الجزائر | لم يستجب الرئيس الجزائري لنداءات الحراك الشعبي الواسع الرافض لبقائه في الحكم، فقرّر إيداع ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية لدى الجهات المعنية، مع التعهد بتقديم تنازلات كبيرة، من شأنها، بحسبه، التوطئة لميلاد جمهورية جديدة. تنازلات مؤجّلة يقابل الإعلان عنها استمرار التظاهرات التي يتوقع تصاعدها، في مشهد متضاد يفتح الباب على تطورات كثيرة لا تبدو مآلاتها محسومة إلى الآن.

أدى الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، منذ إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ترشّحه، إلى تسارع كبير في الأحداث السياسية، من دون تبدل في موقف بوتفليقة، الذي يصرّ على الاستمرار في الحكم، على الرغم مما قد يكلفه ذلك من تداعيات على المستوى الشعبي. هكذا، قرر الرئيس، رسمياً، أمس، إيداع ملف ترشحه لدى المجلس الدستوري عبر أحد ممثليه، مثيراً مرة أخرى جدلاً قانونياً بين من يؤكد ضرورة أن يقدم المرشح ملفه بنفسه (رئيس الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات) ومن ينفي ذلك (المجلس الدستوري).
ترشّح بوتفليقة تأكد بعدما حُبست الأنفاس طويلاً، ودارت توقعات بإمكانية رضوخه لمطالب التنحّي، خصوصاً بعد الإعلان عن نقله إلى سويسرا لإجراء فحوصات طبية (لم يُعلن رسمياً عن عودته بعد)، وهو ما فهمه بعض المتابعين، خطأ، أنه تمهيد لإيجاد مخرج مناسب للرئيس، بالقول إن الأطباء نصحوه بالخلود إلى الراحة، الأمر الذي يجعله غير قادر على إكمال السباق الانتخابي. لكن كل تلك التخمينات سقطت، بعدما بعث الرئيس، قبل يومين فقط، إشارة أكيدة إلى نية الاستمرار في ترشحه، عندما قام بتنحية مدير حملته الانتخابية عبد المالك سلال، وعيّن بدلاً منه وزير النقل الحالي عبد الغني زعلان، وذلك مباشرة بعد تظاهرات الجمعة الأخيرة الحاشدة ضد بوتفليقة.
تنحية سلال جاءت بعد فضيحة تسريب تسجيل صوتي له مع رجل الأعمال النافذ علي حداد، يتحدث فيه عن إمكانية الاعتداء على المحتجين بشكل بدا ساخراً، لكنه استُقبل في جوّ الغضب الشعبي على أنه تهديد للحراك الشعبي السلمي. غير أن التضحية بسلال لم تنجح أبداً في كبح جماح المطلب الأساسي للجزائريين المتظاهرين، وهو سحب بوتفليقة لترشّحه، ما دفع محيط الرئيس إلى التفكير في إمكانية إقالة أحمد أويحيى، الوزير الأول الحالي، الذي أثار بدوره الاستفزاز عقب تصريحاته عن إمكانية تكرار النموذج السوري في الجزائر، عندما قال في البرلمان تعليقاً على التظاهرات: «أذكركم بأنه في سوريا بدأت أيضاً بالورود». وقابل المتظاهرون أويحيى بوابل من السباب في مسيرات الجمعة، مردّدين هتاف «الجزائر ليست سوريا»، ما يدفع إلى الاعتقاد بإقالة وشيكة للرجل، وإمكانية استبداله بعدد من الأسماء، أبرزها وزير الداخلية نور الدين بدوي، أو وزير الدولة المستشار لدى الرئيس رمطان لعمامرة، الذي يمتلك شبكة علاقات خارجية واسعة.

يُنظر إلى المؤسسة العسكرية في البلاد على أنها تقاسم الرئاسة القرار السياسي


وضمن السعي المتواصل إلى إخماد الغضب الشعبي، لجأ الرئيس المترشح إلى توجيه رسالة للجزائريين، دعا فيها إلى تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة تلي الرئاسيات المقررة في نيسان/ أبريل المقبل، في حال فوزه. وتعهّد بوتفليقة بعدم المشاركة في الانتخابات المبكرة، التي يفترض تنظيمها بعد «الندوة الوطنية» التي كان الرئيس أعلن أنه سيعقدها في رسالة ترشحه (10 شباط/ فبراير) للقيام بإصلاحات سياسية عميقة، تنتهي بتعديل جذري للدستور. كذلك، قدم بوتفليقة أهم تعهد ظلت تنادي به المعارضة لسنوات، وهو إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات، من أجل إنهاء عهد تزوير الانتخابات. كما تعهد بإنشاء نظام جديد يتيح التوزيع العادل للثروة، والقضاء على ظاهرة الهجرة السرية التي تعصف بالشباب الجزائري، وفي ذلك اعتراف صريح بفشله حكوماته المتعاقبة في الإصلاحات التي كان يروج بأنها نقلت الجزائر إلى عهد جديد، عندما كانت السلطة في موقف قوة.
يشير هذا المعطى الجديد إلى ورطة حقيقية وقع فيها بوتفليقة ومحيطه الضيق، بعدما استشعرا رفضاً مطلقاً في الشارع لاستمرار الرئيس، وهو ما يدفعهما إلى التفكير حتى في حلول تبدو غير منطقية؛ إذ في جو غياب الثقة الحالي بين الرئاسة والمواطنين، لا توجد أي ضمانات بإمكانها إقناع المحتجين فعلاً بتطليق الشارع بعد هذه التعهدات. كما يُظهر هذا الاقتراح، من جانب آخر، عدم توصل أصحاب القرار الحقيقيين (الجيش والرئاسة)، في هذه الفترة القصيرة، إلى أي بديل مقبول يمكن تسويقه بدل بوتفليقة، خصوصاً مع مداهمة الوقت لهم بانتهاء الآجال الدستورية للترشح، وهو ما يجعل خيار الاستمرار في ترشيح الرئيس الحالي حتمياً.
لكن ثمة مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن استمرار الضغط الشعبي قد يؤدي إلى تحقيق المزيد من التنازلات في الأيام المقبلة، على طريقة ما حدث مع نظامَي مصر وتونس، عندما كان الرئيسان حسني مبارك وزين العابدين بن علي، يحاولان تهدئة الشارع الرافض لبقائهما عبر قرارات بدت جريئة، ولكنها جاءت متأخرة بعد ارتفاع سقف المطالب. وهذا ما يُحيل إلى احتمالين: إما رفض كل ما يقترحه الرئيس حالياً ما دام ذلك لا يصل إلى مطلب رحيله، أو القبول بذلك مرحلياً ما دامت هذه التنازلات غير مسبوقة من الرئيس. وتبدو الجماهير الجزائرية، من خلال ما طوّرته من شعارات في الجمعة الثاني للاحتجاج، راغبة في مرحلة انتقالية تريد تغييراً جذرياً للنظام، بمعنى أنها واعية بأن رحيل بوتفليقة لا يمكنه أن يحل أزمة الجزائر، التي تعاني من تحكم العديد من المراكز في القرار، من دون أن يكون لهذه المراكز أي تخويل دستوري أو قانوني بامتلاك كل تلك الصلاحيات، وهذا ما يحيل رأساً إلى المؤسسة العسكرية في البلاد، المتهمة بمقاسمة الرئاسة القرار السياسي.
هذا ما يبدو أن المعارضة الجزائرية قد فهمته جيداً، فقرّر أبرز رموزها، على غرار رئيس الحكومة سابقاً علي بن فليس، ورئيس حركة «مجتمع السلم» الإسلامية عبد الرزاق مقري، وزعيمة حزب «العمال» المحسوب على اليسار لويزة حنون، الانسحاب من السباق الانتخابي في آخر لحظة، والانضمام بكل ثقلهم إلى حراك الشارع المطالب بالتغيير الحقيقي والجذري. وبذلك، توسعت دائرة المعارضة المقاطعة للانتخابات الرئاسية، بعدما قرر جزء منها اللجوء إلى هذا الخيار، حتى قبل أن ينطلق الحراك الشعبي. وتريد المعارضة، من خلال هذا الموقف، البحث عن معادلة ميزان القوى المختل بينها وبين السلطة، بما يمكّنها من فرض الإصلاحات الجذرية التي تنادي بها، خاصة في إصلاح النظام الانتخابي، وتحجيم صلاحيات رئيس الجمهورية الواسعة، وإبعاد المؤسسة العسكرية من القرار. لكن المرشح المفاجأة في هذه الرئاسيات، اللواء المتقاعد علي غديري، كان له رأي آخر، وقرّر مواصلة الانتخابات رغم الحراك الرافض لها. ونظر الكثيرون بعين الريبة إلى قرار غديري، واعتبروه متخندقاً في معسكر السلطة نفسه، من خلال محاولة إعطاء مصداقية لانتخاباتها. لكن الرجل يبدو مصمّماً، رغم كل الانتقادات التي تطاله، على الفوز، بالاعتماد على ما يراه دعماً شعبياً له. وهو تقدير يبدو لدى كثير من المتابعين مبالغاً فيه، خاصة بعد الظهور الإعلامي غير الموفق لهذا المرشح، الذي تم تسويقه من قبل على أنه يحظى بدعم جناح داخل الجيش.