الأسئلة، ولا سيّما أنه يمسّ الأحداث الجارية بقدر ما يمسّ التاريخ. لكن بدلاً من صياغة نص جديد في إطار هذه المجموعة، ارتأينا أنه يجوز لنا للمناسبة أن نستخدم نصاً مكتوباً يشرح الأحداث الجارية من منظور التاريخ. لقد كتبنا هذا النص في حزيران/ يونيو عام 1976، أي في الفترة التي بلغت فيها الحرب اللبنانية آنذاك ذروتها في الفظاعة، دون أن تفضي بعد بكل ظروفها وملابساتها حتى على المراقبين الموجودين على أرض الأحداث. لذلك آثرنا أن ندع جانباً ما يُستشف في هذا النص من مشاعر وانفعالات أحدثتها في نفوسنا الحرب آنذاك.
دفعت حوادث لبنان أولئك الذين لا ينظرون إلى التاريخ إلا من سطوره العريضة إلى الاعتقاد أن هذه الحوادث ليست إلا صراعاً ثانوياً بل هامشياً في العلاقات بين الشرق والغرب. لذا لم يتردد البعض منهم في تشبيه هذه الظاهرة المطروحة بظاهرة الأقدام السود. إنّ الهدف المنشود في هذه الرسالة هو ربط الصراع الحاصل بحلقات الصراع السابقة، والتذكير بالمراحل الأساسية لمسيرة طويلة بغية استخلاص بعض الثوابت وتقويم رهاناتها على ضوء مستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية على جانبي ضفاف البحر الأبيض المتوسط.
غنيٌ عن البيان أنه عندما نسلّط الضوء على الطائفة المارونية خصوصاً لا نهدف إطلاقاً إلى انتزاعها من تاريخها المشترك مع كل مسيحيي الشرق. إلا أنها تتحمّل دون أدنى شك مسؤولية خاصة في ما يجري حالياً. لذلك ينبغي أن نُبرز السمات التي، وإن ميّزتها عن باقي الطوائف المسيحية، تدنيها من بعض التصرّفات للأحزاب والحركات الإسلامية.
من البديهي كذلك أن هذا العرض التاريخي يلتزم بمعطيات مقبولة عموماً، ويقدم قراءة مطروحة كغيرها من القراءات على بساط النقاش الحر.
أخيراً، ليس من العبث أن ننبّه القارئ بعرضنا كمّاً كبيراً من المعطيات التي يبدو بعضها ذا قيمة عالية إلى أن كاتب هذه السطور لن يعطي نفسه حق التعبير عن وجهة نظره الخاصة إلّا في الخاتمة.

الموارنة وكبرى مراحل الخلافة العربية

ينتسب الموارنة إلى قديس ناسك يقال إنه عاصر مار يوحنا كريزوستوم وراسله بين نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الميلادي. إلا أن تاريخهم الحقيقي ابتدأ مع العصر الهجري، كما يقول أهم بطاركة الموارنة في العصر الحديث، البطريرك اصطفان الدويهي (ت. عام 1704م) الذي يرى أن تاريخ الموارنة يتطابق في الواقع مع التاريخ الإسلامي.
إثر الغزو العربي لبلاد الشام، لحق بطريرك أنطاكيا الجيوش البيزنطية التي هزمها فرسان الصحراء، فخلا الكرسي البطريركي من شاغله لفترة طويلة. في هذه الفترة لم يكن رهبان دير مار مارون في وادي نهر العاصي يأبهون لشرعية كنسية، ولم تكن الأمور الفلسفية تشغلهم بقدر ما كانت تشغلهم أسباب العيش، فاتخذوا بطريركاً لهم بانتخابهم واحداً منهم، وتحولوا بذلك من حركة نضالية تمارس الشغب ضمن الكنيسة إلى كنيسة مستقلة بذاتها، ودشنوا مصيراً سُمي في ما بعد وطنياً. لكن قبل أن نحدّد طبيعة هذا المصير، سنكرّس جهدنا لاتباع مجراه باستعراض قدر من المراحل يوازي الفترات الكبرى للتاريخ الإسلامي.


ما يسمَّى خطأً الموقف العنيد والمتواصل الرافض للخضوع للمحيط ظهرت طبيعته بقوة بعد ذهاب المماليك

إن الفترة الأولى التي تغطّي القرون الوسطى الأولى والتي تمتد من الفتوحات العربية إلى الحروب الصليبية هي فترة مظلمة. يبدو أن الموارنة لم يتأثروا خلالها بتألق الأمويين أو بعظمة العباسيين. ففي حضن العالم المسيحي المدمج في الخلافة الإسلامية، قلّما فرّق المؤرخون المسلمون بين الفئات المسيحية التقليدية الثلاث المؤلفة من الملكيّين والنساطرة واليعاقبة. مع أنه في خلال هذه الفترة، أي بصرف النظر عن علاقتهم مع الغرب التي ستتأكد في الفترة اللاحقة، يتضح وجود الموارنة وتتثبّت شخصيتهم تبعاً للإسلام.

الموارنة محاربون

في الواقع، يتصف الماروني منذ ذلك الوقت بصمود ومقاومة مستمرة. فأول صورة ساذجة تخطر بباله تُصوّر بطريركه يشن هجوماً على رأس فصائله في سهل الزيتون في منطقة أميون، التي هي دائرة نفوذ قديمة العهد للأرثوذكسية في ولاية طرابلس، والتي لا تبعد إلا بضعة كيلومترات عن المعقل الحالي للرئيس فرنجية.
لكن مهما كانت صدقيّة هذه الصورة، فهي لا تختلف كثيراً عما حصل عام 759 م. وحفظه جميع اللبنانيين. ففي منطقة المنيطرة (التي بني فيها في ما بعد دير الصليبيين) حصل تمرد في أعالي جبل كسروان. اتخذ المتمردون رئيساً لهم ورفعوا الصليب شعاراً. ثم تمكّن هؤلاء من احتلال جزء من البقاع واتجهوا نحو منطقة بعلبك. إلا أن كميناً داهمهم على حين غرّة فأُجبروا على التراجع إلى حصن المنيطرة بعدما تكبّدوا خسائر فادحة. حينئذ حاصر الوالي العباسي القلعة إلى حين استسلامها، وأزال بالسيف عدداً كبيراً من سكان القرى المجاورة. كان العقاب قاسياً إلى حد أجبر القاضي الكبير الأوزاعي (707 ـــــ 774 م)، الذي لا تزال مدينة بيروت تكرّم ضريحه الموجود بالقرب من مطار خلدة، على أن يرفع إلى الخليفة احتجاجاً يستنكر فيه عدم التفريق في العقوبة بين البريء والمذنب.

الموارنة مبشّرون

لقد تأثر الوجود الماروني القديم بالنضال المسلح، إلا أنّ للمسعى التبشيري فضلاً لا يقل أهمية، حتى إنه يمكننا التساؤل إن كان سبب الهجرة المارونية إلى لبنان الانسحاب القهري، كما هو مطروح عموماً، أو هو التقدم التبشيري والاستيطاني لرهبان مار مارون. مهما يكن من أمر، فإن النطاق الماروني التقليدي هو تلك المساحة، غير المعبّدة في تلك الفترة، التي ترتفع من سواحل جبيل المتوسطية، حيث يصب نهر أدونيس، لتصل إلى منابع نهر العاصي في ربوع بعلبك، حيث ظلت عبادة جوبيتر وباخوس قائمة إلى عشيّة العصر الهجري.

الموارنة رهبان

من جهة أخرى، لا شك أنّ قلب هذا المعقل الماروني التقليدي قد تكوّن في وادي قاديشا المقدس، الذي يستمدّ اسمه من جاليات الورعين والنسّاك والرهبان الذين سكنوه في البدء، وانتشرت بصماتهم على كل الجماعة الكنسية. لهذا وصف الأب كونغار وادي قاديشا المقدس، إضافةً إلى الكنيسة الإيرلندية، بأنه يتّسم بالطابع الرهباني لا الأسقفي. ممّا يشير إلى أن الدور الذي تؤدّيه حالياً الجمعيات الرهبانية اللبنانية بعيد كل البعد عن الارتجالية أو الاعتباطية.

استعراب قديم العهد

يقال إن الموارنة، السوريين ذوي الأصل الآرامي، قد تكلموا السريانية لغاية القرن الثامن عشر. يُروى خصوصاً أن السمعاني الكبير، أمين مكتبة الفاتيكان ومبعوث الحبر الأعظم إلى المجمع اللبناني في عام 1736 م، قد تكلم «بلغة المسيح» مع أمه العجوز التي كانت تسكن في قرية حصرون الواقعة شمال لبنان. ومع هذا، فإن أول أكبر شاهد على الروحانيات والقانون الماروني هو كتاب لم يعد يعرف إلّا باللغة العربية ويحمل عنوان «كتاب الهدى»، ويعود تاريخه إلى القرن الحادي عشر الميلادي. يُظهر هذا الكتاب أن الهجرة إلى لبنان لم تفصل الكنيسة المارونية عن أصولها في منطقة العاصي، حيث نزحت منها إلى حلب وأورفا وكذلك إلى تكريت على ضفاف نهر دجلة. إضافةً إلى هذا، يُبرز الكتاب أن تعريب الكنيسة القديم ينتشلها من الخصوصية الإقليمية المتعصبة التي يزجها فيها الداعون إلى السريانية، وينقذها أيضاً من طرافة منظري الأصل الفينيقي للموارنة.

الموارنة فلاقة قبل الساعة؟

في باب الانتماء العرقي، لا بأس أن نستذكر انتماء موارنة لبنان المفترض إلى قبائل مريعة سمّاها الإغريق «مردايتاي» وعرفها العرب باسم «الجراجمة». خلطت التقاليد المارونية التسميتين المعرّبتين ضمن اسم واحد هو «المردة»، وعدّ الموارنة أنفسهم ورثة هؤلاء الفلاقة القدماء الشرسين، حتى إنّ مجموعة من الميليشيات استعادت هذه التسمية خلال الأحداث اللبنانية الأخيرة.
ضمن رسالة جامعية جرى الدفاع عنها في باريس ونشرتها دار النشر غوتنير (Geuthner)، كشف السفير السابق عادل إسماعيل، مؤرخ لبنان الشهير، عن غياب كل علاقة نسب مباشر بين الموارنة والمردة أو الجراجمة. إذ إن هؤلاء هم قبائل سكنت جبال الأمانوس ثم استقرت في لبنان في خدمة الإمبراطورية البيزنطية لتكون لها جداراً منيعاً. أي لا جدوى من أن يتباهى الموارنة أو أن يدّعوا أنهم ابتزوا الخلافة الأموية وأجبروها على دفع الخوَّة مرتين: مرة في ظل معاوية ومرة في ظل عبد الملك بن مروان بين عامي 687 م. و688 م. وخير لهم ولمعرفتهم التاريخ ألا يثقلوا كاهلهم بهذا الولاء الخاص بأتباع الكنيسة البيزنطية. في الحقيقة، عندما اضطر الجراجمة إلى الرحيل إلى ما وراء الشمال السوري لموطنهم الأصلي، دُمج أولئك الذين اختاروا الاستقرار في لبنان ضمن الطائفة المارونية، التي أثبتت في ما بعد نزعتها إلى التمرد والعصيان.
تعزز هذا الاندماج تعزّزاً ساطعاً في المرحلة الثانية للتاريخ الماروني، التي هي، مقارنةً بالتاريخ الإسلامي، تمتد من الحملات الصليبية إلى الغزو العثماني لبلاد الشام. من المعروف أنّ الحملة الصليبية الأولى وجدت لدى الموارنة دليلاً وثيقاً وعوناً فعّالاً على طول الشاطئ السوري الفينيقي، حتى إنه يقال إنّ أكثر من ثلاثين ألف محارب ماروني قد اندرجوا في صفوف الحملة الأوروبية، من بينهم فرقة من نخبة الرمّاح. الأمر الذي يُعدّ ظاهرة عظيمة الشأن في تلك الفترة نظراً إلى نوعية القوة العددية وإلى كميتها. لذلك لا يمكننا أن نندهش من ردّ فعل المماليك عندما غادر آخر صليبي عائداً إلى أوروبا.
اعتناق الموارنة الطقوس اللاتينيّة ودخولهم في نظام إقطاعي
تفتتح هذه المرحلة ما سُمّي عملية «اعتناق الطقوس اللاتينية»، التي لم يُقصد منها اعتناق الموارنة للدين الكاثوليكي الذي يزعمون ديمومة الارتباط به، بقدر ما كانت تبنيهم لبعض العادات والتقاليد الكنسية والطقسية الرومانية.
وُضعت عملية تبني الطقوس اللاتينية تحت إشراف الإفرنج، فاتخذت منحىً تثقيفياً دفع ملوك فرنسا في ما بعد إلى اعتبار الموارنة «جزءاً لا يتجزّأ من الأمة الفرنسية». وإن رأينا في هذا الأمر ما يتجاوز الشعار الإعلاني، فإن نظرية بعض الكتاب الموارنة التي تربط تطبيق النظام الإقطاعي في جبل لبنان وفق الطريقة الإفرنجية بهذه الفترة تستوجب اهتماماً كبيراً.

تشرّق الإفرنج وتفرنس الشرق

إن المثافقة تستوجب التعايش والاتحاد الوثيق. فظاهرة تَفرنُس الموارنة تتزامن مع أولى ظواهر تشرُّق أوروبا المسيحية التي عبّر عنها فوشيه دي شارتر قائلاً: لمَ نعود إلى الغرب والشرق يحقق أمانينا. تجلت هذه الظاهرة ليس فقط عند الملك الصليبي المحروم من دينه، فريدريك الثاني، الذي عُرف عنه حبه للإسلام، حتى قيل إنه جاء على رأس حملة صليبية رغبة منه في سماع نداء المؤذن، وإنما تجلت كذلك لدى كل الحملات العسكرية التي استقرت في الشرق، وذلك من خلال تبنّيها أعراف البلد وعاداته ولغاته. مما يعني أنه لا يمكن قصر آثار الوجود الإفرنجي على الحصون والقلاع، أو حصرها في الطائفة المارونية فقط، بل هي تتجاوزها بكثير لتطغى على أهالي بلاد الشام من سكان الجبال والسواحل معاً. وإن تسنّى لنا الحكم على الأمر من خلال الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، فإن مسلمي بلاد الشام، الذين كتب عن رفاهية عيشهم في ظل الإفرنج الرحالة الأندلسي ابن جبير، المعروف بنفوره من أعداء الرسول وقلة تعاطفه معهم، يقدمون أدلة معبرة عن الطعم اللاتيني على جسد الشرق وكذلك عن تفرنس الشرق الجلي.

ردّ فعل المماليك

عندما ترك الصليبيّون الشرق وهاجر جزء من الطائفة المارونية إلى جزيرة قبرص، تعرّض ما بقي من الطائفة المسيحية لمعاملة قاسية عقاباً لهم من جانب المماليك. بصورة عامة، تبدو هذه المعاملة أقل حدة مما تكبده المسلمون المنشقّون، سواءٌ تواطأوا أو لا مع الإفرنج. ومن سخرية القدر أن اضطر سلطان مملوكي إلى أن يلتمس اللجوء عند رهبان دير قنوبين الحصين في أعالي وادي قاديشا، وحين تمكّن السلطان من العودة إلى أراضيه بعدما استتبت الأمور له وركزت، أعفى الدير ومزارعه من دفع الخَراج.

إبادة المسلمين

في المقابل، خضعت طوائف الشيعة والدروز والنصيريين لعملية عسكرية كادت تتحول إلى إبادة جماعية لولا بسالة هذه الطوائف وشجاعتها. فبموجب الفتوى الشهيرة التي جاء بها قاضي دمشق الكبير ابن تيمية، انطلقت حملة عسكرية على كسروان، التي كان معظم سكانها من المتاولة (شيعة لبنان)، وقامت بمذبحة قلّ نظيرها، سهّلت في ما بعد إقامة التجمعات الرهبانية والزراعية والتربوية المارونية.
غالباً ما تُقدم المرحلة الصليبية على أنها مرحلة تشيّع فيها الموارنة للغرب اللاتيني والإفرنجي، وبالتالي يُنظر إليها على أنها مرحلة تميَّزت بالموقف الرافض للخضوع للإسلام المحيط بهم. إلا أن هذا التقديم يستحق أن يُعاد النظر فيه ضمن إطار التطور العام الذي حصل في بلاد الشام، والذي لم يكن سببه الإفرنج الذين احتلوا الساحل الشامي ومناطقه الجبلية فحسب، بل يعود كذلك إلى أسباب داخلية حصلت قبل مجيء الإفرنج وأشار إليها لويس ماسينيون بعبارة «العصر الإسماعيلي للإسلام». لقد أدرك صلاح الدين الأيوبي الذي تمرن على يدي خاله نور الدين خطورة الأمر، وكذلك المماليك من بعده، فنفّذوا إرادته الصلبة بإعادة الإسلام الشامي إلى السنّة التي ابتعد عنها كما ابتعدت عنها مصر في عهد الفاطميين.
في رأينا، ما يسمَّى خطأً الموقف العنيد والمتواصل الرافض للخضوع للمحيط ظهرت طبيعته بقوة بعد ذهاب المماليك بتقاطعه مع حركة مهمّة انبثقت من قلب المجتمع السوري وأدَّت، ولو من خلال مصائب كبرى، إلى تحقيق منجزات الفترة المعاصرة. فما بين الغزو العثماني في فجر القرن السادس عشر وحملة نابليون على مصر في أواخر القرن الثامن عشر، عرفت الديانتان المسيحية والإسلامية معاً وخصوصاً الموارنة والدروز تطوراً متزامناً وضع الحجر الأساس لمشاكل الأحوال الراهنة والخطوط الأولى لبعض الحلول.

في ظلّ نظام الامتيازات الأجنبيّة

تتميّز هذه الفترة لدى الموارنة وكل مسيحيّي دار الإسلام باتفاقيات الامتيازات الأوروبية التي عُقدت بين الباب العالي والقوى الأوروبية. فلقد وقّع أولى هذه الاتفاقيات السلطان العثماني سليمان العظيم وجان دي لا فوريه، سفير فرانسوا الأول ملك فرنسا. جُددت هذه الاتفاقيات مرات عدة، وخاصةً في عهد هنري الرابع ولويس الرابع عشر، ولقد نصّت على توسيع البنود المتعلقة بالأشخاص والملكيات الفرنسية لتشمل مسيحيي الشرق، وخصوصاً الطائفة الكاثوليكية التي وُضعت قبل الأوان تحت حماية فرنسا.
ويعني ذلك أنّ الوجود الماروني في العصر الحديث تأثّر، كما حدث تماماً في العصور الوسطى، باحتكاك مباشر بالحضارة الفرنسية. تشهد على ذلك مساهمة الموارنة في ترجمة العهد القديم إلى لغات عدّة في ظلّ لويس الثالث عشر، وتعيين اثنين منهم أساتذة في المعهد الملكي (Collège Royal)، الذي عُرف في ما بعد باسم معهد فرنسا (Collège de France).

تمسّك الموارنة بالكنيسة الكاثوليكيّة الرومانيّة

تعزّز ارتباط الموارنة بالكثلكة الرومانية، وخصوصاً عندما أسس البابا غريغوار الثاني عشر مجمع روما الماروني، الذي خرّج حتى عهد حديث القسم الأكبر من أحبار الموارنة. لذلك سطع الاسم الماروني في العديد من المؤسسات الثقافية والجامعية الأوروبية، وعلى رأسها مكتبة الفاتيكان ومعهد الحكمة (Collège de la Sapience) والجامعة البابوية في روما.

ظهور الآباء اليسوعيّين على المسرحإلا أننا قبل أن نشير إلى الطريقة التي تمكّنت من خلالها رهبنة اليسوعيين من إقحام الموارنة في مخططاتها الإسلامية، لنتذكر في هذا السياق رحلة الأب اليسوعي جيروم دنديني إلى جبل لبنان، التي قام بترجمتها وتنقيحها الأب ريشارد سيمون، منتقداً من خلالها بوسييه، ومقدّماً نظرة توحيدية طيبة تجاه كنائس الشرق. لقد أبرز ريشارد سيمون التصورات الأولى الودية للإسلام في الغرب، مثيراً بذلك استنكار أسياد دير بور روايال (Port-Royal).

الاستشراق وبدايات نشأته
فرنسا في الشرق والتوازن الأوروبي

تزداد المساهمة المارونية أهمية على المستوى السياسي لتصبح السمة المميزة للحقبة التي تستقطب اهتمامنا. فخلافاً لما يقال إن الموارنة مدّوا أجسادهم جسراً لمساعدة أوروبا المسيحية على فرض هيمنتها على الشرق المسلم، في الحقيقة، وبغض النظر عن مقاصد هذا ونيّات ذاك، لقد ساعد الموارنة فرنسا، باستنادها على الشرق، على إرساء استقلالها داخل أوروبا. وهنا يكمن المغزى الحقيقي لنظام الامتيازات. فالوجود المسيحي في الشرق العربي المسلم المتمثّل خاصةً في الوجود الماروني وفّر لفرنسا مجسّاً في شرق البحر الأبيض المتوسط، ومنحها إمكان إبرام كل أنواع الاتفاقيات والتبادلات معه دون أن تسيطر عليه. فضمنت لنفسها ظروفاً جيدة حفظتها من الهيمنة الأوروبية سواءٌ كانت هيمنة الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة أو الإمبراطورية النمساوية المجرية أو هيمنة إنكلترا أو النازية. لقد أدرك أسياد فرنسا، من فرنسوا الأول إلى شارل ديغول مروراً بنابليون، أهمية بل ضرورة المحافظة على علاقات وديّة مع الشرق للحفاظ على مكانة بلادهم في أوروبا. وهذا لا بدّ أن يكون موضع ابتهاج الشرق العربي المسلم في الماضي كما في الحاضر. فالوجود المسيحي الذي وجد في الطائفة المارونية حافزاً بدا وعراً أتاح إذاً لفرنسا في العصور الحديثة أن تدخل دار الإسلام من عتبة وعرة دون شك لكنها آمنة. فاجتازها العلماء والشعراء وكذلك السفراء والمبشرون والتجار ثم لحق بهم الجنود.

الموارنة والدروز

ربما يبدو تاريخ الطائفة المارونية وعلاقاتها المميزة مع الكرسي المقدس وفرنسا، مقارنةً بالتاريخ الإسلامي، مليئاً بالغموض وعُرضة لاستنكار أبناء الطائفة اليوم، المتأثرين كغيرهم بالشعارات المعادية للإمبريالية، لو لم نلحظ، بالموازاة مع هذه العلاقات وبالتضافر معها، ظهور ثقة بالذات لدى المسلمين، شبيهة تماماً بثقة أكبر لدى الموارنة انبثقت من التقائهما أول محاولة وطنية لاستقلال ذاتي داخل الإمبراطورية العثمانية. لقد أشرنا إلى التلازم أو بالأحرى الائتلاف الذي حصل في القرون الوسطى بين وجود ماروني مشاكس ومحاولات إسلامية انشقاقية، وشهدنا أيضاً أن اتفاق النضال وترابط المصير في العصور الحديثة كانا على مستوى القرار. إذاً فمغامرة الدروز والموارنة المزدوجة هي التي تفتح المجال هنا لسلسلة جديدة من الملاحظات المتعلقة بالفترة ذاتها.

أصل الدروز

يستمد الدروز اسمهم بطريقة غير مؤاتية من محمد أبي عبد الله الدرزي، تلميذ الحاكم (996 ـــــ 1020 م)، الخليفة الفاطمي في القاهرة. اشتهر هذا الشخص الغريب الأطوار لدى الغرب بهدمه كنيسة القيامة، فهيّأ الذريعة لقيام الحروب الصليبية. بعد اختفاء الحاكم في جبل المقطم الذي ينوف على مدينة القاهرة، اجتهد دعاته في نشر تعاليمه في بلاد الشام، فوجدوا أرضيّة مؤاتية لهم في وادي التيم في تخوم جبل الهرمل ثم في جبل لبنان نفسه. فعُرف هذا الجبل منذ ذلك الحين باسم جبل الدروز، علماً أن هؤلاء لم ينتشروا قط في شمال المتن منذ أن كبح المماليك امتدادهم عام 1305م. تمركز إذاً الدروز في الجنوب وتواجد الموارنة في الشمال فتوطّدت بين الطائفتين أواصر الاتفاق والانسجام دون الاكتراث لأصولهم الدينية المختلفة.
لقد ذكر لامنس رحالةً في ذلك العصر كان قد أعطى عن الدروز أوصافاً يمكن أن تكتب بامتياز عن موارنة تلك الفترة. لقد وصفهم قائلاً: إنهم جبليون نشيطون، ومشاكسون شجعان، ورماة بارعون. سلاحهم القوس والنشّاب والبندقية وهم يصنعون أسلحتهم بأيديهم... يفضّلون المسيحيين على الأتراك والمسلمين.

تفاعل مذهبي مع الموارنة


يعود الفضل إلى الموارنة في وضع حدّ للشتائم والأقوال المستهجنة التي كانت تتلفّظ بها أوروبا بصدد الإسلام
إن أول علاقة بين الموارنة والدروز تستحق الذكر هي اعتناق الدين الماروني من جانب بعض أمراء الدروز مع أفراد عائلاتهم، ومن أشهرهم إلى يومنا هذا هم آل شهاب. وهذه دون أدنى شك ظاهرة هامة بل فريدة في تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية، التي لا يمكن إدراجها في سجل التبشير الديني. إذ يبدو أن سبب اهتداء البعض هو شفاءٌ معجزي قام به رهبان موارنة جرى استدعاؤهم لمعالجة أمراء دروز يحتضرون. فلقد استرد الأمراء كامل عافيتهم بعدما مُسحوا بالزيت المقدس، فطلبوا إثر ذلك أن يتعمّدوا مع كل أفراد أسرهم ومزارعيهم. أمّا السبب الآخر للاهتداء، فهو الاندماج التدريجي. فعدد السكان المتزايد للطائفة المارونية، إضافةً إلى ميلهم إلى الأعمال والمقاولة، وإلى تقدّم ثقافي أكيد، ساعدا على توغّلهم في منطقة الدروز، وعلى دمج بعض المراكز السكنية دمجاً مذهبياً ترافق مع انصهار ماروني في المجتمع الدرزي، إلى حدّ لُقب فيه الرهبان الموارنة في روما في ما بعد بـ«الرهبان الدروز».

محاولة مشتركة لاستقلال ذاتي سياسي

يعلم الجميع المعاملة التي أعدّها في القرن التاسع عشر الأمير بشير الثاني (1767 ـــــ 1850م) لثلاثة من رعاياه كانوا قد تباحثوا أثناء الطريق لمعرفة إن كان الأمير بشير مارونياً أو درزياً أو مسلماً، وعلاوة على ذلك تجرّأوا على الطلب من المعني بالأمر أن يُنهي خلافهم. فأمر الأمير بجلدهم بالسوط.
تبين هذه الرواية أن الائتلاف اللبناني بين الطائفتين المارونية والدرزية ذو طابع سياسي غير ديني، وهو أول محاولة من هذا النوع ضمن الإمبراطورية العثمانية صنعها سموّ الأمير فخر الدين الثاني (1572 ـــــ 1635م). من الجدير بالذكر أن محاولة إصلاح وطنية حديثة العهد قد حصلت بانقلاب عسكري على يدي جنرال ترجم حياة هذا المؤسس الأميري للبنان الحديث وحمل رسالته. إضافةً إلى هذا، فإن حركة الاستقلال الذاتي اللبنانية التي قام بها الأمير فخر الدين الثاني المعاصر لهنري الرابع (والتي يبدو أنها امتدت من حلب إلى القدس) قد سبقت بحوالى قرنين الحركات الاستقلالية السعودية والمصرية، وتميزت عن الاثنتين بعدم تضمّنها باعثاً دينياً، وباحتوائها على تركيبة تعددية في مدها الوطني.


إشكالية تاريخ لبنان: من نشوء الإسلام إلى إعلان دولة لبنان الكبير
العون الماروني العسكري

إن المساهمة المارونية السياسية في الإمارة الدرزية هي في خلاصة الأمر من نوع عسكري. ولقد تجلت أهميتها في عصر فخر الدين، الذي وصل عدد جنود جيشه إلى حدود أربعين ألف جندي، بل إلى مئة ألف كما يقول البعض. إلا أن هذه المشاركة المارونية في المحاولات العسكرية للأمراء الدروز قد سطعت في معركة عين داره عام 1711م. فالعون العسكري الماروني كان قاطعاً لأن القيسيّين تغلّبوا نهائياً على اليمنيّين. وإن انقسمت في ما بعد القيسية بين يزبكية وجنبلاطية، فالسبب لم يكن قط خلافاً دينياً، بل هو خلاف بين اتجاهين من ذوي الرَّحم داخل فئات سكانية أحرزت في بعضها البعض تأثيراً عميقاً.

المساهمة المارونيّة الثقافيّة

إنّ التقارب الثقافي بين الطائفتين المارونية والدرزية يتجاوز بكثير التعاون العسكري. فلقد كلّف الأمير فخر الدين بطريركاً مارونياً كان وقتئذ طالباً في معهد روما، هو جورج أميرة، بمهمة استكشافية لإقامة تحالف مع حاكم منطقة توسكانا في إيطاليا. وعندما اضطر الأمير إلى مغادرة بلاده متخلّياً عن السلطة لأخيه يونس، أقام في الغرب (1613 ـــــ 1618م) قدر ما بقي في الماضي سان لويس في الشرق (1250 ـــــ 1254م). فسمحت له إقامته في الغرب بأن يستكشف تقدمه العلمي والتقني والاقتصادي، وأن يطبّق عدداً من الإنجازات في لبنان، من بينها صناعة الحرير وإنشاء مدرّجات زراعية في المناطق الجبلية تصلح لكل أنواع المزروعات. في ما بعد، عندما أوشكت محاولته الاستقلالية على الزوال تحت وطأة الباب العالي، الذي نفّذ فيه حكم الإعدام في القسطنطينية، حاول أصدقاؤه من الطائفة المسيحية إيهام البابا بأن الأمير فخر الدين مستعد للتعمّد إن وافق الغرب على تقديم مساعدة فعّالة له ضد العثمانيين. وأخيراً، لا ننسى فضل الأمير فخر الدين في بناء خان الإفرنج الشهير في مدينة صيدا، الذي لا يزال حتى اليوم ملكية الجمهورية الفرنسية.
إن مظاهر الاتفاق هذه بين الطائفتين المارونية والدرزية شهدت في غضون الفترة الأخيرة التي تقودنا إلى الأحداث الحالية تناقضات وتكذيبات مأسويّة تتعارض مع نتائج وطنية إيجابية. لذلك سنحاول بعناية فائقة أن نضع عدداً من العلامات التي تشير إلى علاقات الطائفة المارونية بالإسلام ما بين حملة نابليون على مصر والحربيْن العالميتيْن، والتي شهدنا أثناءها بروز دولة لبنان الكبير، ثم الاستقلال اللبناني.

ثورة اجتماعيّة


النضال الماروني في سبيل الاختلاف يعلن أنه أنهى عقد الذمّة في دار الإسلام

لقد رافقت الولاء الماروني للإمارة الدرزية في عهد الأمير بشير الثاني الذي دام فترة طويلة (1789 ـــــ 1840م) انعطافات هذا السياسي المحنّك، وساهم في محاولة تحقيق الاستقلال الذاتي المصرية داخل السلطنة العثمانية، وتأثرت بالنهضة المصرية التي جاءت ردّ فعل على الحملة الفرنسية. إلا أنه في نهاية ذلك العهد الذي أودى بصاحبه إلى المنفى في القسطنطينية (1840 ـــــ 1850م)، اتضحت الغاية الحقيقية لهذه المحاولة لدى الطائفة المارونية. فمجاراة الموارنة للإمارة وتعاضدهم معها نتجا من قناعة وإيمان بأنَّها أصبحت قادرة على إخضاع إقطاعيّي الطائفة. لذلك عند زوال الإمارة وانقسام جبل لبنان إلى قائمقاميّتين درزية ومسيحية يفصلهما طريق بيروت ـــــ دمشق، ثار المسيحيون على مشايخهم، وصدّقوا على أول ميثاق اجتماعي ضمّ في مار انطلياس جميع الطوائف الدينية في لبنان. فحظيت المساهمة المارونية بطابعها السياسي وصياغتها العسكرية بتأييد اجتماعي ملحوظ، وإن أصبح مدى هذا التأييد محدوداً، بل زال بسرعة. كما يشهد عليه ما تفرّع عنه من لبنان مركانتيلي. تجدر الإشارة هنا إلى أنه في مرحلة معيّنة ناصرت البطريركية المارونية مناصرة كبيرة ضد الارستقراطية الإقطاعية طبقة الفلاحين التي تنحدر عموماً منها.

تدخّل إنكلترا

لم تتحمّل القوى العظمى مشقّة انتظار نتائج هذا التحالف الاستقلالي اللبناني، الذي تحوّل في ما بعد إلى تحالف إصلاحي، لتُجنّد له كامل اهتمامها بهدف إحباطه. فقد قام الباب العالي كعادته باستغلال خلافة بشير الثاني الصعبة لإثارة الفتن على ضفّتي طريق بيروت ـــــ دمشق ولتحريض الدروز على المسيحيين. إلا أن السلطنة العثمانية لم تكن لتبلغ غايتها بهذه السهولة لولا دعم إنكلترا لها. ففي الوقت الذي منحت فيها روسيا القيصرية نفسها منذ عهد كاترين الثانية حق نشر حمايتها على الطائفة الأرثوذكسية، نجح الإنكليز في استقطاب صداقة الطائفة الدرزية ضد أصدقاء فرنسا المعهودين. فأحداث عام 1860م التي شهدها لبنان ودمشق وفاقت بفتكها دون أدنى شك أحداث 1975 ـــــ 1976م أرست الحاضر على الماضي، وأظهرت من حيث الجوهر عاملاً بشعاً من عوامل الصراع الدولي.

بروز العروبة

لقد طبقت فرنسا، كما هو معروف، في ظل نابليون الثالث، سياسة الإكراه العسكري الشائعة في تلك الفترة، فأرست دولة جبل لبنان «الصغير» بأغلبية مارونية تتمتع باستقلال إداري تحت سيطرة متصرف مسيحي غير لبناني مندوب من الباب العالي. لكن بانتظار تصحيح هذه الإدارة الضيقة الأفق بإعلان الجنرال غورو «دولة لبنان الكبير» في الأول من أيلول/ سبتمبر عام 1920 م، تجدر الإشارة إلى أن الموارنة بين فترة 1860 م والحرب العالمية الأولى رفضوا الانكفاء على حرز أجدادهم الصخري أو الاعتماد في تلك الظروف الدولية على دعم صديقتهم التاريخية. لذلك يبدو لنا أن هذه الفترة تتسم بطابع هام بليغ التعبير عن علاقة الطائفة المارونية بالإسلام.
فإضافة إلى ازدهار فريد للمؤسسات التربوية المتعددة المستويات في جبل لبنان وبيروت، عرفت الهجرة اللبنانية أولى أكبر انطلاقاتها، وأحدثت في أرجاء العالم العربي، وفي مصر خاصة، كما في فرنسا وأميركا الشمالية والجنوبية، تعبيراً مارونياً هائلاً عن العروبة. فبالتعاون المشترك مع الطوائف المسيحية الأخرى في الشرق وكل الطوائف الإسلامية المتعطشة للتغيير، أعطى الموارنة حينئذ رؤيتهم الخاصة لصيغة الانتماء العربي، أثّرت تأثيراً عميقاً في المشروع العام السياسي والأدبي المعروف باسم النهضة العربية. لا شكّ في أنّ بعضاً من رواد العروبة الموارنة قد اعتنق البروتستانتية في إطار الحملة التبشيرية الأميركية، وأنّ آخر قد اهتدى إلى الإسلام. إلا أن مسارهم الشخصي إجمالاً ليس له أهمية متمايزة عن تلك العائدة إلى من عمل في الطائفة على إدخال اللغة اللاتينية في الطقوس الدينية، فيما الطابع الماروني لا يزال يضفي على نتاج صنّاع العروبة هؤلاء، يعترف به جميع أفراد الطائفة المارونية باستثناء عدد من رجال الدين وبعض المتعصبين. تجدر الإشارة هنا إلى أنه بين صدور كتاب «يقظة الأمة العربية» لنجيب عازوري عام 1905 م في باريس وبين عرض مسرحية شكري غانم «عنترة» عشية الحرب العالمية الأولى في المدينة نفسها، مروراً بالطبعة الأولى في مرسيليا عام 1908 م لكتاب بولس نجيم الشهير باسم جوبلان (Jouplain) «القضية اللبنانية»، لم يجد رواد العروبة الموارنة في هذا الأمر أي تناقض مع تمسكهم باللغة والحضارة الفرنسية، حتى أنه يمكننا القول إن مخاض العروبة الناشئة قد حدث في فرنسا.

إرساء دولة لبنان الكبير وبروز الإسلام الشيعي

إن إرساء دولة لبنان الكبير في نهاية الحرب العالمية الثانية برعاية فرنسا كقوة انتداب يستحق أن تُخصص له دراسة تستوفي تحليل علاقة الموارنة بالإسلام عن طريق الهيمنة الفرنسية. لقد أعلنت الطائفة المارونية صراحة عدم قبولها لبنان مسيحياً صغيراً، مثلما رفضت الانصهار ضمن مجموعة سورية كبرى على الرغم من الالتماسات الحثيثة. ولقد ترأس البطريرك الحويك وفداً وطنياً ذهب إلى باريس وكشف عن هذه المطالب اللبنانية التي أدّت إلى نتيجتين كان لهما أثر هام أيضاً على مسلمي لبنان.
لقد هيّأ تأسيس دولة لبنان الظروف لبروز إسلام شيعي ظهر متأخراً، إلا أنه حاسم في الوقت الحاضر، كانت قد عزلته في الجنوب وفي المناطق اللبنانية الفقيرة الحملات التأديبية المملوكية ما بين نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر. إنّ إنشاء الدستور اللبناني القائم على المعايير الطائفية الدقيقة المعروفة وتأسيس المجلس الأعلى كانا الإشارتين على بروز الطائفة الشيعية في أفق مستقبل لبنان، حتى أنه يمكن القول إن مستقبل لبنان هو رهن الحركة الشيعية.

تطوُّر الإسلام السنّي

إن رمت عملية بروز الإسلام الشيعي في المجموعة اللبنانية إلى تحقيق توازن محلي، فإن الإسلام السنّي قد اتخذ، في السياق نفسه، أشكالاً لم تكن في الحسبان منذ عقود عدة. إن إرساء «الميثاق الوطني غير المكتوب» بين مسيحيي لبنان ومسلميه، وعلى الأخص بين الطائفتين المارونية والسنية، هو لا شك الحدث الأعظم والخيار اللبناني الذي قدمه رياض الصلح للإسلام السني في فجر الاستقلال بالاتفاق مع الرئيس بشارة الخوري. لكن إن قُدر لهذا الميثاق، كملحمة لبنان المعاصر، أن يحيا طويلاً، فهو لمّا يُدلِ كلياً حتى بتناقضاته بكل النتائج الأيديولوجية والوجودية التي سببها لكلا الطرفين.
تجدر الإشارة هنا إلى ظاهرة غريبة لكنها ذات مغزى كرّس لها باسم الجسر دراسة دقيقة ضمن رسالة جامعية جرى الدفاع عنها في باريس، وهي قضية الرئيس كرامي الذي ترشح لمنصب رئاسة الجمهورية المخصص تاريخياً للطائفة المارونية، علماً بأن الرئيس كرامي هو ابن زعيم سني من مدينة طرابلس كان قد دخل الكيان اللبناني بتحفظ وشروط منذ قرابة أربعين عاماً. هذا التحدّي السني للطائفية اللبنانية الذي لا يزال يثير سخط بعض رجال السياسة هو الإشارة الأكيدة إلى تحوّل سني عميق من جيل لآخر. وإن بدا الأمر متناقضاً، فهو دون أدنى شك نصر ماروني كبير في إطار الطائفية البالي. في الحقيقة، لقد تبنت الطائفة السنية اللبنانية برمّتها موقف عائلة الجسر، وإن لم يكن الباعث على التغيير على مستوى آمال هذه العائلة الطرابلسية الكبيرة المشهورة بعلمائها وبولائها الشديد للبطريركية المارونية التي كانت تعتبرها من أقرب المقربين إليها. لهذا لم يعترض أحد على أن يترشح الشيخ محمد الجسر لرئاسة أعلى هيئة في الدولة اللبنانية قبل حصولها على الاستقلال، أي في فترة الانتداب الفرنسي.
ولكي نسبر سبراً دقيقاً هذا التطور الحاصل لدى مختلف الطوائف الإسلامية، علينا أن نستخلص من هذه القراءة التاريخية الخاطفة الثوابت في الوجود الماروني مقارنة بالإسلام. مما يُيسر لنا فضلاً عن ذلك تحديد رهانات هذه الثوابت على أهم الأطراف المعنية، وكذلك على مستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية.

نهاية عصر الأقليّات

بصرف النظر عن التحولات الفكرية التي أصابت الطائفة المارونية على مر الأجيال حيال الإسلام، فإن الكنيسة المارونية تختلف عن بقية كنائس الشرق التي أُدمجت طوعاً أو كرهاً في الدولة الإسلامية. ليس غرضنا هنا إطلاقاً، كما لم يكن المقصد في العرض السابق، أن نقدم أحكاماً تقويمية، بل نرمي إلى تدوين بعض الملاحظات والمعاينات.

عامل فريد من عوامل المقاومة

فيما أزمع أقباط مصر على امتداد وادي النيل سلك منهج روحي، والاكتفاء كما يبدو بالحفاظ على هويتهم الاجتماعية والثقافية، وحذت، لو أخذنا مثلاً آخر، الطائفة الأرثوذكسية الإنطاكية المتوطدة في لبنان وسوريا حذو التطور الشامل في العالم العربي بالمساهمة أيديولوجياً وقيادياً، فإن الموارنة الذين يشاركون بالتناوب في كلا الخيارين يسلكون خطاً مختلفاً رُهِن ولاؤه بفكر المقاومة، كي لا نقول بفكر التمرد والعصيان.
هذا ما أثبتته العمليات العسكرية المارونية التي أشرنا إليها طوال هذا العرض، والتي أبرزت الطبع المشاكس لشعب افتخر كلُّ المراقبين بخصاله السلمية والمضيافة التي لا تكنّ أيّ كره لجنس بشري. ومع أن الموارنة معتادون على حمل السلاح واستعماله، فإنّ كنيستهم تميزت عن أغلبية التشكيلات الدينية الشرقية والغربية التي أضمرت مقاصد إمبراطورية بصرف النظر عن ضعف إمكانياتها. إن الكنيسة المارونية لم تكفّ قط عن المطالبة بهويتها، فأمضّت الجراحات جسدها.
ومما لا شك فيه أن الماروني كان دائماً على حذر وأهبة للحرب، مما يوجب أن يضع حداً لكثير من الإعلاميين الذين دُهشوا من دخوله ساحة المعركة عام 1975، وهو الذي قاتل، ليس «كحانوتي ملثَّم»، بل دون انقطاع منذ أربعة عشر قرناً. مما ينبغي أن يحدّ نوعاً ما من الفضيحة التي أثارها أولئك الذين يعتقدون أن الموارنة يعتزمون اقتسام لبنان لتسويته على مقاسهم. لكن، مهما كانت دقة المخططات التي نُسبت إليهم والشعارات الغريبة التي لُفقت لهم، فما من شك في أن الموارنة لو اضطروا إلى الانفصال والمطالبة بحقهم في تقرير المصير في بلد لهم، لما كان لهيئة سياسية قد توصلت إلى الاستقلال خلال الثلاثين سنة الماضية واعترفت باستقلالها الأمم المتحدة، أن تتمتَّع أكثر منهم بمؤهلات الاستقلال. وحسبنا أن نشير إلى أن الموارنة قد حافظوا تدريجياً على تراث شرقي هجرته البلدان المجاورة في الفترة نفسها أو أذعنت لرفع ملكيته.
لكن إن تحققت، لا سمح الله، هذه النزعة التطرفية للانعزال لدى الموارنة في الوقت الحاضر، فإن كاتب هذه السطور يرى فيها رفضاً بلا قيد أو شرط لحصيلة تاريخ ماروني عُرضت هنا خطوطه الأولى. في حقيقة الأمر، إن الوجود الماروني ليس مقاومة وتمرداً وفي حالة الغضب القصوى انفصالاً بالنسبة للإسلام فحسب، بل هو أيضاً سعي دؤوب في سبيل التضامن معه.

مواصلة حلم مشترك

لا مجال للشك في مواصلة الحلم المشترك، المرتبطة بالغرب الروماني والفرنسي الذي جاءت آخر إرسالياته إلى الشرق مسرعة، لا لتشجيع الموارنة على الانعزال بل لحثهم على التضامن العربي. لقد تبيّن، وذلك قبل مجيء الموفديْن برتولي وكوف دي مورفيل بكثير، أن المساهمة المارونية في مقاصد باريس وروما لم يكن هدفها قط الهيمنة الغربية على الشرق، بل هدفت إلى توازن الغرب نفسه.
وهي فضلاً عن ذلك عملية أساسية لتوازن الشرق المسلم وازدهاره. فإن تعللت بحلم الشرق كل نفس كريمة في الغرب، فإن الحلم بالغرب لم يقتصر على الموارنة وحدهم. فالمسلمون على اختلاف طوائفهم تغذوا هم أيضاً بهذا الحلم وإن لم ترتق مغامرتهم دوماً، ما بين حديقة الأندلس وامتلاك العقارات في الشانزيليزيه وكاليفورنيا، إلى مستوى التجربة الروحية التي أشار إليها السهروردي بعبارة «غربة غربية». لكن، عندما يُرجع طه حسين نشأة مصر العربية إلى أصولها الفرعونية، بل إلى الأصل الإغريقي وصرامة فلسفة ديكارت، فإن الماروني يستشعر فيها أبعاد العروبة الحقيقية ومشروعه القديم العهد. فبين غرب مقتبَس وشرق مستحدَث، تتمسك التقاليد المارونية بسعيها إلى التضامن مع الإسلام وتكرّم من بين أبنائها رواد العروبة.

المطالبة بحق الاختلاف

بالرغم من أن التقارب الماروني الإسلامي وصل إلى أعلى درجاته على صعيد الفكر والثقافة، فلقد افتقد منذ البداية الثبات، ثم تعكر كلياً عندما أضاع الإسلام بريق القرون الأولى بعد نشأته وفقد العرب سياسياً القدرة على توحيده ابتداءً من القرن العاشر.
بعدما دُمّر موطنهم الأم في وادي نهر العاصي نحو عام 930 م. اشتد ارتباط الموارنة بحرزهم اللبناني. في تلك الفترة، وبانتظار عصر العروبة الحديث، لم يكن للموارنة شركاء في الحقيقة إلا ما اتُفق على تسميته بالإسلام المنشق، بل إسلام، في ما يخص الدروز، لا تعترف به السنة صراحة.
ولأن اللقاء الماروني الإسلامي قصر عنايته على تنظيم المجتمع السياسي، فإنه أعطى للنضال الماروني المعنى الذي اعترفنا له في موضع آخر بأنه مطالبة بحق الاختلاف. لقد رأينا خلال هذا العرض أن النضال لم يكن متزامناً ومترابطاً فحسب، بل كان متقارباً ومنظماً بالتعاون مع نضال آخر في سبيل الاختلاف، لكنه في تلك المرة كان اختلافاً إسلامياً.
ولكي نتحاشى كل سوء فهم، ينبغي أن نظهر فرقاً هاماً وأن نزيل خاصة سوء التفاهم الذي يشوّه كل تقدير لحقوق الأقليات.
في الحقيقة، هناك نوعان من الأقليات. أقلية تعرف هويتها الخاصة وتدرك بحدّة ما يميزها عن المجمتع المحيط بها إلى حد تختار فيه كياناً منفصلاً عنه. كانت هذه حالة الأرمن لمدة طويلة في الشرق المسيحي، وهي لا تزال إلى اليوم حالة الأكراد في الشرق المسلم. لكن، مهما كانت عرى التضامن التي تربط هذه الأقلية بالشرق المسيحي أو المسلم، فهي ترمي إلى البقاء على حالها لغوياً وسياسياً، ولا تعتبر كل مرحلة تُدمجها ضمن مؤسسة كنسية أو وطنية أكبر إلا مرحلة عابرة.

استعداد ذاتي للعالمية لدى ثلاث أقليات

انطلاقاً من معطيات مماثلة، قد تتخذ الأغلبية في فئة ما خياراً مختلفاً قد تتجاهله عند الاختبار أو تقمعه خلال فترات معينة، إلا أن هذا الخيار يطبع أثره على منحى تاريخها. لقد بيّن سيلفان ليفي أن تردد اليهودية بين النبوية والموسوية في عشية الخيار الصهيوني أدى إلى ارتمائها في أحضان خيار مغلق دون أن تفقد مع ذلك دعوتها إلى العائلة البشرية.
أرى في الشرق ثلاث طوائف أخرى يُنظر إليها على أنها أقليات، لكنها بالرغم من تقلبات الدهر والخيارات الكثيرة المضادة المطروحة أمامها، أثبتت قدرتها على الانفتاح وأظهرت دائماً روح تضامنها الكبيرة. وليس من قبيل الصدفة إن كانت هذه الطوائف الثلاث في لبنان، وهي التي لم تعزز وجودها بالمقاومة بقدر ما شددت على تضامنها العربي المسيحي أو المسلم بالطرق والأبعاد التي اصطفتها. في الحقيقة، إن هذه الطوائف الأقليات تحتضن خطة عمل ومشروعاً.
هذه دون شك حالة الطائفة الدرزية. فبعد إقفال الدعوة بحكم الواقع والانطواء على طائفة متباينة الأعراق، لم تتخل الطائفة الدرزية عن دعوتها التوحيدية ولا عن مشروع حضارتها الذي تُرجعه إلى عصر فيثاغورس. وهذا ما يفسر أن قائدها التاريخي في عام 1976 م هو بالفعل زعيم الحركة التقدمية اللبنانية والعربية.
وهي بالأولى حالة الشيعة التي لا تحتاج إلى براهين لتثبت أنها لم تنشأ ولم تستمر ولم تذق العذاب في الإسلام من أجل أبناء طائفتها بل من أجل أمة محمد برمّتها.
وأظن أخيراً أنه مغزى التاريخ الماروني في ضمن نطاق تسلسله الضيق، وبالتناغم العميق مع التاريخ الإسلامي، وعلى طول مراحله ومحنه. لقد غذى هذا التاريخ تجاه الإسلام مطالب ليس لمصلحة الطائفة المارونية فحسب بل لمصلحة كل من يرفض من مسلم ومسيحي وضعاً، مهما كان نوعه، باعتباره فُرض عليه.

غروب عصر الذمّة

إن النضال الماروني في سبيل الاختلاف الذي أحدث، شئنا أم أبينا، الوطن اللبناني دون أن يفصله عن الأمة العربية، يعلن أنه أنهى عقد الذمة أو «حماية أهل الكتاب» في دار الإسلام. لقد كان عقد الذمة أول خطوة وأول تقدم مهم في التاريخ على طريق التعددية الاجتماعية، إذ إن الإسلام في تسامحه الكريم كان طليعة المجتمعات الدولية ولا يزال أوسعها إلى يومنا هذا. لكن صفحة من التاريخ قد طُويت نهائياً بالنسبة للموارنة وغيرهم، والعودة إلى العصور الوسطى، حتى لو كانت عصوراً ذهبية، مستبعدة، وهذا ما ردده في كل حال الكثيرون، وناضل الموارنة لنيله.
إن كاتب هذه السطور يرغب بالإضافة، نيابة عن نفسه، أنه عندما يُلغي المسيحيون والمسلمون معاً عقد الذمة أو ما يعادله حالياً من تساهل ديني إزاء الأقليات، فإن الماروني يعتزم الدفاع أفضل عن قضية وحدة الإسلام والنفوذ بذلك إلى ضمير الرسول. بل إنه، عندما يُسقط كل جدران الفصل المتعارف عليها داخل الأمة العربية، لا ينشد نزع كل احتمال تبرير للدولة اليهودية فحسب، بل يريد كذلك استعادة المجتمع المتعدد الحقيقي الذي أرساه الرسول في المدينة المنورة، والولوج عن طريق العروبة إلى قلب الدعوة الإسلامية ليبلغ من خلالها كمال دعوته الخاصة والطمأنينة.

الانتقال من العروبة إلى العُرْبة

لكنّ هذا ميدان آخر مدعاة للتأمل. تجدر الإشارة، في ما يتعلق بحديث الساعة وأثره على الوضع الجاري، إلى أن الموارنة قد طرحوا على أصدقائهم المسلمين مسألة تضع الطرفيْن في حالة حيرة موجعة. إنني أعتبر أن خط القوة في التاريخ الماروني جزء من خطوط القوة التي تحتّم في الوقت الحاضر تغييراً جذرياً على الوحدة العربية التي صيغت في القرن التاسع عشر واستمرت في القرن العشرين برعاية جمال عبد الناصر. علاوة على ذلك، يتحتم علينا أن نخرج سوياً من المأزق والاضطراب السائديْن بعد لحظة النشوة التي عرفناها في رمضان في شهر تشرين الأول أكتوبر من عام 1973 م على أثر عبور القوات المصرية قناة السويس، ومن ثم الاغتيال المأساوي للملك فيصل ابن سعود. وهذا ما أسميه بالانتقال من العروبة إلى العُربة. فمن مجموعة تعتبر لغة فئة ما وثقافتها ودينها وعقيدتها على أنها حتماً الممتلك الأكبر والعام إلى جانب ممتلكات أخرى وقيم مقبولة ومسموح بها، بل يشجع على وجودها لكنها تبقى خاصة، ننتقل إلى وحدة تغلب عليها الإرادة السياسية وحدها في العيش المشترك. وطبقاً للقيم التي حظي الإسلام بتعميمها، يتحتم على الالتقاء أن يشخصن كل طرف حسب هويته الخاصة، وإن اقتضى الأمر وفق كيان سياسي متميز يُدرَج ضمن الوحدة.
أعتقد أن هذا المفهوم للوحدة العربية يقترب من مفهوم الوحدة في أوروبا كما كان يراها الزعيم الفرنسي شارل ديغول، ومما لا شك فيه أن الحوار العربي الأوروبي لا يمكنه بعد اليوم أن يتغاضى عن تداخل هذين النوعين من البحث عن الوحدة ضمن مسؤولية متبادلة. ومما لا شك فيه كذلك أن التعددية والعلمانية اللتين تنادي بهما الأمة العربية الجديدة تختلفان عن النماذج الغربية العصرية بقدر ما تختلفان عن الحكومات الدينية الشرقية الغابرة والحاضرة.

موارنة وفلسطينيون ومجتمع جديد

وهذا ما يجعل أخيراً النضال الماروني داخل الإسلام، وإن أظهرت فيه الأحداث الحالية تناقضاً كبيراً، يتعارض مع الخيار الإسرائيلي بقدر ما يقترب من النضال الفلسطيني. وهنا تكمن حالياً المأساة الحقيقية. نضالان من أجل الاختلاف، يلتقيان في مشروع تأسيس مجتمع جديد متعدد ضمن الوحدة، يتجاهل كل منهما الآخر أو يتقاتلان ويقتل بعضهما بعضاً. وحسبي كدليل أن أبدي خوفي من رؤية الحلم الفلسطيني يتلاشى عندما نشهد تفكك لبنان. فمن الحلم الماروني في دولة لبنان إلى الحلم الفلسطيني في المقاومة، هناك حقاً علاقة النموذج الأولي بالمثال. لقد ساهم الموارنة في صنع النموذج الأولي اللبناني للعالم العربي بمجمله كتجربة مثالية للعيش المشترك، وذلك بالاتفاق مع قوى أخرى من داخل العالم الإسلامي أو من خارجه تعارض جميعها دون استثناء المفهوم الصهيوني. وفي هذا السياق كان الأمل في أن تتخطى الأرض المقدسة هذا النموذج الأولي التجريبي لتؤسسه وتطوره. وإني أعتقد، وهما يقتلان بعضهما بعضاً، أن خلاص الأرض المقدسة ولبنان لا يمكن أن يتحقق إلا بهما سوياً.

اختيار ماروني بين رؤيتين مسيحيتين للإسلام

إن التاريخ الماروني، كمسار لكنيسة وشعب ساهما بعمق في النمط الإسلامي للعيش الجماعي، يمثل أعظم استمرار للشرق العربي. هكذا يراه كمال صليبي، الأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت. وكشاهد على هذا التاريخ ومسؤول عن قاعدته الشعبية، تمثل البطريركية المارونية أقدم مؤسسة من هذا النوع استمرت على حالها دون انقطاع أو ضعف من القرن السابع إلى يومنا هذا. يقارن كمال صليبي البطريركية المارونية بالإمامية الزيدية في اليمن و«بإمارات المؤمنين» المتفرقة في الجزيرة العربية وغيرها من المناطق الأخرى. وهي إن تراجعت أمام غيرها لاتساع مساحتها وأهميتها السكانية، فإن البطريركية المارونية، كما يلاحظ صليبي، تتجاوزهم كلهم ليس من حيث متوسط الأعمار فحسب بل خصوصاً من حيث تعقد الأوضاع التي عاشتها وجسامة المحن التي تكبدتها والرهان الدولي المتعاظم الذي يثيره وجودها على الضفاف الشرقية ذات القيمة الاستراتيجية العالية للبحر الأبيض المتوسط. ومع مراعاة الأحجام النسبية بين الوضعيْن، فإنّه لا نظير للبطريركية المارونية في الشرق العربي المسلم إلا البابوية في الغرب.
ولكي لا نختم هذه النظرة الإسلامية المسيحية الشاملة على مستوى الموارنة باعتبارات سياسية محضة، أقول إنه في ختام تاريخ عاشه الموارنة مع المسلمين منذ ولادتهما التوأمية، ينقسم الموارنة في موقفهم من الإسلام انقساماً متفاوتاً جداً بين نظرتين معاصرتين متأثّرتيْن بالمقاومات الفرنسية. هما نظرة لويس ماسينيون والأب اليسوعي البلجيكي المتعاطف كلياً مع قضية الوجود الفرنسي في الشرق، وهو الأب هنري لامنس.
لا ريب في أن الموارنة يصطفون بمجملهم خلف موقف الحاجز النقدي الذي نصبه هنري لامنس أمام الإسلام. لذلك فإنه عندما تتبنى نتاجه النخبة المثقفة المارونية، كما تتبناه أوساط عديدة من الشرق المسيحي والغرب المستشرق، فهي ترسّخ نفاذ آباء رهبانية اليسوعيين الأوروبيين الموفدين إلى الشرق، وبصورة خاصة إلى الطائفة المارونية، فيما جيل اليسوعيين الذي خلف لامنس تشرَّق تشرقاً عميقاً، ممّا غيّر على ما يبدو وجهة نظر الآباء في تلك الأثناء. وخير دلالة على النظرة السابقة هو أن العمل الماروني الوحيد ذا القيمة تجاه الإسلام هو ترجمة لكتاب مختصر كتبه باللغة اللاتينية الرئيس العام للآباء اليسوعيين، الأب ثيرزوس غونزاليس دي سانتالله، وهو كتاب يشيد بالإسلام.

التاريخ الماروني، كمسار لكنيسة وشعب ساهما في النمط الإسلامي للعيش الجماعي، يمثّل أعظم استمرار للشرق العربي

يبقى أن الفضل يعود إلى الموارنة في انتشار إسلاميات ماسينيون في الشرق والغرب على السواء، وفي تعميمها في الكنيسة كتغيير جذري لنظرتها إلى الإسلام، انطلاقاً من رد الاعتبار للنبي العربي. وهذا صحيح لدرجة أن بعض الإسلاميات الكاثوليكية لا تزال تسير في تفكيرها على خطى لامنس وهي تدّعي الانتساب لماسينيون.
ومع هذا، فالأمر ليس متناقضاً كما يبدو في الظاهر عندما يخطر في بالنا أن لامنس وماسينيون تقاسما تجاه الإسلام الذي ذمه الأول وأعلى شأنه الآخر عشقين كبيرين هما عشق اللغة العربية الذي برز بحدة لدى ماسينيون، وعشق بلاد الشام الذي طُبع بالحنين إلى حد الشغف لدى لامنس.
فبين هذين العشقين المشتركين، لا مفر للموارنة من إجراء تحوّل حاسم. في ما يتعلق باللغة العربية، فالتحول قد حصل كما رأينا منذ زمن طويل. لكن، لكي نتحقق من عمقه في يومنا هذا، أقول إن ما من أحد أحب اللغة العربية في هذا القرن أكثر من شخصيتين مارونيتين عريقتين، إحداهما الأب أناستاس دي سان إيليا الذي كان راهباً كرملياً في بغداد، والشخصية الأخرى خليل رامز سركيس الذي كان قسيساً في بيروت.
أما في ما يتعلق بالشغف ببلاد الشام الذي يجد أرومته العميقة في عشق العُربة، فإنه، بصرف النظر عن كل صياغة سياسية، يمثل أعظم ضرورة مسكونية ملحة ترهق كاهل الموارنة. إذ يجب عليهم إعادة الوحدة إلى النطاق البطريركي الإنطاكي والمصالحة مع إخوانهم أبناء الطائفة الأرثوذكسية، كما لو وجب محو أربعة عشر قرناً من التاريخ، ليشحذوا سوياً هذا السيف ذا الحدين القادر وحده على قطع العقدة الغوردية، عقدة انتمائهما الروماني المستعار، وإقحام شغف الوحدة في صلب الكنيسة.
لكنّ اقتضاء الوحدة لا يرهق كاهل مسيحيي بلاد الشام فقط. فإن لم يكن لبنان في نظر لامنس سوى حصن الحريات السورية العرين، فما من شك في أن المجموعة السورية اللبنانية تمثّل ما بين البحر والصحراء العربية نقطة مؤثرة يتوارد إليها كل انبثاق إسلامي على موعد مع الحرية. أعتبر أن المصالحة المسكونية بين المسيحيين أنفسهم لن تحصل دون مصالحة المسلمين ضمن هذه المجموعة بكل ألقابهم وفئاتهم مع الحرية.


ترجمة: الدكتورة سلام دياب