يكتب عمرو حمزاوي، كما يقول، من موقع الخصومة مع الحكم الراهن في مصر. وهي خصومة، فرضها النظام عليه، برفضه التعبير الحرّ، وإغلاقه الفضاء العام، وتورّطه في انتهاكات حقوق الإنسان، وتعقبه للمجتمع المدني المستقل، وإلغائه للمضامين الديموقراطية للسياسة من حيث هي نشاط تعدّدي يقيم المساواة بين الناس أمام القانون ويحقّق التداول السلمي للحكم والتوازن بين المؤسّسات التشريعية والتنفيذية والقضائية. منذ البداية، تبدو هواجس الباحث واضحة. وهذا يبدو منطقياً طالما أنه يبحث عن «الطبائع السلطوية» الجديدة. لكن العنوان يدلّ إلى شيئين. الأول هو وجود طبائع سلطوية «قديمة». والثاني هو إمكان رصد فوارق في تحولات هذه الطبائع. هذا النوع من التمييز الذي يحق للقارئ افتراضه لا يظهر في الكتاب إلّا نادراً.



مع ذلك، يستخدم حمزاوي التمييز واستعارة التمثيلات ببراعة. في أحد أمثلته، يعود إلى الحالة التشيلية لتحديد العلاقة بين شكل النظام السلطوي، وبين الاقتصاد. يتذكّر: «بعد استفتاء 1988، بدأت تشيلي تحولاً ديموقراطياً». الاسترسال في أوهام الديموقراطية عندما تكون غلافاً لسياسات السوق ليس مشجعاً، خاصةً في ظلّ الاحتجاجات الرهيبة أخيراً في تشيلي. لكن ما يمكن موافقة حمزاوي عليه، هو أن التصويت على استفتاء بينوشيه، الذي دعا إليه آنذاك، هو الذي أنهى حقبة العسكر في البلاد، وأخرج المؤسّسة العسكرية من السياسة بعد إخراجها من الحكم. ما يمكن الموافقة عليه أيضاً، أنّ دعم الغرب لتشيلي في ظلّ حكم بينوشيه لم يتراجع على نحو مؤّثر، وأنّ الحكومة العسكرية حقّقت معدلات نموّ اقتصادي مرتفعة، رغم أن الدعوات من الداخل إلى احترام حقوق الإنسان هي التي أنهكت النظام. المفارقة أنّ الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية للجنرال في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، هي التي ساعدت على نجاح التجربة الديموقراطية واستقرارها السريع. يميّز حمزاوي بين الحالتَين المصرية والتشيلية، لكن التمييز قائم في الأساس. وهو ليس تمييزاً في درجة الطبائع السلطوية، بقدر ما هو تمييز في النوع نفسه.
في البحث عن عدّة السلطوية الحاكمة في مصر وممارستها، يعود حمزاوي إلى أفكار آنا أرندت، وما آل إليه البحث في هذه الأفكار. ويمكن الاستنتاج أن النموذج الذي يتحدّث عنه حمزاوي ليس النظام الشمولي الذي تتحدث عنه أرندت، بل النظام غير الديموقراطي، الذي يمارس القمع وقصّ الحقوق، ويعمل لصياغة وعي عام بدرجات متفاوتة من الفاعلية والكفاءة. هذا النظام هو الأقرب إلى الحالة المصرية حسب حمزاوي، إذ تسيطر عليه نخب عسكرية لا تعدم الحلفاء المدنيين، أو نخب مدنية تعتمد على المؤسّسات الأمنية وأدوات أخرى كالمؤسسات الدينية والأحزاب السياسية والأجهزة الإعلامية لإخضاع المواطن وضبط المجتمع والهيمنة. وهذا تصوّر لا يخصّ أرندت، بقدر ما يلاقي نظرية غرامشي عن الهيمنة وأدواتها. لكن حمزاوي يسرف في العودة إلى المرجعيات الليبرالية دائماً. وهذا لا يلغي أن هذه العودة ممكنة أحياناً: «تصطنع السلطوية الحاكمة من خلال توظيف أداة تشويه الوعي الجمعي مواطناً تحرّكه نوازع الانتقام من معارضي الحاكم الفرد ونخبته، مواطناً ينتج مع غيره فولكلور التشفي الشعبي المستمتع تارةً بأنباء الاعتقالات والحبس والتحفظ على الممتلكات والمنع من السفر والإدراج على قوائم الإرهابيين والمتعطش تارةً أخرى لشائعات زائفة تشوّه المعارضين السلميين والمدافعين عن الحقوق والحريات». اللافت أن حمزاوي يعرف جيداً قدرة السُلطة على استلاب أدوات خطابه نفسها، خاصة في تطويع الدستور والقانون. باستثناءات قليلة، يهدر سلطويو القرن الحادي والعشرين القيم الأساسية لحكم القانون، وهم يدعون أنّهم يحترمون سيادته، ويقضون على معاني العدل والمساواة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع بتمرير قوانين وتعديلات قانونية ظالمة وتمييزية.
نظام يعتمد على المؤسّسات الأمنية والدينية والإعلام لإخضاع المواطن


في فصل كامل بعنوان «الحراك المجتمعي الجديد أو مقاومة السلطوية بعيداً عن السياسة الرسمية»، يتابع حمزاوي دعواته الليبرالية إلى ديموقراطية هاجسها الأساسي هو صورة عن الحرّية، أكثر من الحرّية نفسها، ومستقلّة عن الدور الأساسي للطبقة المسحوقة في إحداث أي تغيير جدي. فهو يركّز دائماً على المواطنين الذين خرجوا إلى الفضاء العام اعتراضاً على عنف الأجهزة الأمنية، ولكنّه لا يبحث من أين خرج هؤلاء الناس، وإن كانت مصالحهم مشتركة فعلاً في اللحظة الاعتراضية، أم أن الحرّية هي ذريعة استعادة الفضاء العام. يعرف الباحث المصري أن «الحراك المجتمعي الجديد» - وهذه تسمية قد تبدو ملتبسة لبلد خرج لتوّه من ثورة – لم يستطع زعزعة عروش الجنرالات الحاكمين بعد، إلا أنه «يخلق الفرصة الأوسع لمنازعة السلطوية واستعادة شيء من الحرية في الفضاء العام، وشيء من التعدّدية السياسية في أجواء قمع غير مسبوقة». الملاحظة الأولى التي تلفت النظر هي الإشارة إلى الطابع العسكري للحكام، أو إلى عسكرة النظام، عبر استخدام مصطلح «الجنرالات» للدلالة على آليات الحكم. ملاحظة على أهميتها تبدو مألوفة، بالمقارنة مع ضرورة إكمال تفكيك «المجال العام»، الذي يتحدث عنه حمزاوي، بالمعنى الذي يقصده هابرماس غالباً. المجال العام هو المكان الذي يمكنه استيعاب السجال والتفاهم في مسائل المصلحة العامة. وإن كان المجال العام واضحاً، فإنّ تحديد المصلحة العامة لا يتم وفق كليشيهات دائماً.
خلاصة عمل حمزاوي تتلخّص في تحديده للدولة القوية والعادلة: احتكار الاستخدام المشروع للقوة الجبرية لتمكين الناس من الحياة. لكن سرعان ما يطرح سيلاً من تعريفات لا تخلو من الرطانة: واجب الدولة تحفيز المجتمع المدني والقطاع الخاص على إنجازهما ودفع البلاد إلى الأمام. فإن كان التضييق على المجتمع المدني يتّخذ سمة الشمولية التي يجب نبذها، فإن دعم القطاع الخاص ليس منفصلاً أبداً عن مشاريع «السلطوية»، وعن أهدافها. وبعيداً عن الحالة المصرية، هناك نماذج أوضح بكثير، ربما، لتحديد أثر هيمنة القطاع الخاص، خاصةً عندما يكون «مطيّة» للاستبداد.