إنه شارع الحمرا أيام العز، حين كان ليله موصولاً بنهاره. حين كانت المقاهي المترامية على أرصفته من الـ«مودكا»، والـ«ويمبي»، إلى «كافيه دو باري»، و«هورس شو» وغيرها تعج بروادها من مثقفين وفنانين وكتّاب وشعراء، ينظمون شعراً «لعيون الحلوة البنت السمرا» ويتبادلون النقاشات الصاخبة أيام كانت العاصمة مختبر النهضة العربية. شاشات سينمائية كانت تضاء بأوجه عمر الشريف، وسعاد حسني، وصباح، من دون أن تخلو من كبار النجوم الهوليووديين، من سينما الـ«كولورادو»، إلى الـ «أمبير» و«سينما الحمرا».


تتحسّر إحدى السيدات البيروتيات ممن عايشن زمن «سينما الحمرا»: «كانت أحلى سينما... عملوها قهوة». هناك أيضاً، انتشرت الحانات في شارع المكحول، محتضنةً أولى تجارب موسيقى الجاز والبلوز في لبنان، من زياد الرحباني، إلى عبود السعدي وإدغار آحو... ما كانت الليلة لتنتهي قبل التعريج على «شي أندريه» لاحتساء آخر كأس، وتسجيلها على الحساب. إنّها أيام ولت، ولن تعود. ليس تشاؤماً، ولا يأساً، ولا تحسراً، بل لأنّ لكل حقبة ناسها الذين يصنعونها، وشارع الحمرا اليوم ليس إلا نتاج جيل اليوم.



أما جيل الأمس، فأصبح يردّد مع خالد الهبر ختام أغنيته «روح وحدك لا توديني ع شارع الحمرا».
فما الذي حصل؟ هي عوامل كثيرة، من سياسة «سوليدير»، التي أرادت أن يؤدي وسط بيروت دور الحمرا (طبعاً فشل لأسباب كثيرة)، وسياسات جمعيات تجّار الحمرا، وجشع الرأسمالية الذي أدى ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ بإحدى شركات بيع الألبسة إلى فتح ثلاثة فروع لها في الحمرا على أنقاض مقاهٍ مثلت جزءاً أساسياً من هوية الشارع كالـ «مودكا»، وموضة الحانات الجديدة التي تكتفي بـ «الديجينغ» بدلاً من الموسيقى الحية، والمجمعات السينمائية الحديثة التي ابتلعت السينمايات الكبيرة ذات الشاشة الواحدة... وطبعاً، عوامل أخرى، كانحسار الطبقة الوسطى، عصب الحياة الثقافية.



لكن دعونا نتوقف عند الوجه الثقافي لشارع الحمرا، ومنه إلى بيروت. منذ مدة، أغلق «مسرح بيروت» المجاور للحمرا، ليبقى «مسرح بابل» في شارع مارينيان فاتحاً أبوابه، و«مسرح المدينة» في «سنتر سارولا». الاثنان تطغى على برمجتهما الأمسيات الغنائية والمهرجانات دون الأعمال المسرحية التجريبية التي أصبحت نادرة. ولعلّ خشبة «مترو المدينة» هي الأكثر حيوية واختباراً. أما صالات السينما، فتحولت إلى محلات تجارية ضخمة، وظلّ الباقي مغلقاً، منتظراً المستثمر الأسخى.
لكن لمسرح قصر الـ «بيكاديللي»، قصة أخرى.

تاريخ المسرح الذي شيّده المهندس اللبناني وليم صيدناوي، ويتسع لحوالى 800 شخص، غني عن التعريف منذ افتتاحه عام ١٩٦٥، وحقب إغلاقه المتقطعة خلال الحرب الأهلية، ثم إعادة العمل به خلال التسعينيات حتى احتراقه عام ٢٠٠٠ وإغلاقه. من المؤكد أنّ الـ «بيكاديللي» أدى دوراً أساسياً في تنشيط الحياة الثقافية في شارع الحمرا، وفي جعله قبلة للوافدين من جميع أنحاء لبنان. على خشبته عرض الأخوان الرحباني مع فيروز مسرحياتهم على نحو ثابت ودوري: «هالة والملك» (١٩٦٧)، «جبال الصوان» (١٩٦٩)، «صح النوم» (١٩٧٠)، «يعيش يعيش» (١٩٧١)... وأخيراً «بترا» (١٩٧٨). كذلك، وقفت داليدا على خشبته وغنت لجمهور الـ «بيكاديلي» في أكثر من أربع حفلات (١٩٧١ـــ١٩٧٥)، وقدمت شيريهان عرضها «شارع محمد علي»، ومرّت «مدرسة المشاغبين» من هنا، من دون أن ننسى عروض الموسيقى الكلاسيكية، والفرق العالمية مثل «باليه البولشوي»، و«الكوميدي فرانسيز»، و«رويال باليه»، إضافةً إلى فترة التسعينيات التي استضافت ملحم بركات، وماجدة الرومي، والمسرحيات الأخيرة لزياد الرحباني، علماً أن المسرح كان يستعمل صالة سينما أيضاً، شهدت أول عرض لـ Doctor Zhivago في بيروت، وأفلام يوسف شاهين، وهنري بركات... إضافة إلى الأفلام التجارية.
روايات كثيرة من جيل عايش وعمل في المسرح تتلى على مسمع من سبقته تلك الحقبة. عن جمهور يأبى دخول المسرح إلا بالـ «سموكينغ»، وموظفات الـ «بيكاديللي» الإناث فقط دون الرجال، ويوم انقطعت الكهرباء وسط عرض رحباني، فانفردت فيروز بالغناء، ورافقها عاصي عزفاً على البزق على ضوء الشموع، وكيف اتخذ أبو عمار من المسرح ملجأً له... روايات لم تضع حداً لها سوى شهب النار التي ابتلعت المسرح مع ثريته الفخمة. كيف احترق، ومن سرق محتوياته، من كريستال، وتحف، وخصوصاً البورتريه الكبير الشهير لفيروز ؟ لا أحد يعلم، وليس بالمهم. فهو اليوم ــ بما تبقى منه ــ مغلق يتآكله العفن.
لكن محمود ماميش، أحد الذين توالوا على إدارة المسرح في أولى فترات عمله، تمكّن عام ٢٠٠٩ من إعادة إحياء الحديث عن الـ «بيكاديللي» من دون ترجمة الكلام أو النيات إلى واقع. أعلن ماميش عن قراره بإعادة تأهيل المسرح، وافتتاحه، لكنّ تعقيدات كثيرة حالت دون ذلك، ليخطفه الموت منذ سنة ونصف سنة تقريباً قبل أن يرى ثريا الـ «بيكاديللي» مضاءة من جديد.
أما اليوم، فذاك العقار الذي كان يعود يوماً لبنك «إنترا» واستأجرته «شركة عيتاني» في الستينيات حتى احتراقه في الألفين، صار تابعاً لـ«المؤسسة الوطنية لضمان الودائع». النقطة الأبرز التي دفعتنا إلى كتابة هذا التحقيق اليوم، هي قرار المؤسسة بعدم عرض العقار للاستثمار سوى كمسرح وفق ما قال لـ «الأخبار» مدير مركز الـ «بيكاديللي» الحالي ميلاد حداد. «لقد قُدِّمت إلينا عروض كثيرة لتحويله إلى محالّ تجارية، وبأسعار مغرية، لكننا رفضنا». يوضح حداد أنّ أكبر عائق أمام إعادة افتتاح المسرح اليوم يكمن في كلفة إعادة تأهيله، التي تصل إلى مليون ونصف مليون دولار، من دون أن ينسى ذكر الوضع السياسي والأمني «الذي لا يشجع أحداً على الاستثمار في حقل الثقافة».
وسط السبات الأولي للدولة ووزارة الثقافة، هل يبرز يوماً ذلك المستثمر المؤمن بمستقبل أفضل لبيروت من بوابة فضاءاتها الثقافية؟ أم أنّ «المحطة» التي قدمتها فيروز على خشبة الـ «بيكاديللي» عام ١٩٧٣، هي نبوءة رحبانية تخبرنا بأنه لا قطار قادماً، فليصبر الـ «بيكاديللي» على حروقه، ما دام يأبى أن تمتلئ جدرانه بالثياب، والأدوات المنزلية، وجميع أنواع البضائع الاستهلاكية؟ أو ربما الأفضل أن نردد مع فيروز، من «المحطة» أيضاً «مهما تأخر جايي..» أكان من صلب المدينة أو من أطرافها التي تشهد ازدهار المؤسسات الثقافية.




«جرثومة» الثقافة

مع انحسار الفضاءات الثقافية في قلب بيروت، توزعت الحياة الثقافية على حدود المدينة. نلحظ أن منطقة الكرنتينا حتى حدود النهر وجسر الواطي، فشارع مار مخايل النهر، أصبحت تعج بالمراكز الثقافية، وصالات العرض، والمقاهي، والمكتبات: «صفير زملر»، و«وارنينغ هورس»، و«آرت فاكتوم»، و«مركز بيروت للفن»، وفضاء «أشغال داخلية»، و«رمانة»، ومقر جمعية نسوية، ومكتبات مثل «بايبر كاب»، و«بلان ب»، والمكتبة الإسبانية... والكثير من المقاهي والحانات ذات الهويات المتعددة والخاصة. من المؤكد أنّ أسعار العقارات التي ارتفعت أخيراً على نحو جنوني في شوارع المدينة الأساسية من رأس بيروت، ووسط البلد، حتى الأشرفية، أسهمت في دفع القيمين على تلك المراكز إلى البحث عن فضاءات على ضفاف المدينة بأسعار أرخص، لكن في ظل إغلاق فضاءات واسعة وعريقة في وسط المدينة كالـ «بيكاديللي»، تنمو على أطراف المدينة حياة ثقافية جديدة. هل بيروت فعلاً بصقت الثقافة من جوفها، فسقطت على أطرافها؟ في السابق، كانت منطقة الكرنتينا تحوي مستشفى الحجر الصحي الذي كان يحرص على عدم إدخال الجراثيم إلى المدينة التي يحتمل أن ينقلها معهم المسافرون، فهل تتحول اليوم إلى مصدر «جرثومة» الثقافة التي ما زالت المدينة تقاومها، وتفضل عليها الاستهلاك السريع؟ نقطة يجدر التوقف عندها لعلها تساعدنا على قراءة المستقبل الثقافي لبيروت، التي يفقد قلبها نبضاً فنياً وسط غرقه في الباطون والخدمات الاستهلاكية.