يكاد قضاء المنية ــــ الضنية يكون نسيج وحده بين أقضية لبنان. فبعد سنوات طويلة من الانتظار، وُلد القضاء مشوهاً قبل 18 عاماً، ومع بلوغه سنّ النضج، انطلق «إدارياً» انطلاقة متعثرة، ما طرح تساؤلات عن مستقبله. في 12 كانون الثاني الماضي، كان اليوم الأول الذي يداوم فيه موظفو المحاكم المدنية في منطقة الضنية في مبنى القائمقامية الجديدة، بعد انتقالهم إليها من شقة صغيرة مستأجرة، على أن تتبعهم معظم الدوائر والمؤسسات الحكومية، بعد تشرّد طويل بين شقة هنا، ومبنى آخر مستأجر هناك.


هذه «النقلة النوعية» تأخّرت عن موعدها نحو 16 عاماً، منذ إنشاء القضاء عام 1993، نتيجة خلافات أبقت القضاء مُعلقاً بلا آلية تنفيذية. فمنذ استقلال لبنان، كان القضاء ملحقاً بمدينة طرابلس، وكانت بلداته وقراه الـ 48 بمثابة حديقة خلفية لعاصمة الشمال، وامتداداً طبيعياً وسكانياً لها. وخلال الانتخابات النيابية الأولى التي تلت الاستقلال، كانت بلدات هذا القضاء وقراه تمثّل مع طرابلس دائرة انتخابية واحدة، قبل فصلها في الخمسينيات ليطلق عليها «دائرة قضاء طرابلس»، أو «قرى قضاء طرابلس»، فيما أبقي على المدينة اسم «دائرة طرابلس».
بقي القضاء ضائعاً بين استقلاليته الإدارية، وإلحاقه بطرابلس؛ إذ لا قائمقام يرعى شؤونه (حتى اليوم)، بل يخضع لسلطة محافظ الشمال مباشرة. وبعد انتهاء الحرب الأهلية، عاد الحديث عن فكرة إنشاء قضاء إداري مستقل عن طرابلس، وخصوصاً بعد انتخابات 1992.
في عام 1993 وُلد قضاء المنية ــــ الضنية رسمياً، لكن هذه الولادة أسهمت في تأزيم الأمور بدلاً من حلها، وأضافت مشاكل جديدة من دون أن تحل السابقة.
المشكلة الأولى شكلية وتتعلق بالاسم. فالقضاء كان يُعرف باسم الضنية ــــ المنية، وهما المنطقتان اللتان يضمهما جرداً وساحلاً، وكانت الضنية تتقدم على المنية ترتيباً، لكونها الأكبر مساحة (80 في المئة من مساحة القضاء) وسكاناً (نحو 62 في المئة). إخراج القضاء بهذا النحو أحدث شرخاً بين المنطقتين، أسهم فيه الخلل الذي تركته انتخابات 1992 النيابية؛ إذ منذ عام 1960 عندما رُفع تمثيل القضاء من نائب إلى اثنين، كان يُوزّع هذا التمثيل عُرفاً بين الساحل والجرد، باستثناء عام 1968 عندما فاز مرشحان من الجرد.
عشية انتخابات 1992 كانت التوقعات تشير إلى أن النائب الثالث الذي أضيف إلى القضاء سيكون من نصيب الضنية؛ لأنها الأكبر، لكن تدخلات سورية حينها أدّت إلى جعل المنية تتمثل بنائبين (صالح الخير ومحمود طبو) والضنية بنائب واحد (أسعد هرموش)، ما جعل الأرجحية لنائبي المنية في ولادة القضاء بهذا النحو.
ولحظ مرسوم إنشاء القضاء إشكالية أخرى، تمثلت في جعل مقره موزعاً مناصفة لمدة ستة أشهر بين بلدتي سير صيفاً، والمنية شتاءً! وإثر انتخابات 1996، ومع عودة توازن التمثيل النيابي إلى القضاء، بفوز جهاد الصمد وأحمد فتفت من الضنية، وصالح الخير من المنية، عاد النقاش في الموضوع، لكن تمسّك فتفت والخير بإبقاء مرسوم القضاء كما هو لأسباب انتخابية تتعلق بعدم رغبتهما في نقل مقر القائمقامية من مسقط رأسيهما، سير والمنية، طيّر اقتراح الصمد بالاستعاضة عن المقرّين بمقرّ واحد يتوسط القضاء جغرافياً (في عزقي أو كفرشلان أو كفرحبو).
في السنوات التالية، بقي النقاش بشأن القضاء الوليد والقائمقامية الجديدة يدور في حلقة مفرغة. فلا مرسوم إنشائه طبق، ولا الاعتراضات عليه أدّت إلى إدخال تعديلات على مضمونه، فيما بدأ تشييد مبنى للقائمقامية في محلة عرمان الواقعة بين بلدتي المنية ودير عمار في المنية، لكنه بقي شاغراً؛ لأن مبنى قائمقامية الضنية كان لا يزال على الورق، إذ إن بدء العمل في إحدى القائمقاميتين دون الأخرى لم يكن مقبولاً.
ولحلّ هذه المشكلة، تبرّع الرئيس سعد الحريري بقطعة أرض في بلدة سير مقراً لقائمقامية الضنية، ما أسهم في بدء تشييدها لاحقاً. هنا بدأت روائح المحسوبيات والفساد تظهر، ما فوّت على المنطقة فرصة تشييد مبنى عصري. فالمبنى شُيّد بطريقة لا تلتزم المواصفات المطلوبة. كذلك، بقيت مساحة من العقار بلا استثمار؛ لأنها تجاور فندقاً يملكه شخص مقرب من فتفت، كان يسعى إلى جعلها موقفاً للسيارات، ما جعل مساحة البناء تتقلص، فضاقت الغرف، و«زمّ» موقف السيارات التابع للمبنى بمقدار النصف تقريباً.
الجدل العقيم لم يتوقف هنا. فقد كان مستغرباً استخدام مقري القائمقامية، من دون تعيين قائمقام للقضاء، أو شرح آلية عمله صيفاً وشتاءً، أو كيفية نقل الملفات وقسم من الموظفين أو كلهم بين المركزين. يضاف إلى ذلك أن مواطني المنطقتين، اللتين لا تربطهما سوى طريق فرعية ضيقة مليئة بالحفر، سيتكبّدون للانتقال بينهما أعباءً ووقتاً إضافيين، بسبب بُعد المسافة.
هذا الوضع جعل معظم المراقبين يستنتجون أن أهالي الضنية والمنية أمام خيارين: إما القبول والتعايش مع قضاء أعرج وقائمقامية مُقسّمة؛ وإما أن يكون كل ما يحصل تمهيداً لتقسيم القضاء إدارياً، بعد سابقة فصله انتخابياً في دورة عام 2000، وهو ما يجري تطبيقه عملياً وسط صمت غالبية الفرقاء.