يحاول الإعلام الغربي أن يصوّر سياسات الصين التعاونية حول العالم، على أنها سياسات ذات أهداف شريرة. فيروّج لبروباغندا دبلوماسية "فخ الديون" الصينية، ويحاول إسقاط الفشل على الاستثمارات الصينية الخارجية.

في ما يلي استعراض لحقيقة أكثر المشاريع الصينية التمويل إثارة للجدل.

أين الفخّ في أنغولا؟
في ورقتها البحثية "نظرة نقدية على دبلوماسية فخ الديون الصينية"، تقيّم ديبرا براوتيغام الاستثمارات الصينية في أنغولا، مركّزة على ما سمّي "فضيحة" مدينة الأشباح. ففي عام 2010 وافقت أنغولا على قرض بقيمة 2.5 مليار دولار من بنك الصين للصناعة والتجارة في إطار صيغة "النفط مقابل البنى التحتية"، لبناء مجمع ”كاليمبا“ الذي يبعد 30 كيلومتراً من العاصمة لواندا ويشمل 750 مبنى سكنياً وعدداً كبيراً من المدارس والمحالّ التجارية. لكن إنجاز المشروع تأخّر بسبب تحدّيات أشار إليها كلّ من ديفيد بينازيراف وآنا الفيس، في ورقة بحثية أعدّت بعنوان "النفط مقابل المساكن: بلدات جديدة صينية الصنع“. بينازيراف والفيس فنّدا أسباب التأخير مشيرين إلى أن مشروع بناء المدينة ارتكز إلى نمط المدن الصينية المختلف عن التخطيط العمراني الأنغولي ما أدّى إلى تأخير في خدمات المياه والصرف الصحي. كذلك، تبيّن أن الشركة الأنغولية التي تدير المشروع، حدّدت أسعاراً مرتفعة للوحدات السكنية أعلى من قدرة الأنغوليين على تحمّلها، ولم تحلّ هذه المشكلة إلا بتدخّل من الدولة لخفض الأسعار وتقديم قروض سكنية ميسّرة لشراء المساكن في كاليمبا.


استغلّ الإعلام الغربي هذا التأخير ليشير إلى خلوّ المجمّع من الحياة، وأسبغ عليه وصف”مدينة الأشباح“ الممتدّة على مساحة هائلة من المباني والبنى التحتية الخالية من البشر. أما الحقيقة فكانت مغايرة تماماً. ففيما كان الإعلام الغربي يتداول قصّة "مدينة الأشباح“، كان السكن في المدينة قد بدأ بالفعل. وقد تبيّن لاحقاً، أن هذا المشروع هو واحد من مشاريع عدّة ناجحة نفّذتها الشركات الصينية في أنغولا تحت الصيغة نفسها. رغم ذلك، لم تحاول وسائل الإعلام الغربية تعديل روايتها عن المدينة، بل أبقت صورة "مدينة الأشباح" هي السائدة في محاولة لتنميط الاستثمارات الصينية بوصفها خطيرة أو شريرة.

دوافع الاستثمار في سريلانكا
يعدّ مثال الاستثمار الصيني في سريلانكا الأكثر رواجاً في الإعلام الغربي عندما يشار إلى "فخ الديون" الصينية. فقد أعدّت صحيفة نيويورك تايمز، تقريراً يشير إلى أن الصين "أجبرت سريلانكا على تسليم أحد موانئها (مرفأ هامبانتوتا)". ظاهرياً، تعاملت وسائل الإعلام الغربية مع الخبر انطلاقاً من أن الصين دفعت لسريلانكا المثقلة بالديون 1.12 مليار دولار لاستثمار هذا الميناء الواقع في جنوب سريلانكا، لمدة 99 عاماً. لكن هل تمثّل هذه الرواية الحقيقة الكاملة؟ في الواقع، لا يمكن فصل هذه الحقيقة عن السياق التاريخي للحدث. فالسبب الكامن وراء رغبة الصين في الاستثمار بتمويل وبناء وشراء الموانئ يعود إلى عام 1978 حين بدأت بالإصلاحات الاقتصادية. بين عامي 1980 و2000 بنت الصين 184 ميناء يربطها بمحيطها وفق خطط تنمية صناعية وسكنية محلّية. وهذا النموذج معروف الآن باسم "ميناء - منطقة صناعية – مدينة". ولأن مردود الموانئ المالي متواضع قياساً على رأس المال المستثمَر، فقد أعطت الصين الأولوية للمشاريع المشتركة مع مموّلين أجانب للاستفادة من رؤوس أموالهم ومن خبراتهم. ومنذ ذلك الحين استقبلت الموانئ الصينية أعداداً ضخمة من المستثمرين الأجانب. وهذا القطاع يشهد اليوم تركزاً في الشركات الكبيرة، فعلى سبيل المثال، تخدم شركة مايرسك الهولندية نحو 343 ميناء في 121 دولة، ولديها بنى تحتية في 73 ميناء. وبما أن الصين هي أكبر مصدّر في العالم وثاني أكبر مستورد، فمن الطبيعي أن تسعى شركات الموانئ والشحن الصينية للاستثمار في الخارج بالمنهج نفسه الذي يسير عليه القطاع عالمياً، إذ أن الصين اشتركت في بناء أو تشغيل 116 ميناء في 62 دولة.
هذا في ما يخص دوافع الصين للاستثمار في هذا القطاع. أما بالنسبة إلى حالة ميناء هامبانتوتا في سريلانكا، فإن المشروع يعدّ جزءاً من خطط تطوير سريلانكا لعدة عقود، بحسب براوتغام. ففي عام 2002 عرضت شركة French Port Autonome de Marseille تقديم دراسة جدوى له. وبعد انتهاء الحرب الأهلية السريلانكية عام 2005 وانتخاب ماهيندا راجاباسكا رئيساً لحكومة البلاد، وهو ابن بلدة هامبانتوتا، انطلقت الخطط لجعل هامبانتوتا مركزاً تجارياً في المحيط الهندي ومركزاً للخدمات والاستثمارات. إثر هذه الخطط أُعدّت دراسات جدوى من قبل شركة هولندية واستطاعت شركة China Harbour Engineering Company (عملت على إعادة إعمار ميناء الصيادين في البلدة بعد تسونامي ضربها عام 2004) أن تحصل في عام 2007، على عقد بناء أول مرحلة من ميناء هامبانتوتا. يومها مُوّل المشروع بقرض بقيمة 307 ملايين دولار من قبل China EXIMbank بمعدل فائدة 6.3%. وفي عام 2010 حصلت الشركة نفسها على عقد المرحلة الثانية، بتمويل ميسّر من المصرف نفسه بمعدل فائدة 2%.
وعند انتهاء العمل بالمشروع، تسلّمت هيئة الموانئ في سريلانكا الميناء وبدأت بتشغيله، إلا أنها فشلت في ذلك لأسباب مختلفة منها الاقتتال السياسي الداخلي الذي أوقف خدمات مثل تزويد السفن بالوقود. ففي عام 2012 زارته فقط 34 باخرة، ورغم أن عدد البواخر التي رست فيه ارتفع إلى 281 في عام 2016، إلا أن هذا التطوّر لم يكن مجدياً في ظل عدم وجود مخطط حكومي واضح لتشغيله وتطوير نشاطه. بالإضافة إلى ذلك، كان راجاباسكا قد خسر في الانتخابات في عام 2015. ومع نهاية عام 2016 كان الدين الخارجي السريلانكي قد وصل إلى 46.4 مليار دولار، أي 57% من الناتج المحلي، علماً بأن 10% من هذا الدين كان مملوكاً للصين. كل هذا أدّى إلى قرار الحكومة خصخصة ميناء هامبانتوتا واستعمال الأموال الناتجة عن هذه العملية لسداد دين السندات السيادية وليس الدين الصيني (الفائدة على الدين الصيني كانت أقل من تلك على دين السندات السيادية).
الصين لم تستغلّ ديونها على فنزويلا للاستيلاء على مقدّرات البلد


تلقّت الحكومة السريلانكية عروضاً عدّة لاستثمار ميناء هامبانتوتا، من بينها واحد من الشركة التي شيّدته، وآخر من شركة صينية أخرى (CM Port)، فاختارت الحكومة السريلانكية الشركة الأخيرة بمبلغ 1.12 مليار دولار.
في الواقع، لم تقم الشركة الصينية (CHEC) بدور استشاري ولم تكن هي من قامت بدراسة الجدوى، وكان دورها مقتصراً على التمويل والتنفيذ فقط، ما يشير بوضوح إلى أن ادّعاءات الإعلام الغربي عن مصيدة الديون الصينية هو بروباغندا فقط.

أوهام غربية في فنزويلا
في أحد مقالاته بعنوان "الصين، فنزويلا، ووهم دبلوماسية فخ الديون الصينية"، يقول مات فيرشن، وهو باحث في مركز كارنيغي- تسينغوا للسياسات العالمية مختص بالشأن الصيني، إن الحالة الفنزويلية تأتي بعكس كل ما يروج له عن دبلوماسية "فخ الديون" الصينية.
فنزويلا هي أكبر مدين للصين بديون تبلغ 60 مليار دولار منذ عام 2007. الصين أقرضت فنزويلا المال مقابل توريد النفط على المدى الطويل. عملياً، كان القرض يُسدّد بشحنات النفط. نظرياً، هذه الصيغة فيها مصلحة للطرفين، كون فنزويلا لديها أكبر احتياطي نفط في العالم والصين أكبر مستهلك عالمي للنفط. غير أنه بعد انخفاض سعر برميل النفط إلى النصف في عام 2014 (بعدما وصل إلى 100$ للبرميل)، وبعد العقوبات التي فُرضت على البنك المركزي الفنزويلي وشركت النفط الفنزويلية (التي كانت تشكل 90% من دخل الدولة)، تراجع إنتاج النفط الفنزويلي إلى أدنى مستوى منذ 16 عاماً. ولم تعد فنزويلا قادرة على تسديد ديونها للصين بتوريد النفط، إلا أن هذه الأخيرة لم تستغلّ الموقف، بل أعطت فنزويلا فترة سماح لمدة سنتين، واستمرّت بشراء النفط خلال هذه الفترة.
وبعد انقضاء فترة السماح، تبيّن أن فنزويلا غير قادرة على تسديد ديونها للصين أو لروسيا أيضاً. لكن الصين لم تذهب في اتجاه ”الاستيلاء“ على الأصول الفنزويلية كما يصوّر الإعلام الغربي. بل على العكس، تثبت هذه الحالة أن نوايا الصين كانت استثمارية، حتى إنه ليس لديها الأدوات لاستعادة أموالها من الدولة المدينة.
من الطبيعي أن تكون هناك أهداف استراتيجية واستثمارية في خطوات من هذا النوع، إلا أن المكسب الذي قد تحققه الصين من أي استثمار لا يعني بالضرورة خسارة للطرف المقابل. فمن وجهة نظر الصين، إن حزمات التحفيز الاقتصادي التي تقدمها للبلدان تهدف إلى خلق مواقف يكون فيها ربح للطرفين، فضلاً عن أن نوعية الاستثمارات في كل بلد تصبّ دائماً في مجال الربح الاقتصادي سواء كان النفط (الذي تستعمله في صناعاتها) أو في مجالات النقل من قطارات وموانئ (التي تستعملها في نقل صناعاتها).
هنا تجب الإشارة إلى نتائج بحث أغاثا كراتز، الن فنغ، ولوغان رايت في مقالة بعنوان: "أرقام جديدة بما يخصّ فخ الديون". فمن خلال دراسة 3000 حالة إقراض صيني خارجي تقريباً، لم يجدوا إلا حالة سريلانكا (والتي شرحنا تفاصيلها والمغالطات فيها) كان من الممكن أن تستعمل خدمةً لنظرية (بروباغندا) دبلوماسية "فخ الديون" الصينية.