إعداد وترجمة ديما شريف


توم إنغلهارت *
12 تموز 2011، واشنطن، العاصمة: في شهادة مظفرة أمام لجنة مشتركة في الكونغرس، ألقيت خلالها تحيات تليق بالبطل الفاتح، أعلن الجنرال ديفيد بترايوس انسحاب أول ألف جندي أميركي من أفغانستان هذا الشهر. «هذه بداية التعهد الذي قام به الرئيس للشعب الأميركي لتقليل عدد الجنود الذين أرسلوا منذ 2009»، قال. وأضاف «لكن دعوني أؤكد، كما فعلت حين استلمت هذا المنصب، أنّ التزامنا تجاه الحكومة والشعب الأفغانيّين هو التزام دائم».
في حزيران الماضي، حين حلّ الجنرال بترايوس مكان الجنرال ستانلي ماكريستال الذي فقد صدقيته كمسؤول حرب أفغانستان، اعتُبر «البطل الأميركي» من جانب السيناتور جون ماكين، و«الضابط الأكثر موهبة في جيله» من جانب جورج باكر من مجلة «ذا نيويوركر»، وكـ«أول مقاتل ــــ دبلوماسي في الأمة» من جانب كارين دو يونغ وغريغ ويتلوك في صحيفة «واشنطن بوست». وهي تعليقات متوقعة من الجمهوريين والديموقراطيين، الليبراليين والمحافظين على السواء في ذلك الوقت. وقد وعد بترايوس آنذاك أنّ الولايات المتحدة موجودة في أفغانستان «كي تربح».
في السنة المنصرمة، تمّ تقليل حدّة تمرّد طالبان و«توصلنا إلى نقطة تحوّل»، يقول مسؤول عسكري كبير في قوة المساندة الأمنية الدولية في أفغانستان (إيساف)، طالباً عدم الإفصاح عن اسمه، تماشياً مع سياسة منظمته. بواسطة كلّ وسيلة متوافرة، ضعفت حدّة التمرد كثيراً، إن كانت عبوات ناسفة أو قنابل مزروعة على الطرق أو تفجيرات انتحارية أو اغتيالات للمسؤولين المحليين من جانب طالبان أو ضحايا من قوات التحالف أو من المدنيين الأفغان. قُوّي الجيش والشرطة الأفغانية على نحو ملحوظ عبر مهمات تدريب من الناتو وأميركا، رغم أنّها لا تستطيع أن تأخذ المبادرة في بلادها. حكومة الرئيس حميد قرضاي التي لا تزال تعتبر ضعيفة وفاسدة، نجحت في إصباغ صفة أفغانية على الحرب.

يبدو أنّنا نحارب لجعل أفغانستان أكثر أماناً للاستثمارات الصينية، كما حصل في إيران مع العقوبات
منتقدو استراتيجية الحرب الخاصة بالجنرال بترايوس والرئيس أوباما من الديموقراطيين كانوا صامتين صمتاً ملحوظاً هذا الأسبوع حين كان الجنرال يتنقل بين مراكز صنع القرار في العاصمة من «مركز التقدم الأميركي» لـ«مؤسسة انتربرايز الأميركية»، في الوقت الذي كان يحتفى به كبطل الساعة ومرشح رئاسي محتمل في 2016. وكما في 2007، حين عُيّن للإشراف على حرب جورج بوش الابن بعدما قال المنتقدون إنّه من المستحيل الاستمرار بها، أظهرت الجداول التي أحضرها الجنرال معه إلى جلسة الشهادة في الكونغرس عكس ذلك. الوضع في أفغانستان مرّ بتحوّل مشابه لما حصل في العراق منذ الحضيض الذي كان فيه في تموز 2010 حين اتفق المنتقدون والمناصرون على السواء على أنّ حرب التسعة أعوام بدأت تتهاوى، وأنّ استراتيجية مكافحة التمرد تفشل، وأنّ استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تؤكد عدم شعبية الحرب المتزايدة.
«كم تغير الوضع خلال سنة»، قال مسؤول كبير سعيد في البنتاغون. ففي 12 شهراً فقط، وكما يحب الجنرال بترايوس أن يصف الوضع، تمكن من مزامنة «الساعات» في واشنطن وأفغانستان، وفي خلال ذلك، كما فعل في العراق، أخرج نشرات الأخبار من الحرب، والحرب من نشرات الأخبار. ويظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب أنّ 63 في المئة من الأميركيين «مساندون» لمقاربة الجنرال للحرب في أفغانستان...

ما قد يعنيه النجاح في أفغانستان

لم يحصل كلّ ما سبق حتى الآن، والاحتمالات كلّها تقول إنّه لن يحصل أبداً. لكن للحظة، تخيلوا قصصاً كهذه تتصدر وسائل الإعلام في الوقت الذي يعود فيه «الجنرال السياسي» إلى الوطن، وخصوصاً إلى واشنطن المليئة بالامتنان له.
بكلّ المقاييس، يمكن الحرب الأفغانية أن تتجه نحو الأسوأ اليوم. يبدو أنّ مكافحة التمرد، أي الاستراتيجية التي روّج لها الجنرال ماكريستال واخترعها الجنرال بترايوس، في ورطة، في الوقت الذي يبدو فيه أنّ الطالبان هم الذين يتقدمون. وقد أدى هذا الواقع إلى بروز انتقادات وشكاوى من اليسار، اليمين، والوسط.
يولد النقّاد من الفشل، كما تولد الحشرات من الجثث. بكلمات أخرى، من السهولة بمكان انتقاد مشروع أميركي فاشل، لكن ماذا عن مشروع ناجح؟ ماذا لو تبيّن أنّ بترايوس هو فعلاً الجنرال المعجزة في صناعة الحرب الأميركية في القرن الحادي والعشرين؟ وهذا يعني فقط أنّه بحاجة إلى «تخفيف» تمرد طالبان (وهي العبارة الحديثة المرادفة لـ«ربح»، وخصوصاً أنّ كلمة «نصر» لم تعد ضمن اللغة العسكرية للولايات المتحدة).
لقد استدعى الفشل البديهي على نحو متزايد للسياسة الأميركية في أفغانستان، عدداً كبيراً من النداءات من أجل تخفيف عدد الجنود تحديداً حاسماً أو تحديد تواريخ للانسحاب (أو من الجمهوريين شكاوى مريرة عن المواضيع نفسها). نداءات ستثير غضب الرئيس أوباما. في ظلّ الظروف الحالية، لا يتساءل أحد على ما يبدو عما قد يعنيه النجاح. لقد هزمنا لفترة طويلة، لدرجة أنّ قليلين يتكبدون عناء تخيّل ما قد يتضمنه أن ننجح.
للأسف. هذا يستحق التفكير بذلك. لنفترض أنّ بترايوس عاد إلى واشنطن حاملاً معه ما يمكن اعتباره هذه الأيام نصراً. السؤال هو: ماذا في ذلك؟ أو بالأحرى، هل سيكون النجاح في أفغانستان أسوأ على الأميركيين من الفشل؟
تخيّلوا أنّ الجيش الأميركي يسيطر في تموز 2011 سيطرة هشة على مناطق مهمة من البلاد، ومن ضمنها قندهار، المدينة الثانية من حيث المساحة. لدى الجيش الأميركي حوالى مئة ألف جندي (وعلى الأقل عدد مشابه من المتعاقدين من القطاع الخاص) في البلاد، في الوقت الذي يحصل فيه انسحاب بطيء للجنود الذين أرسلهم الرئيس في كانون الأول 2009. على نحو مماثل، فإنّ الاجتياح «المدني» الذي زاد عدد موظفي وزارة الخارجية الموجودين هناك ثلاث مرات، يبقى في مكانه، وكذلك زيادة عدد عناصر وكالة الاستخبارات الأميركية هناك والمتعاقدين المدنيين والزيادة في بناء القواعد العسكرية. في الواقع، إنّ حرب الطائرات من دون طيار التي تقودها الوكالة في المناطق الحدودية الباكستانية ستكون من دون شك قد زادت بحلول تموز 2011. يتوقع خبراء أن تستمر حملة مكافحة التمرد سنوات وحتى عقوداً. حلفاؤنا في الناتو يتجهون للبحث عن مخارج، ومجدداً بحسب الخبراء، فإنّه من الصعب وفقاً لأي منطق بسيط هزيمة طالبان التي يتداخل أعضاؤها كثيراً داخل أقلية البشتون في أفغانستان.
سيمثّل ذلك بالتالي «نجاحاً» بعد عشر سنوات على بدء الحرب الأميركية في أفغانستان. ونظراً إلى الكابوس اللوجستي للاهتمام بهذا العدد الكبير من الجنود، عملاء الاستخبارات، المسؤولين المدنيين والمتعاقدين من القطاع الخاص في البلاد، سيكون من دون شك مبلغ السبعة مليارات دولار في الشهر الذي يصرف هناك الآن، الثمن الذي سيدفعه الأميركيون لفترة طويلة (وهذا بالطبع حساب مخفض نظراً إلى تداعي المعدات العسكرية على المدى الطويل، وكذلك الكلفة المستقبلية للاهتمام بمن سيكونون بحاجة لعلاج جسدي أو نفسي).
سيضطر الجيش والشرطة الأفغانيان المتضخمان للخضوع لتدريب مستمر في بلاد لا تملك موارد مالية حكومية، وهي (على عكس العراق) لا تملك نفطاً أو أي مصادر أخرى للدخل في المستقبل القريب، وهي أيضاً ستتلقى الدعم المالي من واشنطن. وتذكروا أنّ سلاح الجو الأميركي سيكون في المستقبل المنظور هو سلاح الجو الأفغاني. بعبارات أخرى، النجاح يعني أنّ أفغانستان هي لنا لسنوات مقبلة، لكن على نحو ضئيل.

دورنا المستقبلي

ماذا إذاً سيكون دورنا مقابل إنفاق كلّ هذه الأموال والجهود والأرواح؟
سنملك في الحد الأدنى أرضاً متصدعة ومدمرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وغريبة وبعيدة عن الولايات المتحدة. كما سنملك خامس أفقر دولة في العالم. سنملك ثاني أكثر دولة فساداً في العالم. كما سنملك دولة المخدارت الأولى في العالم، وهي الدولة الوحيدة التي تنتج نوع مخدرات واحداً، الأفيون. وفي ما يتعلق بالحرب الكونية على الإرهاب، سنملك دولة يعتقد رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية أنّها تحوي خمسين من عناصر تنظيم القاعدة المئة (وربما أقل كما قال) تمثّل أجزاء من الدولة «ملاذاً آمناً» لهم. ومن أجل هذا، وكل ما سيحصل لاحقاً، سندفع على الأقل، 84 مليار دولار في السنة.
اعتماداً على هدفنا المعلن من الحرب، فإنّ النجاح في أفغانستان يعني القليل. وذلك وفق ما قاله الجنرال بترايوس في جلسة التصديق على تعيينه في الكونغرس في نهاية حزيران 2010. فقد أوضح أنّنا «لا نستطيع السماح للقاعدة أو أي متطرفين عابرين للجنسيات، بتأسيس ملاجئ يستطيعون، مرة أخرى، استخدامها لإطلاق الاعتداءات على بلدنا أو ضد حلفائنا». بالنسبة للقاعدة، لم تكن أفغانستان مهمة بحد ذاتها. كانت دائماً مكاناً ملائماً (نسبياً). إذا كانت الولايات المتحدة ستمنع وصول القاعدة إلى أفغانستان، فهناك دول أخرى كثيرة للاختيار بينها.
في ردهات بيروقراطية الأمن القومي في واشنطن، هناك سؤال لم يُسأل بعد: لماذا نحن في أفغانستان؟
فما بقي من تنظيم القاعدة الأصلي، الذي يقدرّ خبراء الاستخبارات الأميركية عددهم بحوالى الثلاثمئة بين قادة وعناصر، يبدو أنّه استقر جيداً في مناطق القبائل الحدودية في باكستان، وهو مكان لا يستطيع الجيش الأميركي احتلاله بسهولة، ولا يهم كم عدد طائرات بدون طيار التي سترسل إلى هناك. إلى جانب ذلك، يقول خبراء الاستخبارات الأميركية بتزايد إنّ القاعدة في طور الاندماج مع مجموعات جهادية محلية في هذه المناطق الحدودية، وفي اليمن، الصومال وشمال أفريقيا وأماكن أخرى. ويضيفون أنّها أصبحت «شبكة متفرقة» عديمة الشكل، أو ببساطة فكرة أو أيديولوجيا خاماً، تحضر على الشبكة العنكبوتية كما في أي مكان محدد على الأرض.
بهذا المنطق، وهذا هو السبب الوحيد الذي يعطى اليوم لتبرير الوجود الأميركي في أفغانستان، سيكون «نجاح» مكافحة التمرد بلا معنى إلا إذا استطاعت الولايات المتحدة جلب الأمن إلى باكستان، الصومال، اليمن وعدد آخر من الخيارات المحتملة، عبر الارتكاز على التفكير الاستراتيجي نفسه. بعبارت أخرى، سيضطر الجيش الأميركي لأن يفعل الشيء الذي أثبتت سنوات بوش أنّه لا يمكن فعله: فرض «سلام أميركي» (pax americana) على الكرة الأرضية.
بالطبع، كان بإمكان إدارة بوش أن تعطي تفسيرات أخرى للحرب المستمرة في أفغانستان، ومن ضمنها الحاجة إلى حماية ما سمته «قوس عدم الاستقرار» الممتد من شمال أفريقيا إلى الحدود الصينية (تحديداً مناطق النفط في العالم)، دفع روسيا إلى الوراء بعيداً عن «حديقتها الخلفية» السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى وضمان تدفق نفط بحر قزين إلى الغرب. أخيراً، مع الكشف عن موارد طبيعية بقيمة تريليون دولار أو أكثر تحت الأرض الأفغانية، كان يمكن إضافة تأمين هذه المواد الخام لشركات التعدين الغربية إلى اللائحة السابقة. لكن إدارة أوباما، لا تقدم تفسيرات مماثلة. وبما أنّها إدارية أكثر من كونها حالمة بطبيعتها في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، فمن الممكن ألا تكون تملك تفسيرات كهذه.
في كل الأحوال، تبدو حروبنا في العراق وأفغانستان كأنّها تخبر قصة أخرى. الشيء الوحيد الذي يبدو أنّ الحرب في العراق قد أنجزته سياسياً هو الترويج للنفوذ الإيراني في هذا البلد. اقتصادياً، جعلت الحرب العراق مكاناً أكثر أمناً لشركات النفط الحكومية أو التي تسيطر عليها الحكومات في الصين وروسيا ودول أخرى ليست غربية. في أفغانستان، في ما يتعلق بالموارد الطبيعية المستقبلية، يبدو أنّنا نحارب لجعل هذا البلد أكثر أماناً للاستثمارات الصينية (كما ساعدت العقوبات المشددة الأميركية ضد إيران في جعل هذا البلد آمناً من أجل الهيمنة الصينية على الطاقة فيه).

السؤال الأفغاني

كلّ ما سبق يترك الاستثمار الأميركي الضخم لأهم موارده، ومن ضمنها الأرواح، في أفغانستان، لغزاً مستمراً لا يتطرق إليه أحد. في مكان ما في حقول الخشخاش الواسعة أو في ردهات بيروقراطية الأمن القومي في واشنطن، هناك سؤال كبير لم يُسأل بعد. إنّه سؤال طُرح منذ حوالى نصف قرن حول فيتنام، الحرب الخاسرة التي حوّلها ديفيد بترايوس في 2006 إلى أساس لإنتاج كتيب مكافحة التمرد الخاص بالجيش، وهو يمثّل قاعدة للاستراتيجية الحالية.
كان السؤال: لماذا نحن في فيتنام؟ (وقد أصبح حتى عنواناً لرواية لنورمان مايلر). في 1965، أنتجت إدارة الرئيس ليندون جونسون فيلماً حكومياً دعائياً فقط للإجابة عن هذا السؤال. سمي الشريط «لماذا فيتنام». ولم تكن هناك علامة استفهام وراء السؤال، وتداول المسؤولون داخل الإدارة بشأن إضافة واحدة أم لا.
بدأ الفيلم بالرئيس يقتبس عبارة من رسالة تلقاها من أم «في الغرب الأوسط» كان ابنها في فيتنام. نسمع الرئيس، بلهجته المعتادة، يعيد سؤال هذه المرأة، كما لو كان يخصه. «لماذا فيتنام؟» يسأل ثلاث مرات في الوقت الذي يظهر السؤال على الشاشة، وبعدها يبدو أنّ علامة استفهام تحوم حول كل لقطة، كما حامت حول الحرب نفسها.
بطريقة ما، فإنّ علامة الاستفهام نفسها ظهرت قبل اجتياح العراق في 2003 وبعده، ولكنّها لم تكن أبداً مرتبطة بأفغانستان. بسبب أحداث 11 أيلول، بقيت أفغانستان لسنوات، الحربَ الجيّدة (نسبياً، ومنسية كثيراً)، إلى أن لوّثها الفشل الواضح.
لقد فات أوان طرح هذا السؤال، حتى لو كرّرت إدارة أوباما لازمة سنوات بوش بشأن القاعدة كلمة كلمة، وسمحت لأي تفسير بهذا الشأن.
لماذا نحن في أفغانستان؟ لماذا نبدد ثرواتنا هناك فيما ثمة حاجة لها هنا؟
من الواضح أنّ فشل حرب مكافحة التمرد في أفغانستان سيكون كارثة باهظة الثمن. ثمن لا يمكن توفيره. دعونا لا ننتظر سنة كاملة لنكتشف أنّ هناك قدراً أسوأ ينتظرنا، أي «نجاح» يتركنا هناك نغرق لسنوات مقبلة، في الوقت الذي تكبر فيه متاعبنا داخل الوطن. مع كل الشؤون الأخرى التي يجب على الأميركيين أن يهتموا بها، من يحتاج إلى أعراض مرض مستقبلي يطلق عليه اسم بترايوس؟
* عن «ذا نايشن»، مجلة أسبوعيّة يساريّة