كان اهتمامي الأساسي في بحث الدكتوراه فهم الأعمال التي تقوم بها النساء بهدف إدرار الدخل، فتبنّيت إطاراً فكرياً لا يركّز على الطبقة من منحى اقتصادي مرتبط برأس المال وحسب، بل يشمل مفاهيم مرتبطة بما يُسمّى رأس المال الثقافي الذي يترجم بأسلوب الحياة والمستوى التعليمي والنشاطات الاقتصادية والحالة الاجتماعية. ومع ذلك، لا يزال هناك نقص في التنظير حول الطبقية بشكليها الاقتصادي والثقافي في الدراسات بالدول الناطقة بالعربية، وهناك عقبات عديدة تواجه دراسة الطبقية، منها ما يتعلّق بالوصول إلى التمويل والأبحاث، ما يجعل النقاشات حول هذه المفاهيم غير مُتاحة إلّا من خلال المؤسّسات الأكاديمية الغربية.

تفسّر تجارب النساء عادة من خلال نظام اضطهاد واحد، وكأنهن مجموعة متجانسة تتأثّر بالنظام الأبوي بطرق متشابهة. لاحظت خلال بحثي أن الدراسات التي تقوم بها المؤسّسات الأكاديمية والجمعيات غير الحكومية حول أنشطة النساء الاقتصادية في البلدان الناطقة بالعربية، لا تأخذ بالاعتبار الفروقات الطبقية بين النساء، وغالباً تتغاضى عن رأس المال الثقافي للطبقة. يشرح ديفين وسافاج (2000) أن «تداخل الاقتصادي بالثقافي يمكن أن يشكّل طريقة ناجعة للبحث. فالطبقية واللامساواة بأشكالها المختلفة تتضمّن الجانبين الاقتصادي والثقافي، وعلينا إعادة الجانب الاقتصادي إلى تحليل الطبقية، من دون أن يتبنّى الاقتصادي بمعناه الضيّق، وإنّما ليشمل تصرّفات ذات معاني ثقافية».
لنفهم تقاطعية الطبقة والجندر، من المهمّ دراسة الأبعاد المختلفة للطبقة، لأن الأدوار الجندرية مرتبطة بالعلاقات الطبقية. بمعنى آخر، تختلف الأدوار الجندرية المتوقّعة من النساء والأشخاص غير المعياريين/ات من طبقة إلى أخرى، ولذلك يختلف النظام الأبوي نفسه ويتأثّر بالبعدين الثقافي والاقتصادي للجندر.
خلال بحث الدكتوراه، أجريت مقابلة مع شخص لا معياري يعرّف عن نفسه بأنه منتمٍ إلى الطبقة الوسطى العليا في الأردن. يقول: «أشعر أن عائلتي تخنقني لأنهم يفرضون عليّ الالتزام بمعاييرهم التي يعتبرونها مناسبة ومحترمة»، فيما تقول امرأة تعرّف عن نفسها بأنها تنتمي إلى الخلفية الطبقية نفسها: «لا تسمح لي عائلتي بالعمل في وظيفة ذات مستوى متدنٍ لأن اسم العائلة معروف في الأردن».
من هنا، يتبيّن أن الموقع الطبقي ينتج تجارب جندرية مختلفة للنساء والأشخاص غير المعياريين/ات. وبالتالي، يسهم فهم الأبعاد المختلفة للطبقة في اكتشاف كيفية تقاطع الأبوية مع الطبقة وتأثيرها على الأدوار الجندرية. ما سبق يحاكي نظرية سكيغس التي توضح أهمية الطبقة الاجتماعية والثقافية عوضاً عن التركيز على دراسة الطبقة الاقتصادية وحدها، إذ «تعرّف الطبقة على أنها ملكية ثقافية ما ينعكس بالممارسات، وهو لا يساعدنا في فهم الناس لقيمتهم الرمزية وحسب، وإنّما في فهم كيف أصبحت تصرّفاتهم وثقافتهم ذات قيمة (أو من دون قيمة) لدى الآخرين».
في بحثها حول النساء البيضاوات المنتميات إلى الطبقة العاملة في إنكلترا، تستكشف سكيغس (1997) معنى أن يكون الشخص امرأة منتمية إلى الطبقة العاملة. تبنّت سكيغس مقاربة بورديو للطبقة، إذ تراها كرأس مال اقتصادي وثقافي، وتستخدمها لتوضح تقاطعية الطبقة والجندر، وتشرح معاناة نساء الطبقة العاملة البيضاوات ليحظين ببعض الاحترام. بمعنى آخر، لا تتأثّر التعابير المرتبطة بالطبقة بالبعد الاقتصادي للطبقة فقط بل بالبعد الثقافي أيضاً. على سبيل المثال، تقول إحدى النساء اللواتي أجريت معهن مقابلات وتعرّف عن نفسها بأنها من خلفية اقتصادية فقيرة: «أعمل في تنظيف المكاتب، ولكن أولادي لا يعلمون بذلك. أحاول أن أخفي عملي. لا أريد أن يذلّهم أو يهينهم أحد، لأن عملي لا يعتبر محترماً أو مشرّفاً».
يتجسّد التقسيم والفروقات الطبقية «من خلال القوّة والدخل والثروة والمسؤولية وفرص الحياة المتاحة وأسلوب ونوعية الحياة، وكل ما يشكّل تركيبة الوجود» (ميليباند، 1989). لكن «لا يجب أن تحتسب الطبقة من خلال تصنيف الناس وفق وظائفهم وثرواتهم أو دخلهم المادي» (كرومبتون، 2008)، بل عليها «فهم الآليات التي تنتج الفروقات الطبقية» (سافاج وآخرون، 2005). النظر إلى الطبقة من منظار رأس المال الاقتصادي ليس كافياً، لأنه لا يفسّر «دور الثقافة في تشكيل الطبقات المختلفة» (سافاج وآخرون، 2005). يعرّف لانغستون (1995) الطبقة من خلال الثقافة، فهي «فهمك للعالم وموقعك فيه. وتتشكّل من الأفكار والتصرّفات والمواقف السلوكية والقيم واللغة. الطبقة هي كيفية تفكيرك وإحساسك وتصرّفك ولبسك وكلامك وحركاتك وطريقة مشيك. الطبقة هي المتاجر التي تتسوّق/ين بها، والمطاعم التي تتناول/ين طعامك فيها، والمدارس التي ترتادها/ينها. الطبقة هي الوظائف التي ستعمل/ين فيها خلال حياتك».

تُفسَّر تجارب النساء عادةً من خلال نظام اضطهاد واحد، وكأنهنّ مجموعة متجانسة تتأثّر بالنظام الأبوي بطرق متشابهة


إضافة إلى الاعتبارات السابقة المتعلّقة بالطبقة، من المهمّ إثبات كيف تتموضع النساء والأشخاص غير المعياريين/ات في طبقة مختلفة ضمن هيكل العائلة نفسها. يجب أن نفهم العائلة والأسر كـ«موقع صراع»، فهناك نعيش تجاربنا الأولى حول عدم المساواة في إنتاج الموارد وتوزيعها وحول حدوث النزاعات. تحاجج أفشار (1985) أن العائلة هي المكان الذي تتضح فيه تبعية النساء، وتضيف أن «الأمهات والبنات والأخوات والزوجات عرضة لهيمنة الاقتصاد الأخلاقي للقرابة الذي يسيطر عليهن وعلى أعمالهن».
من هذا المنظور، تفهم العلاقات الجندرية من إنتاج وإنجاب ضمن الأسرة وخارجها، حيث تتقاطع الرأسمالية والأبوية وتؤثّر على تجاربنا الجندرية (هارتمان، 1981). لذا، من المهمّ الإقرار بأن الأبوية تصنع فروقات طبقية ضمن الأسر نفسها. فعند البحث في الطبقة والجندر وتقاطعيتهما، من المهمّ تعريف الأبوية من منظور نسوي ماركسي على أنها «مجموعة علاقات اجتماعية ذات قاعدة مادية تتضمّن علاقات تراتبية بين الرجال وتضامناً بينهم، تسمح لهم بالسيطرة على النساء. الأساس المادي للأبوية هو سيطرة الرجال على عمل النساء، والمحافظة على تلك السيطرة من خلال إقصائهن عن الوصول الى الموارد الاقتصادية الضرورية وتقييد جنسانياتهن» (كوبيرن، 1985، كما نقلت في فيزاكلي، 1988)
تستثني هذه الأبوية أيضاً بعض الأشخاص غير المعياريين/ات من الوصول إلى الموارد الاقتصادية وتقيّد جنسانيتهم/ن. خلال أكثر من مقابلة مع نساء وأشخاص غير معياريين/ات من دول ناطقة بالعربية، عبّر العديد منهم/ن عن أنهم/ن تعرّضوا/ن للتهديد والعقاب من قبل عائلاتهم/ن، ولا سيّما لناحية وصولهم/ن إلى الموارد الاقتصادية المتوافرة للعائلة ووضع قيود على جنسانياتهم/ن. يعتبر حرمان النساء والأشخاص غير المعياريين/ات من الميراث والمصروف والوصول إلى موارد اقتصادية، من الممارسات التمييزية التي تضغط عليهم/ن للخضوع للتوقّعات الجندرية الطبقية والأدوار المحدّدة ولتقييد جنسانيتهم/ن. على سبيل المثال، تقول امرأة تعرّف عن نفسها بأنها لا معيارية «توقف أبي عن إعطائي مصروفي لأني قرّرت الخروج من المنزل والعيش مع امرأة». ويقول رجل يعرّف عن نفسه بأنّه لا معياري «عندما وجدت عائلتي صوراً لي مع شريكي قرّروا حرماني من الميراث، إلّا إذا تزوّجت امرأة».
تعتبر العائلات النووية، المتمحورة حول مفاهيم معيارية الغيرية الجنسية، الحيز الذي يحصل فيه الإنتاج والإنجاب والاستهلاك بين جهات اجتماعية مختلفة. وهي المساحة التي تؤخذ فيها القرارات المتعلّقة بتقسيم العمل وتوزيع الموارد بين الأفراد. وتخدم العائلة النووية التسلسلات الهرمية الجندرية والجنسية التي تؤدّي إلى التستُر وقمع المصالح والرغبات المتضاربة للحفاظ على معايير مظاهر «الاحترام الاجتماعي» خارج المنزل. على الرغم من احتلال النساء واللامعياريين/ات لطبقات مختلفة عن باقي أفراد عائلاتهم/ن، وعدم تمتّعهم/ن بالقدرة نفسها على الوصول إلى الموارد المتاحة لأفراد عائلاتهم/ن، إلّا أن هذا العقاب الاقتصادي لا يعفي النساء واللامعياريين/ات من التوقّعات المنوطة بهم/ن مثل الالتزام بمفاهيم «الاحترام الاجتماعي» خارج المنزل.
إن تصوير الطبقة من خلال أبعادها المادية فقط لا يفسّر حقيقة أن تجارب النساء والأشخاص اللامعياريين/ات مختلفة ضمن الهياكل الطبقية نفسها. فعندما تختلف الأبعاد المادية الطبقية للنساء واللامعياريين/ات من خلال الوصول إلى دخل أو موارد اقتصادية أعلى خارج الأسرة لا يؤدّي ذلك إلى تغيير في الأيديولوجيات الجندرية التي تدعم السيطرة عليهم/ن وإخضاعهم/ن وكأنهم/ن من طبقة أدنى (كبير، 1997). تحاجج باشو (1988) في دراستها للنساء السيخ في بريطانيا أن وصول النساء للمال يحسّن وضعهن ضمن أسرهن ويعطيهن الفرصة لأن يتصرّفن بحرّية بدخلهن. تضيف دراسات أخرى أن الأعمال التي تعود على النساء بالدخل المادي تعطيهن القوّة لاتخاذ القرارات ضمن الأسر (آلن وولكويتز، 1987)، لكن على الرغم من توصّل الباحثين والباحثات إلى أن المال والدخل يعطيان النساء قوّة نسبية ضمن الأسر، إلّا أن دراسات أخرى اعتبرت أن الأيديولوجيات حول الأدوار الجندرية عصيّة على التغيير، وأن الأيدولوجيات الأبوية تبقى مسيطرة حتى مع الاختلاف الطبقي المادي (كبير، 1997). ترى فولغير (2005) أن المال يلعب دوراً مهمّاً في تشكيل العلاقات داخل الأسر وتوزّع القوة بين أفرادها، ولو أنه يبقى محكوماً بالأيديولوجيات الجندرية الأبوية، ما يشكّل ضغطاً على النساء واللامعياريين/ات للقيام بأدوار قامعة وظالمة لهم/ن.
تفتح هذه المقالة النقاش حول الطبقة والجندر وتقاطعيتهما في الدول الناطقة بالعربية وكيفية صقلهما حياة الناس. فمن غير الممكن إنتاج معرفة عن النساء واللامعياريين/ات من دون الاعتراف بعدم إمكانية فصل الرأسمالية والأبوية، وبالتالي التعامل معهما على أنهما جزء من أنظمة الظلم التي تصوغ تجارب النساء والأشخاص غير المعياريين/ات. لقد تمّ التركيز على العلاقات الجندرية والطبقية داخل الأسر، إلّا أنه ينبغي توسيع مفاهيم الطبقية إلى خارج الأسر، خصوصاً أن تقاطعية الطبقة والجندر قد تتجلّى بشكل مختلف ضمن النطاق العام. وبالتالي على أي نقاش حول الطبقية أن يأخذ في الاعتبار الدوائر المختلفة التي يحتلّها الأشخاص غير المعياريين/ات وخصوصيتهم/ن، للتمكّن من توسيع فهمنا للمعيارية بما يتعدّى الجندر والجنس، وليشمل الهياكل الطبقية القامعة.

* ينشر بالتعاون مع كُحْل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر

* باحثة اجتماعية فلسطينية نسوية