مبادرة جديدة في نبش الذاكرة الثقافية اللبنانية، أثمرت كتاب «اللحن الثائر» الذي يحفظ إنجازات وسيرة الأخوين محمد وأحمد فليفل الموسيقية. الضابطان اللذان أسسا «فرقة موسيقى الدرك» اللبنانية، و«فرقة الأفراح الوطنية» وأوّل فرقة سير (مارش) لبنانية، عاصرا الانتدابين العثماني والفرنسي، وشربا من ثقافة الاحتلال فظهرت ألحان لكلمات نادت بخروجه ومحاربته.


تستحضر سيرة الأخوين مساهمتهما في «حركة النهضة الموسيقية» في لبنان وتخصصهما في تأليف الأناشيد الوطنية والقومية مع الإضاءة على تأثير الأناشيد الحماسية في الجماهير العربية، في كل المحطات ومن جيل إلى آخر. مع كل استحقاق عربي، وذكرى ثورة أو عدوان، تخرج أناشيد كـ«موطني»، و«نحن الشباب لنا الغدُ»، على أثير الإذاعات ومن مكبّرات الصوت. لكن معظم من تصدح حناجرهم بهذه الأناشيد، لا يعلمون من كتبها ومن لحّنها وفي أي مناسبة.

تأثّرا بجدهما ديب صبرة
مؤذن الجامع العمري الكبير

في جزءين من كتابة الباحث محمد كريّم والعميد المتقاعد الدكتور جورج حرّو وإعداد باسل قاسم رئيس «جمعية عِرب»، وثّق الكتاب انطلاقة الأخوين ومشوارهما الموسيقي. ولدا في حي الأشرفية، وتلقيا علومهما الأولى في مدرسة المقاصد الأولى «دار النجاح»، والتحقا لاحقاً بدار المعلّمين التركية، حيث تعلّما العزف على بعض الآلات الموسيقية مع الفنان التركي يوسف أفندي. لكن الجلسات الموسيقية الأكثر تأثيراً كانت منزلية، وفي سنّ مبكرة، بحضور خالهما عبد الغني صبرة عازف العود، ووالدتهما ذات الصوت الحسن، وجدّهما، الشيخ ديب صبرة مؤذن الجامع العمري الكبير في بيروت، والبارع في العزف على الناي، بالإضافة إلى تأثير الزيارات المتكرّرة التي كان يقومان بها لجدهما الشيخ ديب للاستماع إلى الابتهالات والمدائح الدينية. في أجواء مختلفة لا تقلّ تأثيراً في حسّهما الموسيقي المبكر، لاحق الأخوان الفرقة الموسيقية العسكرية العثمانية، في شوارع العاصمة ومن حيّ الى آخر، ليستمتعا قدر المستطاع بالمعزوفات العسكرية التي غالباً ما تكون حماسيّة. وعلى عكس الرائج لدى أبناء العائلات البيروتية التقليدية آنذاك، اتجه الأخوان فليفل إلى احتراف الموسيقى، بتشجيع من الأهل.
بعد إتمام دراستهما، أسّسا فرقتهما الأولى عام 1923، من 26 موسيقياً لبنانياً حملت اسم «فرقة الأفراح الوطنية». وفي العام نفسه، بدأ مشوارهما مع تأليف الأناشيد، إذ شعرا بالضرورة لبثّ الروح الوطنية وتحضير الأجواء الثورية بعيد واقع التقسيم الجديد الذي فرضته على المنطقة آنذاك اتفاقيات الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. وكان أولّ ما لحّناه للشاعر مختار التنير: «سوريا يا ذات المجد والعزّة في ماضي العهد/ إن كنت لنا أهنى مهد فثُراكِ لنا أهنى لحد». مع الوقت، اكتسب الأخوان خبرة أكبر في تلحين الأناشيد القومية والوطنية وأصبحا معتمدين ومعروفين في هذا الإطار. لم يفوزا بمسابقة تأليف لحن النشيد اللبناني الأول بعد الاستقلال، لكنهما لحّنا أناشيد لفلسطين وسوريا ومصر وللعديد من المناسبات والأحزاب كـ«النجادة» و«الكتائب». لبّت هذه الأناشيد الحماسة التي كانت تصدح من بيروت... صدى العروبة في تلك الحقبة وانتقلت على الألسنة في العديد من المحطات ولا تزال حتى الآن.
عام 1958، مع إعلان الوحدة العربية، انبرى الأخوان لتلحين نشيد الجمهورية العربية. لم يقبل ابنا بيروت أن تصدّ مساهمتهما بحجّة أنّهما ليسا من مصر أو سوريا، فانضما الى وفد المقاصد الى مصر، والتقيا عبد الناصر وأسمعاه نشيدَي «راسخ عزمنا وطيد» و«لبيك عبد الناصر». بعد هذا اللقاء، أُذيع نشيد الأخوين فليفل يومياً على إذاعة «صوت العرب».