كل شيء من الماضي هنا، لا جديد تحت الشمس ولا فوقها. الأرض ما زالت في مكانها، وهذا ما ورثه الفلسطينيون. يعرفون جيداً أين تقع، ويعرفون أنها أرضهم، وليست أرض أي أحد آخر. الاحتلال قائم، والصور معلقة على جدران بيوت موجودة فقط في الذاكرة. الذاكرة أرحب وأهدأ، وتتسع لبيوت أكثر حجماً مما هي عليه في الحقيقة. يكفي أن يضعوا المفاتيح في رؤوسهم وأن يديروها، لكي يتذكروا. لكنهم أكثر ثقة من أي وقت أنهم يعرفون هذه الأرض وأنها تعرفهم. في المقابل، وللطرافة، يعاني اللبنانيون الذين يتباهون بأنهم حرروا أرضهم مرتين، من كثرة المحرِِرين والأبطال والوطنيين ولاعبي الغولف الجدد والقدامى. ليسوا متأكدين من وجود الأرض في مكانها. يخشون أن يستغل أحد ما نومهم، ويأخذها من تحت أقدامهم، وقد يخبئها في المخيّمات، أو يهرّبها بطريقة غير شرعية. وقد يبيعها بسعر الجملة في سوق الأحد.

لم يعد هذا المزاح مسلياً. تارة يهجمون على السوريين وتارة أخرى على الفلسطينيين، و«بين الشوطين» يسلّطون قانون الكفالة المهين على العمال الآخرين. يستغلون أقل فرصة، لإهانة أي كان، بأكبر قدر ممكن. ينسون دائماً أن ينتبهوا إلى وجوههم وهم يطاردون كل آخر يخترعونه كل مرة. ومع الفلسطينيين بالذات المسألة ليست مسألة «قانون عمل». تاريخ طويل من التمييز والظلم والاهانة. أي شخص يحتاج إلى الحد الأدنى من الذكاء، ليعرف أن رب العمل وصاحبه هو الذي وضع القانون. والمسألة ليست مفردات دارجة. شعبوية، بوصلة، توطين، يسار ويمين، حرب أهلية، نازحون، إلخ. هذه كلمات تتكرر، مثل مؤتمر صحافي لوزير صار ثرياً فجأة، يحاور فيه صحافيون صاروا صحافيين فجأة بدورهم، فيصوبون نحوه مايكروفوناتهم على نحو يجعله يبدو هاماً، ويعجّل في ضرورة عودتهم إلى الحضانة. هذه كلمات مضطرون لسماعها كما لو أنها أغنية هابطة تنشدها حناجر ممزقة، في احتفال وطني، خلال مناسبة أهبط منها.
ليست مسألة قانون عمل. إنها مسألة مفردات وثقافات تمتد على تاريخ طويل، مقطوع من سياقه. اسمعوا جيداً: لبنان أولا. فلسطين هي البوصلة. ما تبيع أرضك. أوعا خيّك. أوعا البويا. ومفردات من كل الاتجاهات. مفردات مفردات، على وزن ساعات ساعات. لكن صوت الصبوحة وهو يقول «آلو بيروت»، يأتي بطعم مصري، من زمن يجمعنا بالفلسطينيين، وما زال قائماً. للانصاف لا ذنب للمنشدين ولا للمصفقين. هذه أشياء من الماضي. حتى أن الوزير ما بيده حيلة. استيقظ فوجد هذه الأفكار في رأسه. استيقظت قبله وذهبت معه في الحقيبة إلى المدرسة عندما كان صغيراً، قبل حقيبته عندما صار كبيراً. وصارت تكبر مثلما يكبر الورثة، ويظهرون حينما تحين أدوارهم. والأفكار ارث خفيف يسهل حمله ويحلو الحديث عنه.
تفضلوا إلى المخيّمات لمشاهدة التوطين عن قرب. لن تصدّقوا إذا عرفتم أن الفلسطينيين غير مكترثين لهذا كله. وهم يعلمون أن الزينكو ليس على الموضة. وأن السماء بدورها قد تشعر بالسأم من هذا كله، نيابة عنهم وباسمهم، وتقع على رؤوسهم. توطين مَن وأين. تعالوا نحكي معاً نكتة القرن، وندّعي معاً أنها مضحكة. تعالوا إلى المخيّمات وتفرجوا. التاريخ جالس على كرسي الرصيف، وخلفه على الحائط صور وذكريات. مواقف من الزمن وضدّه. الناس لديها كراماتها. يحرقون الاطارات؟ لعل اللبنانيين ينتبهون إلى الشبه بين إطاراتهم واطارات المخيّمات. وكيف أن النار لا تميّز بين إطار لبناني وإطار فلسطيني. البنزين نفسه والاشتعال نفسه والدخان المتصاعد نفسه. الجاهزون لاحراق أنفسهم مع الاطارات، هم أنفسهم أيضاً. العتمة في كل الاتجاهات، فوق جميع الرؤوس.
من هنا، خلف الجسر الذي يصل الضاحية بالحازمية، الذي يلتهم حصة المخيّم مما تبقى من الشمس، ويضعه في الأسفل مهملاً ومحاصراً، يمكنك أن تفهم جيداً معنى هضم الحقوق. ستجد عيونهم تبصر أرضاً بعيدة وسليبة، وأيديهم قصيرة حتى عن حقهم في العمل. ذلك رغم أن أعمارهم نضجت هنا واستوت. تفضلوا وشاهدوا كيف ينهب الفلسطينيون اقتصاد لبنان، ببيع الأحلام على الأرصفة، ورميها من نوافذ زنازين بيوتهم، حيث الطريق إلى آخر الطريق مقطوعة. الفلسطينيون يتحضرون ليوم آخر. يجهزون أنفسهم جيداً، لمعركة أخرى مع الوقت، مع الملل، مع نكتة التوطين، مع سجلات الأونروا، والكرتونة الزرقاء، ونظرات الريبة على الحواجز. إن كنتم تريدون ما تبقى من أعمار الفلسطينيين، تعالوا في المرة المقبلة.