الإقرار بأن فاتورة الخلوي هي من الأعلى في العالم ليس بالأمر الجديد، فهو واقع معروف وموثّق في تقارير عدّة، من ضمنها دراسة أعدّها وزير الاتصالات السابق شربل نحّاس في عام 2010 تبيّن أن ثلثي فاتورة الخلوي التي يُسدّدها المشترك هي ضرائب ومكوّنات شبه ضريبية. بالإضافة إلى دراسة صادرة عن جمعيّة حماية المستهلك في عام 2014 تبيّن أن أسعار خدمات الخلوي في لبنان تزيد بما لا يقلّ عن 3 مرّات عمّا هي عليه في فرنسا، على الرغم من التفاوت في نوعية الخدمات.

لكن اللافت في تقرير لجنة الاتصالات هو الإشارة الواضحة إلى أن الإيرادات المُرتفعة التي تحصّلها شركتا تشغيل الخلوي من المشتركين، لا يتمّ تحويلها إلى الخزينة كما تفترض «سياسة أسعار الخلوي المرتفعة» التي وضعتها الدولة اللبنانية لتغذية الخزينة العامّة بإيرادات سهلة ومضمونة، بل يجرى إنفاقها من قِبَل الشركتين المشغّلتين وبموافقة وزير الاتصالات بطريقة غير مُبرّرة وفاقعة على المحسوبيات والزبائنية والامتيازات.
يتكوّن سعر خدمة الخلوي في لبنان من مكوّنين أساسيين وهما: 1) السعر التجاري الذي تندرج ضمنه النفقات التشغيلية والرأسمالية وربحية الشركتين المُشغّلتين، علماً أنه من الأغلى في العالم نتيجة الطبيعة الاحتكارية في قطاع الخلوي فضلاً عن الهدر والإنفاق غير المجدي، و2) سعر ضريبي وشبه ضريبي تفرضه الدولة لتغذية الخزينة العامّة، قد يكون استثنائياً ولا مثيل له إلّا في البلدان المتخلّفة تكنولوجياً، نظراً لتأثيراته السلبية على تطوّر الاقتصاد والاستثمار في تكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية.


تبيّن البيانات الواردة من شركتي تشغيل الخلوي بأن النفقات الرأسمالية ارتفعت بنسبة 332% بين عامي 2010 و2018، من 45.6 مليون دولار إلى 197.3 مليون دولار. ووفقاً لبيانات منظّمة GSMA، تعدّ هذه النفقات من الأعلى في العالم، إذ تزيد نحو الضعف بالمقارنة مع البلدان الأوروبية، وبلغت 198 مليون دولار في عام 2018 في مقابل 97 مليون دولار كمتوسّط للنفقات الرأسمالية لدى 7 مشغّلي خلوي في أوروبا. أمّا وفقاً للمقارنة التي أجرتها اللجنة النيابية بعد تعديل متوسّط الإيرادات المحصّلة من كلّ مشترك في لبنان (32 دولاراً شهرياً لدى تاتش و24.8 دولار لدى ألفا) إلى ما هو عليه في الأردن (6.5 دولار شهرياً)، وبافتراض أن النفقات الرأسمالية تشكّل 14% من الإيرادات وفقاً لمعايير عالمية استندت إليها الشركتان المشغّلتان لتبرير مصروفها العالي، فيتبيّن أنها أعلى بنحو 166 مليون دولار، وهي ليست إلّا إيرادات إضافية تُحصّل من المشتركين ويفترض تحويلها إلى الخزينة العامّة، إلّا أنها تُنفق بحجّة تطوير التكنولوجيات المُستعملة والخدمات المقدّمة، والتي تبقى نوعيتها أدنى من الأردن.
أمّا لناحية النفقات التشغيلية، فيتبيّن أنها ارتفعت بنسبة 90% بين عامي 2010 و2018، من 243.5 مليون دولار إلى 463.5 مليون دولار. وقد أنفق أبرزها على رواتب الموظّفين التي ارتفعت من 38 مليون دولار إلى 97 مليون دولار أي بزيادة بنسبة 155%، الدعاية والرعاية التي ارتفعت من 4.9 مليون دولار إلى 37 مليون دولار أي بزيادة بنسبة 655%، إيجارات المكاتب والمحطّات التي ارتفعت من 19.7 مليون دولار إلى 41 مليون دولار أي بزيادة بنسبة 108%، وصيانة الشبكات التي ارتفعت من 12.6 مليون دولار إلى 22.9 مليون دولار أي بزيادة بنسبة 82%.
إلى ذلك، تبيّن المقارنة التي أجرتها اللجنة النيابية بعد تعديل متوسّط الإيرادات المُحصّلة من كلّ مشترك في لبنان إلى ما هو عليه في الأردن، أن الفاتورة المحصّلة في لبنان تزيد بأكثر من 1.187 مليار دولار عمّا لو كانت الأسعار مشابهة لما هي عليه في الأردن. وفيما يفترض أن تستفيد الخزينة من هذه الإيرادات، على الرغم من كلّ أضرارها المترتبة على الاقتصاد، نجدها تراجعت في الواقع، إذ انخفضت من 1.1 مليار دولار إلى 893 مليون دولار بين عامي 2010 و2018، أي بنحو 20.7%، على الرغم من أن الإيرادات المُحصّلة من المشتركين ارتفعت بنسبة 9.7% خلال الفترة نفسها من 1.416 مليار دولار إلى 1.554 مليار دولار، ويعود ذلك إلى تضخّم النفقات التي ارتفعت من 289 مليون دولار في عام 2010 إلى 660 مليون دولار في عام 2018، أي بزيادة بنسبة 128%. وبما أن فاتورة الخلوي مقوّمة بالدولار، وهو إرث حصلت عليه الدولة اللبنانية من شركتي «سيليس» و«ليبانسيل» اللتين كانتا تحصّلان فواتيرهما بالدولار كضمانة لحماية مصالحهما خوفاً من تقلّبات سعر الصرف في تسعينيات القرن الماضي، وحافظت عليه الدولة بعد فسخ العقود مع الشركتين في عام 2001، فإن ذلك يلقي أعباءً إضافية على الدولة والاقتصاد في ظلّ الأزمة القائمة والنزف المستمرّ في العملات الصعبة، إذ بدلاً من أن يكون قطاع الخلوي مصدراً للدولار يغذّي الخزينة العامّة، تحوّل إلى مصدر للمّ الدولارات من الناس تستحوذ عليه قلّة من المستفيدين، في حين تضطر الدولة إلى رفع معدّلات الفائدة لاستقطاب العملات الأجنبية من الخارج، والتي تحتاجها لتثبيت سعر الصرف وتأمين احتياجاتها بالعملات الصعبة، وهي (أي الفائدة المرتفعة) الداء الذي يقتل الاقتصاد برمّته!