بعد 11 شهراً ونصف شهر، قرّر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة التراجع عن قرار اتخذه في 14 كانون الثاني 2019، وقضى بإلغاء تسديد التحاويل النقدية الإلكترونية عبر المؤسسات غير المصرفية بالدولار وفرض تسديدها بالليرة حصراً. الفضيلة ليست ما دفع سلامة إلى التراجع عن قراره الخاطئ، بل جاء تحت وطأة ضرورة التراجع عن خطأ في الوقت القاتل. فقد تبيّن أن قيمة التحاويل التي تأتي إلى لبنان بالدولار بشكل أساسي، تراجعت كثيراً بما تقدّر قيمته بملياري دولار، فيما هناك حاجة ملحّة لكل دولار جديد يدخل إلى لبنان بعد انخفاض قيمة الليرة ونشوء سوق صرف موازية بلغ فيها سعر الدولار الواحد أكثر من ألفي ليرة.


(هيثم الموسوي)

جاء هذا التراجع أمس عبر إصدار سلامة تعميماً ألغى تعميمه السابق الصادر في 14 كانون الثاني 2019. ينصّ التعميم الأحدث على الآتي: «على المؤسسات غير المصرفية كافة التي تقوم بعمليات التحاويل النقدية بالوسائل الإلكترونية أن تسدِّدَ قيمة أيّ تحويل نقدي إلكتروني وارد اليها من الخارج بذات عملة التحويل، على أن يُعمَلَ بهذا القرار اعتباراً من 8 كانون الثاني 2020».
وكان التعميم السابق قد نصّ على الآتي: «على المؤسسات غير المصرفية كافة التي تقوم بعمليات التحاويل النقدية بالوسائل الإلكترونية أن تسدّد قيمة التحاويل النقدية الإلكترونية الواردة اليها من الخارج بالليرة اللبنانية حصراً».
وبحسب الخبير الاقتصادي شربل قرداحي، فإن كل التحويلات من الخارج، بما فيها التحويلات الإلكترونية عبر مؤسسات غير مصرفية، قد تراجعت من 7.2 مليارات دولار في عام 2018 إلى 5.2 مليارات دولار في 2019، ويتوقع أن تتقلّص إلى 2.8 مليار دولار في عام 2020.
والمعروف أن نسبة مهمّة من التحويلات الخارجية التي يرسلها المهاجرون إلى أقاربهم ومعارفهم في لبنان تمرّ عبر شركات مثل «ماني غرام»، «ويسترن يونيون»، وOMT، نظراً الى سهولة الإجراءات وسرعة التحويل والكلفة الأدنى من الكلفة التي تفرضها المصارف.
مشكلة الخطوة التي تراجع عنها سلامة أنها أتت في إطار سياسات نقدية خاطئة أدّت إلى زيادة في معدلات الدولرة، بعدما عمد المهاجرون إلى التوقّف أو التخفيف من عمليات التحويل، وتشجيع أهاليهم على استعمال المدّخرات الصغيرة بالليرة في المصارف بدلاً من الحصول على التحويلات بالدولار، وادّخار جزء منها بالليرة اللبنانية في المصارف. لذا أدّت هذه الخطوة إلى عكس ما كان يرمي إليه سلامة من محاولة مصادرة الدولارات، إذ لوحظ انخفاض قيمة التحويلات التي كانت تأتي إلى لبنان بالدولارات الطازجة التي تمثّل مصدر الغذاء الأساسي لاحتياطيات مصرف لبنان.
ويشار إلى أن التحويلات عبر المؤسسات غير المصرفية، تأتي من اللبنانيين العاملين في الخارج، الذين يرسلون حوالات مالية دورية لإعالة أسرهم في لبنان أو مساعدتها. وهم يلجأون إلى خدمات الشركات المذكورة، لأنها أقل كلفة من كلفة التحويل المصرفي. فعلى سبيل المثال، إن التحويل من الإمارات العربية المتحدة إلى لبنان عبر «ويسترن يونيون» يكلّف 7 دولارات ضمن سقف للتحويل محدّد بقيمة 7500 دولار لكل عملية، فيما كلفة التحويل المصرفي تزيد على 25 دولاراً لكل عملية.