يقول المثل عندنا: «ع الوعد يا كمّون».

وثمة أصل فصيح لهذا المثل يعود إلى العصر العباسي على الأقل. لكن لعله أقدم من ذلك، كما قد تشير بعض الدلائل. وهناك عدة صيغ للمثل في المصادر العربية: أماني الكمون، مواعيد الكمون، وأخلف من شرب الكمون. ولا يعرف بدقة لم تورّط الكمّون في المواعيد. لكن الشائع أن الكمون يوعد بالسقي ولا يسقى. تقول صيغة المثل العراقية: «أواعدك بالوعد، واسقيك يا كمون». أي أنني سأعدك وأفي بوعدي. أما في الشعر العربي، فقد كان وعد الكمون بالسقيا شهيراً جداً:
«سقيتموني كؤوس المطْل مترعة
حتـى الثمالة والـسكـران عـربـيد
لا تـتـركـونـي ككـمـون بمزرعة
إن خانه الغيث أحيته المـواعيد».
وقال بشار بن برد عن حمّاد:
«إذا جـئتـه يومـاً أحال إلى غـد
كما يوعد الكمون ما ليس يصدق».

«كن كيِّساً وكريماً وكليماً وكتوماً» للفنان السوري منير الشعراني

ويقدم الشيخ القرني تفسيراً غريباً حول الكمون ووعوده. وحسبه، فإن الكمون يسقى بالوعود، وينمو ويخضر عليها: «العرب تتلذذ بالوعود إذا ضمنت ولو تأخرت. ولذا كانوا يسقون الكمون بالوعود. يقولون: غداً نسقيك وبعد غد نكفيك. فزعموا أنه يخضر وينمو يربو على المواعيد» (الشيخ علي بن عبد الخالق القرني ــــ «عرف العبير في تواضع البشير النذير»). بذا، فالوعود التي تُخلف أمر طيب بالنسبة للكمون. بل إن به شهوة للوعود المخلفة. وهذا ما يؤيده بيت الشعر الشهير بشكل ما ربما:
«فأصبحتُ كالكَمُّون ماتت عروقه 
وأغصانه مما يمنّونه خضر»
كما يؤيده البيت الذي أوردناه أعلاه أيضاً: «إن خانه الغيث أحيته المـواعـيد».
فالأمنيات والوعود تحفظ خضرة الكمون حتى بعد موت جذوره. أما الصيغة العراقية للمثل، والتي ذكرناها أعلاه، فلا تؤيد هذا التفسير: فهناك وعد، وهناك سقي، أي التزام بالوعد.

الكمون والعصا
لكن هناك ما قد يشي بعدم صحة هذه التفاسير المضطربة والمتناقضة. أو ما قد يشير على الأقل إلى أن مسألة الكمون أكثر تعقيداً. فالبخيل عندنا يدعى «أبو كمّونة». فما الذي جعل الكمون يرتبط بالبخل؟ لقد كنا مع وعود السقي التي تُخلف، فما الذي نقلنا إلى بخل الكمون؟ فهل يكون الكمون قد ربط بالبخل لأنه هو الذي يعد ولا يفي بوعده؟ ربما. وإن كان الأمر كذلك، فالكمون طراز من عرقوب الشهير:
«كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً
وما مواعيدها إلا الأباطيل»
والحق أن هناك صيغة مغربية للمثل عرفتني بها صديقة على الفيسبوك تقول: «هذا خاصو يدّقْ ابْحال الكمون عاد يعطي الريحة. هذا كاموني». أي هذا الشخص مثله مثل الكمون ينبغي أن يدقّ، أي أن يضرب، كي يعطي رائحته الطيبة. عليه، يبدو أن الكمون يعد وعوده لكنه لا يفي بها إلا بالدقّ على رأسه.
يؤيد هذا ما جاء في «سفر أشعيا» في العهد القديم. ففي السفر، يتضح أن المشكلة عند الكمون في الحقيقة، وليست عند الآخرين. ذلك أن الكمون مع الشونيز من بين الحبوب كلها لا يدْرسان بالطريقة العادية. فأحدهما يخبط بالقضيب والآخر بالعصا: «الشونيز لا يدرس بالنورج، ولا تدار بكرة العجلة على الكمون، بل بالقضيب يخبط الشونيز، والكمون بالعصا» (أشعيا 28: 27). أما الشونيز فهو «الحبة السوداء» أو «القزحة» كما تسمى أيضاً، والتي يدعى أنها معجزة طبية. وكما نرى: فبكرة العجلة لا تدار على الكمون كي يدرس، بل تدار عليه العصا كي يخبط بها خبطاً. والعصا لمن عصا. فهل الكمون عاص لا يقدم ما هو مطلوب منه إلا بالضرب؟ يبدو أن الأمر كذلك بشكل ما. وهذا التفسير يتوافق مع فكرة البخل عن الكمون في صيغة المثل عندنا. فهو بخيل لا يقدم شيئاً إلا بالعصا في ما يبدو.
في «سفر أشعيا» في العهد القديم، يتضح أن المشكلة عند الكمون في الحقيقة، وليست عند الآخرين!


غير أن هذا ليس مؤكداً تماماً. إذ من المحتمل أن كلمة «الوعد» في المثل تعني التهديد والوعيد. ذلك أن الجذر (وعد) يعطي المعنيين، الوعد بالشر والوعد بالخير: «كلام العرب وعدْتُ الرجلَ خَيراً ووعدته شرّاً، وأَوْعَدْتُه خيراً وأَوعَدْتُه شرّاً، فإِذا لم يذكروا الشر قالوا: وعدته ولم يدخلوا أَلفاً، وإِذا لم يذكروا الشر قالوا: أَوعدته ولم يسقطوا الأَلف؛ وأَنشد لعامر بن الطفيل: وإِنّي، إِنْ أَوعَدْتُه، أَو وَعَدْتُه، لأُخْلِفُ إِيعادِي وأُنْجِزُ مَوْعِدِي وإِذا أَدخلوا الباء لم يكن إِلا في الشر، كقولك: أَوعَدُتُه بالضرب؛ وقال ابن الأَعرابي: أَوعَدْتُه خيراً، وهو نادر» (لسان العرب)
انطلاقاً من هذا الاحتمال، ربما يكون وعد الكمون في المثل وعيداً له وتهديداً بالضرب بالعصا إن لم يقدم ما هو مطلوب منه، كما في سفر أشعيا، وكما في صيغة المثل المغربية. بذا فالوعد في المثل «ع الوعد يا كمون» وعيد وليس وعداً. أي أنه تهديد للكمون البخيل بالضرب إذا لم يعط ما عنده.
لكن لو صح هذا فما علاقة السقي بالموضوع؟ ما علاقة الماء بهذا كله؟
ليس لدي إجابة على هذا. لكن لعل كلمة «السقي» هنا لا تعني الإرواء بالماء، بل تعني الاستغابة والطعن في الشخص: «يقال سَقَى زيدٌ عمراً وأَسْقاهُ إذا اغتابه غَيْبةً خبيثةً. الجوهري: أَسْقَيْته إذا عِبْته واغتبْته» (لسان العرب).
فهل تكون معنى النسخة العرقية للمثل: (أواعدك بالوعد، واسقيك يا كمون): أهددك بالضرب وأستعيبك وأستغيبك يا كمون؟ ربما.
وهكذا ينتهي لغز الكمون لدينا بربما. وهذا غاية ما لدي عنه. فمن كان يملك غير هذا فليفدنا، أفاده الله.
* شاعر فلسطيني