عادة، يستعجل الإعلام الغربي إدانة «الأعمال الإرهابية» في العواصم الغربية. لكن في دمشق، كان الوضع مختلفاً. على مدة سنة ونصف سنة، ظلّ الصحافيون يتعامون عن وجود طرف آخر مسلّح في النزاع، إلى أن أحرجتهم «جبهة النصرة».


في البدء سمّاها الإعلام الغربي ثورة؛ إذ كانت «مدنية، سلمية، شعبية توّاقة للحرية». أدواتها غرافيتي على الجدران، ورسوم كاريكاتورية، وهتافات تقول «سوريا بدّها حرية» و«الشعب يريد إسقاط النظام». هكذا، مع بداية الانتفاضة السورية المجهضة في آذار (مارس) عام 2011، نسخ الإعلام الغربي (الأميركي والفرنسي والبريطاني) ديكور تحركات «الربيع العربي» السابقة وأسقطه على الأحداث في سوريا. الكل هلّل لوصول «موجة التحركات الشعبية» إلى رقبة نظام بشار الأسد، والمحللين بدوا متفائلين بـ«سقوطه القريب». ومع منع النظام السوري دخول الصحافيين الأجانب إلى الأراضي السورية، باتت أشرطة يوتيوب المصدر الرئيسي للتقارير التلفزيونية عن الأحداث، فاعتمدتها معظم المحطات الغربية من دون أي تدقيق بمحتواها. وهنا وقعت أبرز وسائل الإعلام («سي إن إن»، «بي بي سي»، «رويترز»، «فرانس 24»...) في زلّات عديدة اضطرت إلى الاعتذار عنها في وقت لاحق. أما المعلومات الميدانية وأعداد الضحايا، فاستُقيت أيضاً من مصدر واحد مركزه لندن هو «المرصد السوري لحقوق الإنسان».
لكن بعد فترة قصيرة، بدأت تتكدّس أعداد القتلى في صفوف الجنود السوريين والمدنيين. استعرت المعارك في بعض البلدات وسقط القتلى في مجازر ارتكبها الطرفان. وفي تلك الفترة أيضاً، نجح عدد كبير من الصحافيين بالدخول خلسة إلى سوريا، وخصوصاً إلى المناطق الحدودية مع شمال لبنان وجنوب تركيا. لكن الصورة الإعلامية الغربية بقيت نفسها: «الشعب السوري يناضل سلمياً للتحرر من الطاغية وشبّيحة النظام يردّون عليهم بالقتل وبالدبابات».
تحرّك الإعلام الغربي السائد منذ بداية الأحداث السورية على وقع التصعيد السياسي الدولي. عندما لوّحت واشنطن مثلاً باتهام الأسد بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية»، بحث الإعلام الغربي علناً عما سمّاه «بنغازي سورية»، فأعلنوها مرّة في الزبداني، ومرّة في حمص ثم في دوما. لكن السيناريو السياسي الليبي لم يطبّق في أيٍّ من تلك المناطق، فتخلّت عنه وسائل الإعلام تلقائياً، واختفت مباشرة عبارة «بنغازي ثانية في سوريا» من العناوين الصحافية. حتى المصطلحات التي استخدمها معظم المراسلين الأجانب كانت تلك التي تطلقها المعارضة المسلحة. تقارير صحف «ذي نيويورك تايمز» و«ذي واشنطن بوست» و«ذي لوس أنجلس تايمز» ومجلة «تايم» الاميركية تبنّت مثلاً عبارة «المناطق المحررة» وتسمية «الشبيحة».
أما الإعلام الفرنسي، فكان بداية شبه غائب عن الميدان السوري. وعندما حضر، اكتفى بتقارير منقولة عن يوتيوب ومصدرها المعارضة السورية فقط. وعوضاً عن التغطية الميدانية، ركّزت «لو موند» و «ليبيراسيون» و«لو فيغارو» على إعطاء مساحات لكتّاب مقالات رأي من أبرز شخصيات المعارضة السورية الموجودين في أوروبا. وكأن لسان حال الإعلام الفرنسي يقول: هذه هي المعارضة السورية فقط، مثقفة ومدنية ومسالمة.
وفي أواخر عام 2011، «تجرّأ» عدد قليل جداً من الصحافيين الأميركيين والبريطانيين على نشر مقالات تتحدث عن إحصاءات تفيد بأن «أكثر من نصف الشعب السوري يؤيد الرئيس الأسد ويرفضون تنحّيه». لم تبرز تلك الأرقام في أي عنوان رئيسي طبعاً. بعد فترة، قررت الإدارة الأميركية التهويل بشأن خطر استخدام نظام الأسد الأسلحة الكيميائية. وهنا زُجّ اسم «حزب الله» كي يشمله التصعيد السياسي الدولي إلى جانب النظام السوري. وفي مشهد يشبه إلى حدّ بعيد ترويج الإعلام نفسه لغزو العراق عام 2003، هوّلت القنوات والصحف من «خطر كيميائي داهم يهدد المواطنين السوريين».
ثم جاءت تفجيرات دمشق وسلسلة العبوات المتنقلة. خرج النظام السوري حينها ليقول إن تلك الأعمال ليست سوى ترجمة لوجود «مجموعات إرهابية» في صفوف المتمردين. رفض الإعلام الغربي نظرية «الإرهابيين» فوراً وتبنّى موقف المعارضة الذي ينكر وجود «إرهابيين متطرفين»، موجّهاً أصابع الاتهام إلى النظام نفسه.
بقي الإعلام الغربي ينكر وجود «إرهابيين» و «مجموعات جهادية» تقاتل في المعارك السورية، ويصرّ على «سلمية» تحرّك المعارضة على مدى سنة ونصف سنة منذ انطلاق التحركات. وأخيراً، في صيف 2012 بدأت تنشر تحقيقات قليلة في الصحف البريطانية والأميركية ترصد «وجوداً ضئيلاً» لمجموعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» في بعض ميادين القتال. لكن في الأشهر الثلاثة الأخيرة، بات اسم «جبهة النصرة» الأكثر تداولاً في العناوين والتقارير المصوّرة الغربية عن أحوال سوريا.
فجأة، حلّت صور الجهاديين والأعلام السوداء مكان الغرافيتي والتظاهرات السلمية، على الشاشات وفي المجلات. باتت «القاعدة» هي التي تقود المعارك وترجّح الكفّة في الحرب الدائرة، حسب المحللين. وهنا وقع الصحافيون في حَيرة، فـ«سلمية» الثورة التي سوّقوا لها طوال سنة ونصف بات يمثّلها، في أحسن الأحوال، مسلحو «الجيش السوري الحر». والجبهات تعجّ بمقاتلي «جبهة النصرة» وغيرها من المجموعات المتطرفة.
فجأة، بتنا نقرأ في الصحف الأجنبية عناوين تقول: «لا تدعوا المتمردين السوريين ينتصرون» و«هل يستطيع الجيش الحر أن يلجم جبهة النصرة؟» و«تدفق الأسلحة للثوار قد يصبّ في مصلحة الجهاديين».