تونس | فجأة صار ما يسمى اليسار التونسي، في عيون منافسيه، «حبيب الجميع» وشريكاً في بناء الوطن. لا بل أكثر، صار «معارضة وطنية لم تهادن أبدا الديكتاتور» و«طرفا متصالحا مع هوية الشعب»، «حاملا لقضاياه». لم تكن لتسمع طيلة السنوات الثلاث الماضية مدحا وغزلا كهذين حيال «اليسار»، قبل تجمعه، أو حتى من بعد، في هيكل «الجبهة الشعبية". فـ «الشرذمة الراديكالية التخريبية» هي أوصاف نعتت بها قيادات في «الترويكا» الاحزاب ذات التوجهات اليسارية، لكنها أضحت اليوم محل اهتمام الجميع، الكل يطلب ودها بكل وسائل الترغيب والترهيب، أما هي فتتمنع وتفضل البقاء على الحياد.


لا شك أن ما حققه مكوّن «اليسار» في تونس خلال السنتين الأخيرتين يعد مثالا جديرا بالاهتمام والدراسة من الداخل. فتجربة توحيد فصائله ذات المشارب الايديولوجية المختلفة تعد تجربة فريدة في حد ذاتها، وتماسكها كذلك برغم تنبؤ المراقبين بأن التجربة هشة ولن تدوم طويلا.
كما أن المهم يتمثل بارتفاع رصيدها البرلماني (حصلت على 15 مقعدا في انتخابات 2014، فيما كان رصيد مكوناتها الممثلة في المجلس التأسيسي اثر انتخابات 2011، 7 مقاعد فقط) وبتعاطف التونسيين مع مرشحها في الانتخابات الرئاسية، حمة الهمامي، (ثالثاً بـ255529 صوتا). وخرجت «الجبهة الشعبية» برصيد شعبي وقاعدة انتخابية ذات أهمية، مما جعل كلا من قيادات «المؤتمر من أجل الجمهورية» (أسسه ويترأسه شرفياً المنصف المرزوقي) وقيادات حزب «نداء تونس»، تغازلها وتطلب ودها.
وتقف «الجبهة» أمام عدد من الخيارات. أن تساند مرشح «نداء تونس»، الباجي قائد السبسي، وهو حليف الأمس القريب في اطار ما عرف بـ «جبهة الانقاذ» التي تكونت ابان اغتيال محمد البراهمي (عضو مجلس أمناء الجبهة الشعبية) في 25 تموز 2013، بهدف إزاحة «الترويكا» من الحكم، وحُلت بعد استقالة حكومة «النهضة» بداية العام الحالي. وبذلك يضحي ممكنا أن تعاضد كتلة «النداء» في البرلمان وتكون ممثلة في حكومته. ويعرض عليها، في المقابل، خيار مساندة المنصف المرزوقي، الذي جمعته محطات نضالية مع قياداتها، زمن بن علي، لكن حينها، تكون قد اختارت البقاء في المعارضة طالما يشترط «نداء تونس»، الحزب الفائز في التشريعية، الذي سيتولى تأليف الحكومة المقبلة، مساندة مرشحه قائد السبسي في مقابل الانضمام للحكومة. أما الخيار الثالث، فهو البقاء على الحياد، وعدم دعم أي من المرشحين.
وتتواتر تصريحات المغازلة، والتذكير بالماضي النضالي الذي جمع قيادات «الجبهة» بقيادات «المؤتمر» ضمن «جبهة 18 أكتوبر» (جبهة تأسست عام 2005 وجمعت معارضي الرئيس الفار بن علي من علمانيين واسلاميين وحقوقيين). وعقب الانتهاء من عملية الاقتراع في الدورة الرئاسية الأولى، خاطب المرزوقي «القوى الديموقراطية»، متوجها بطريقة غير مباشرة للجبهة الشعبية، وقال «أتوجه الآن الى كل القوى الديموقراطية التي ناضلت معي وناضلت معها طيلة الثلاثين سنة الماضية من أجل دولة ديموقراطية حقيقية من أجل القطع مع الماضي. أطلب منها الآن أن تلتف حول مرشح... أنا أصبحت الآن مرشحها الطبيعي».
أما بشير النفزي، وهو القيادي في حملة المرزوقي، فقد كان مباشراً في خطابه، ونادى قواعد «الجبهة» بـ «الرفاق». وقال «إننا لم نحد يوما عن البوصلة ومعيارنا كان دائماً النضالية والثبات ضد منظومة 7 نوفمبر (منظومة نظام بن علي)، لذلك لم يتردد نواب من الترويكا في تزكية المترشح حمة الهمامي، فيما رفض تزكيته نواب نداء التجمع». وأضاف أنه عندما كان الإعلام يكيل التهم والإشاعات والأكاذيب ضد «الدكتور المرزوقي»، خرج حمة الهمامي لينزه الرجل ويفند الأكاذيب «وهذا معدن المناضلين».
وفي السياق، رأت قيادات «المؤتمر» أنه لو كان الأمر معكوساً ومرّ حمة الهمامي إلى الدور الثاني، بدلاً من المرزوقي، لاصطفت قواعد هذا الأخير الانتخابية خلفه ودعمته طالما يجمعهما مشترك ثابت وهو التصدي للمنظومة القديمة. كما لم تنفك تلك القيادات تذكّر بسنوات القمع والتعذيب والملاحقة التي طاولت «أبناء اليسار» طيلة فترة وجود قائد السبسي في وزارة الداخلية في ستينيات القرن الماضي.
أما «نداء تونس»، فسعى إلى استمالة «الجبهة الشعبية» وقياداتها، واستعمل في سبيل ذلك صفة «اليساري والنقابي» لمغازلتها، مستغلا جرح الجبهة «النازف» منذ اغتيال مؤسسها المناضل شكري بلعيد، ومن بعده النائب محمد البراهمي. وقيل آنذاك أن الترويكا الحاكمة ضالعة في عمليتي الاغتيال إما بالتخطيط أو التستر على القتلة، أو حتى التخاذل في حماية الزعيمين.
في هذا السياق، صرحت قيادية في «نداء تونس» تدعى بشرى بلحاج حميدة بأن «الجبهة» ستساند قائد السبسي، «لأن عددا من الأطراف ساندت المرزوقي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهي على علاقة باغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي»، وهو ما يتقاطع مع حديث قيادات أخرى من «نداء تونس» عن وجود قاسم مشترك بين الطرفين في «النمط المجتمعي» ومناهضتهما التطرف والعنف اللذين ارتكبتهما أطراف سجلت دعمها للمرزوقي كـ«رابطات حماية الثورة، وبعض مشايخ السلفية»، كما رمت لـ«الجبهة» طعم الترغيب في الالتحاق بالحكومة، وسربت معلومات عن إمكانية إسناد رئاسة مجلس نواب الشعب (البرلمان) لأحد نواب «الجبهة الشعبية».
في ظل ما سبق، يبدو أن «الجبهة» تريثت ولم تصدر موقفا رسميا لدعم أحد المرشحين، في وقت قررت أن تستمع فيه إلى آراء قواعدها، وجرى ذلك بعقد اجتماعات على مستوى التنسيقيات المحلية، لكن البوادر الواضحة أن الموقف لن يكون في مصلحة المرزوقي، وهذا ما يعبر عنه القيادي في «الجبهة»، عبد الناصر العويني، الذي أكد لـ«الأخبار» أنه «من غير الممكن دعم المرزوقي، لأنه متورط في العنف، وتقف وراءه جهات متورطة أيضا»، مستدركاً: «هذا الموقف لا يعني دعم قائد السبسي أيضا». وأضاف العويني أن «الجبهة تواصل تدارس الوضع، وهي قلقة من تنامي الاحتقان بين التونسيين جراء خطاب الاستقطاب».