يظهر اليمن ضعيفاً، مفتتاً، على حدود مملكة متسعة الأطراف، رابضة على منتصف الجزيرة العربية. في وقت، تساهم فيه سياسة السعودية في اليمن، منذ عقود، في إضعاف البلد القبلي ـ المسلح.

في الحقيقة، السعودية لا تفعل شيئاً سوى أنها تدفع المال لجماعات وأشخاص يدينون بالولاء لها، هي تنتهج هذا الأسلوب منذ عقود، وتترك الأمر للتناحر وللاغتيالات والحروب. وفي المقابل، لا تخطط، لا ترسم استراتيجيات، لا تؤثر في العمق، لا تبحث ملفات، ولا تناقش سياسات، إنها فقط «تدفع».

لذلك تعقّدت الأمور، واختلت موازينها، وفشلت مشاريعها الإقليمية وعلاقاتها، ومنها مشروعها السياسي في اليمن، ومبادرتها الخليجية ومؤتمر الحوار. فانهيار العملية السياسية في اليمن، يزيد القلق السعودي، من تصدير الأزمة، لكون أمن السعودية يرتبط مباشرةً بالبلد المجاور الذي تأثر، من وجود «القاعدة»، وحروب صعدة، وصعود طبقات سياسية جديدة، وانهيار مركز الدولة. كل ذلك جعل حدوها الجنوبية مصدراً لتدفق الإرهاب والمخدرات والمهاجرين والسلاح.
لذلك، يبدو أنه ليس للسعودية استراتيجية واضحة تجاه اليمن، ولا نفس طويل، هي تتعمد سياسة «النفس القصير»، وتعتقد أن شراء الولاء يعني هدوء الجبهة الجنوبية. هي لا ترى أن اليمن يمكنه تفجير مفاجآت في كل لحظة، تجعلها تضطر إلى أن تلتفت إلى الوراء كل مرة، حيث لم تؤمن ظهرها بعد.
كانت السعودية تعتقد أن الأمور في اليمن تسير إلى الأمام، بمجرد ضخّ مليارات، ورعاية مؤتمر فخم، ولكن هذا لم يحدث. لقد أضاعت الرياض فرصة الحصول على اليمن خارج المنافسة الدولية والإقليمية، وكان يمكنها الاستفادة من اليمن، أمام مواجهة كل هذه الضربات من حولها، الخليجية، والعربية والإقليمية، لكن السعودية تعمل من دون حلفاء، ومن دون شركاء في القرار، وإن كانت لم تؤمن ظهرها اليمني، فلا يمكنها الانطلاق بعيداً كدولة كبيرة.
فأهمية أن تكون دولة كبرى، هي قدرتك على أن تجعل الدول الأصغر منك حليفاً قوياً لك، فإضعافك لها، يهزّ موقعك. إذا اتخذنا من أميركا مثالاً في هذا السياق، هي لم تكن لتستطيع شنّ كل حروبها العالمية، من دون دعم الدول الأصغر. لذلك كان خطأ السعودية الأكبر، إضعافها للبلد الوحيد الذي كان يمكن أن يكون ظهرا آمناً لها، و حليفاً قوياً. ولا شكّ في أن إضعاف اليمن يُعجِّل نهاية السعودية.
الصراع الداخلي في اليمن وتقسيمه وعموم الفوضى فيه، لا يضمن مملكة مستقرة. دول الخليج تعي ذلك جيداً، وتعرف أن أمن الخليج القومي يبدأ من البوابة الجنوبية، أي من استقرار اليمن، لكن الخليج ترك الورقة اليمنية للسعودية، التي أنفقت ملايين من الريالات على المشروع السياسي من دون خطة واضحة.
فليس بالمال وحده تدار الدول، وخصوصاً إذا كان مالاً بلا عقل. كان يمكن للسعودية كسب جميع الأطراف، تحديداً بعدما وافق الجميع على الاشتراك في مؤتمر الحوار الذي ترعاه، وأولهم الحوثيون، لكنها أضاعت مصالحها السياسية، واهتمت بتقوية الأطراف التي تتبعها أيديولوجياً كالسلفيين، منتصرةً لتطرفها، وهذا لم يؤدِّ إلا إلى انفجار اليمن.

إفلاس السعودية سمح لإيران بالاقتراب

السعودية هي الراعي الأكبر في اليمن، أو كان يجدر بها أن تكون كذلك، من دون تدخّل الأمم المتحدة أو أميركا. هذا التدخل الاممي/الأميركي، يعني تدخلاً في أجندة السعودية وأمنها القومي. فكأن فكرة الأمن القومي حتى الآن مغيّبة من قبل الجانب السعودي والخليجي، لأنهم يؤدون دور الوسيط، لا الشريك، المبعوث الخليجي يتحدّث كسفير محبّ لليمن، لا كحليف مشارك في كلّ ما يحدث.
احتواء الحوثيين كان الخطوة الأولى التي لم تحدث، وبعدها بقية أطراف الصراع، لكن حتى علاقتها بحزب «الإصلاح» الإسلامي، تأثرت خلال الفترة الاخيرة، فهل كان على الرياض أن تصنف الإصلاح «جماعةً إرهابية» مثل الحوثيين بالنسبة إليها، بسبب قربه من حركة «الاخوان المسلمين»؟
ولماذا فضلت السعودية هذه الطريقة المعقدة في إدارة الصراع في اليمن، عبر إقصاء أطراف مهمّة في اللعبة اليمنية، وعدم التعامل معهم، ووصفهم بـ «الارهابيين»، في محاولة منها لفرض أنصارها من السلفيين وحدهم على الساحة السياسية.
هذه الأطراف الآن تصعّد وتوتّر الأمر في اليمن، من دون وجود وسيط محلي أو اقليمي يمكن أن توكَل إليه مهمة تهدئة الوضع، فقطع العلاقات ليس في مصلحة أحد. ومقابل كل هذا العبث السعودي هناك، يظهر المنافس الأكبر لها استراتيجياً، والأطول نفساً، والأقل دفعاً للأموال، الذي يظهر بقوة في المشهد اليمني، إيران.. اللاعب المؤثر في المشهد اليمني.
ويبدو أن طريقة إيران جعلت السعودية «مفلسة» في اليمن، فمن يشترِكَ اليوم بالمال يبِعْك غداً بالمال.
لذلك، ليس هناك ما يدعو إلى الدهشة في معرفة أن شيوخاً كباراً وأعيانا كانوا «رجال السعودية» في اليمن، يجرون منذ مدة مفاوضات سرية مع ايران، وأن تيار «الإخوان» في اليمن، مستعدٌّ لإقامة علاقات طيبة جداً مع البلد الإسلامي الذي يدير أموره بمنطق سياسي، لا أيديولوجياً أو مذهبياً.

إيران أهدرت المال السعودي في اليمن

في هذه الأزمة، خرجت إيران مناديةً بضبط النفس، لكنها لا تملك أي قرار في اليمن. فهي ليست من الدول العشر الراعية للمبادرة والانتقال السياسي، فالسعودية تعمّدت إقصاء إيران من المشاركة في خارطة الانتقال السياسي، مع أن الأخيرة أقرب إلى اليمن من أميركا، ومعروفٌ أن اليمن لن تقوم له قائمة إلا بعلاقات جيدة مع إيران والسعودية.
تصرُّ إيران بسياستها تجاه اليمن على التواصل مع الجميع من دون استثناء، وعلى تقديم صورة الناصح المهتم الذي يلفت انتباه الجميع لأخطار أكبر، أخطار قومية، وهي مستعدة للتقارب حتى مع السعودية نفسها في سبيل ذلك.
ويمكن لإيران استخدام حديقة السعودية الخلفية، لأن سياستها في المنطقة تقوم على الأهداف الكبرى والبعيدة. هي لا تعمد إلى التهدئة الآنية، بل تنظر إلى ما بعد خمسين عاماً من الآن، تضع استراتيجيات وتعمل وفقها. أما الفرق الجوهري بين السعودية وإيران، فهو أن الأخيرة لا تدفع أموالاً طائلة لتنافس المال السعودي، فيما تضمن الولاء بعقد تحالفات أعمق، بالتشارك في الأهداف.
لذلك، أدركت إيران أنه ليس من مصلحتها غياب «الإخوان» عن المشهد في اليمن، هي تريد تراجعهم وتقليل حصتهم، لا إقصاءهم كما فعلت السعودية في مصر. تريدهم حلفاء، لكن من الدرجة الثانية، وهذا لا يعني أنها تعد الحوثيين جزءاً منها، هي تنظر إليهم أيضاً بعين الحلفاء الذين يكون الاختلاف معهم واردا في أي لحظة. هناك خلاف مذهبي ـ عقائدي مع الحوثيين لا يمكن تجاوزه، يجعل من الصعب على الجماعة المسلحة، أن تكون جزءاً من الكيان الايراني، حتى إن طريقة الحوثيين في إدارة الصراع تختلف مع الأسلوب الإيراني، غير أن التعاون والتواصل ورسم الاهداف المشتركة قائم بين إيران وجماعة «أنصار الله».


أدركت إيران أنه ليس من مصلحتها غياب «الإخوان» عن المشهد في اليمن


فإيران، لم تكن راضية تماماً عن هوس الحوثيين العسكري، لكنهم حيّدوها في قرارهم، وقالوا لها ما معناه «نحن أدرى بطريقة التعامل في اليمن». وهي تدرك أن الإقصاء الكامل مخاطرة أشد، لكنّها تعمل على تقوية حلفائها في الداخل، بصورة تضمن مشاركتهم القوية، وظهورهم بالمظهر اللائق سياسياً وعسكرياً.
على عكس السعودية، التي تعمل على إضعاف الحلفاء، وتحولهم إلى تابعين، وفي الوقت نفسه، ليس لديها أي استراتيجية واضحة يمكن للتابعين أن يسيروا عليها. فالسعودية نفسها لا تعرف كيف ستكون المملكة بعد خمسين عاماً من الآن، ولا حتى بعد خمس سنوات.
كل ما يهمّها هو ألا يموت الملك وتحصل مشكلة على ولاية العهد. فالبيت السعودي هو أساس تماسك المملكة، وتفكّك هذا البيت يعني الانهيار الكامل، لأنه ما من عوامل أخرى لبقاء المملكة عقوداً
أطول.
لكن إيران تعرف ماذا تفعل. هي تعلم أن الخطر الحقيقي آتٍ من السلفيين، الذين تدعمهم السعودية، وأن «الإخوان» هم المنافس الأكبر لهم، لأنهم من المدرسة العقائدية نفسها. فالإخوان هم «إسفنجة» السلفيين، ويمكن أن يمتصوا أي تأثير لهم، وهذا حاصل في اليمن منذ إنشاء «التجمع اليمني للإصلاح»، الذي ضمّ تحالف القبائل والسلفيين والإخوان. هذا التجمع كان «أذكى» حركة إسلامية عرفتها المنطقة، ضمن الحاضن الاجتماعي والظهور السياسي والأساس العقائدي. إيران نفسها هي ممن أظهروا دعماً وتعاوناً مع هذا الحزب، الذي يبقى مشروعاً سياسياً يمكنه التعاون والتحالف مع أي من دول المنطقة قطر ـ السعودية ـ ايران.
التقارب الإيراني ـ الإصلاحي، كان قد ظهر في سنوات سابقة، حين كان الشيخ القبلي الإصلاحي حميد الاحمر، رئيساً لجميعة «القدس»، التي تمولّها إيران، وكانت علاقته طيبة بالجمهورية الإسلامية، وبـ «حزب الله»، وغيره من قادة حزب «الإصلاح». غير أن الأحداث في سوريا غيّرت الأجندة، برغم أن ثورة اليمن في 2011، لم تحدث أي خلاف بين «الإصلاح» وإيران، التي كانت مع الثورة، بينما وقفت السعودية ضدّها.




اليمن «غائب» في علاقاته الدولية

مسار العلاقات اليمينة ـ الايرانية، واليمنية ـ السعودية، يبقى رهن الطرف الآخر دائماً، لا بيد اليمن. ففي هذه العلاقة يغيب اليمن الذي يبدو أنه لا يمسك بالخيط من طرفه، ويتصرف كمتلقٍّ، في انتظار كلّ ما يقوم به الطرف الآخر، يشدّ الخيط أو يرخيه.
اليمن مثلاً هاجم إيران رسمياً واتهمها بدعم الحوثيين، في المقابل لم يحاول أن يتقرب من هذا «الخطر»، أو يقيم علاقات طبيعية مع إيران، يقطع بها الخيط لدعم الحوثيين وتهديد الدولة بهم. في المقابل، اقتصرت علاقته مع السعودية على تسلم الدعم وصرف الشيكات. لم يقدّم اليمن خطة واضحة يطلب دعم السعودية لها. وما ينطبق على الحكومة ينطبق على كل الاطراف المحلية، المتوجسة دوماً من الطرف الآخر، غير فاعلة في العلاقة. اليمن يتصرف كما يراد له، كدولة ضعيفة غير مستقرّة، ومع ذلك هو منهار العلاقات بالكامل، وليس هناك من يدعمه أو يحميه.