لا أدري إن كان يسعني أن أستخدم كلمة «استيقظت» أو «أفقت» لتوصيف حركة نهوضي الآلية من سريري صبيحة يوم السبت ذاك، قبل أيام قليلة من إعلان تنحي حسني مبارك. كنت متأكّداً من أنّ قدميّ هما اللتان تقودانني كالعادة إلى المرحاض. وهما أيضاً اللتان قادتاني إلى المطبخ حيث، كالعادة، فتحت حنفية الماء وملأت كأساً وشربتها كما في كل يوم. صببت أيضاً ماءً في الركوة ووضعتها، كالعادة، على النار. ثم وضعت ظرف الشاي الرقيق الغلاف في الفنجان. بقي رأسي ثقيلاً. سكبت الماء المغلي في الفنجان وحرّكت الظرف. أشعلت سيجارة ورحت أرتشف الشاي.


وبقي رأسي ثقيلاً.
مرّت دقائق طويلة وأنا أجهد نفسي ساعياً إلى التحقُّق من حصول الاستفاقة. شعرت بأنّني أناضل بقوى ضئيلة ومخنوقة من أجل مجرد الاستفاقة. وشعرت أيضاً بأن ثمة عواءً خافتاً في داخلي. ليس عواءً عادياً بل بالمقلوب كما نقول عن الصوت الذي يصدره كلب يتعرّض للضرب من ناس أليفين.
أعرف أنّ هناك أناساً يسرنمون أو يروبصون. لم أعرف طوال حياتي كلها لا «السرنمة» ولا «الروبصة». أما «الكوبسة»، فبلى. ماذا عساي رأيت في نومي؟ وأيّ كابوس استبدّ بي كي أكون على هذه الحال؟ هذا ما رحت أقوله لنفسي وأنا أستجمع قوتي ساعياً إلى أن أتذكر شيئاً مما رأيته، لا بدّ، في نومي. ثم رأيتها. السيارة، بالأحرى الحافلة البيضاء. حافلة بيضاء وبلا نوافذ، باستثناء نافذتي المقعد الأمامي. كانت أشبه بحافلات نقل الأموال إلى المصارف ومنها، اندفعت وسط مجموعات من المتظاهرين الماشين وسط جادة عريضة بعض الشيء، وأخذت تدهسهم، بل حتى تنعطف صوب تجمع العدد الأكبر منهم، لتدهسهم، هي تكمل طريقها بنفس السرعة.
النور الضئيل الذي يغمر المشهد يدل على حصول الدهس في مقتبل الليل أو آخر الغروب. وفجأةً لمحت عبارات من نوع «الخارجية الأميركية تؤكد عدم وجود دبلوماسيين أميركيين في الحافلة»، ثم عبارات أخرى تقول إن السفارة الأميركية تعلن سرقة سيارات من السفارة قبل يومين.عندما تفطنت إلى أن العبارات كانت تتوالى مرصوفة في شريط يجري أسفل شاشة، صرت أقول لنفسي إنني لا بد رأيت كل هذا على التلفزيون لا في نومي.
بقيت مسكوناً طوال ساعات بهذا، من دون أن أقطع نهائياً شك كابوس النوم بيقين كابوس اليقظة. وعندما تحدثت في المساء مع صديق عن ترجحي بينهما، أخبرني بأن هناك من يقول إن مشهد الدهس مركّب وملفّق. لم أقتنع بذلك. بعد تنحي حسني مبارك بيومين أو ثلاثة، قرأت خبراً مفاده أن أهالي حي قريب من مبنى وزارة الداخلية المصرية، رأوا أمام المبنى المذكور حافلات وسيارات غريبة من طراز الحافلة «الدبلوماسية» البيضاء. قد تكون هذه السيارات سُرقت لهدف يتعدى فعل دهس المحتجين عمداً. فالغاية تبرر الوسيلة. ليس ذلك مستحيلاً إذاً. وهذا في حد ذاته، أي أن يكون مثل هذا الدهس ممكناً، يكاد يكفي للنوم بعيون مفتوحة أو ليقظة ثقيلة ومضنية.
* كاتب لبناني مقيم في باريس




تحت عنوان «كيفية إسقاط النظام الطائفي في لبنان» ينظّم «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» ندوة يشارك فيها الباحثان أحمد بعلبكي وأوغاريت يونان، والزميل بسام القنطار، والناشطة الصحافية نعمت بدر الدين. 6:00 مساء اليوم ــــــ قاعة المجلس (المزرعة ـــــ بيروت). للاستعلام: 01/703630