لم يستغرق التحالف السعودي ـــ الإماراتي وقتاً طويلاً ليدرك حجم ما سيتكبّده من خسائر بشرية إذا ما أراد القتال بجنوده على الأرض، فسارع إلى تفعيل برنامج استئجار المقاتلين المحليين والأجانب ليضربوا بسيفه على الجبهات. شكّل الجنوبيون مذّاك عماد «جيش المرتزقة» الذي أنشأه بتكلفة زهيدة، والذي لا يزال يغذّيه بسياسة الإفقار والتجويع وإعدام الخدمات. إزاء ذلك، تتعالى مطالبات القوى والشخصيات المناهضة لـ«التحالف» بوقف هذه «اللعبة القذرة»، والكفّ عن المتاجرة بدماء الشباب الجنوبي.

منذ بدء الحرب في اليمن، عمل «التحالف» على خلق ميليشيات تقاتل بالنيابة عنه في الجبهات، على أن يقتصر دوره هو على الإشراف ورسم خطط الحرب. وكان للمناطق الجنوبية نصيب الأسد من هذا المخطط؛ إذ تحولت إلى معسكرات خلفية لـ«التحالف»، وزُجّ بعشرات الآلاف من أبنائها في جبهات الساحل الغربي وفي شمال صعدة على الحدود مع السعودية، إضافة إلى نشر الآلاف منهم في مدن نجران وجيزان وعسير داخل السعودية لصدّ تقدم «أنصار الله».
هذه الاستراتيجية أُطلقت عملياً بعد فشل الغارات الجوية في الأشهر الأولى من الحرب. لكن ضربة صافر في مأرب في أيلول/ سبتمبر 2015، التي أدت إلى مقتل عشرات الجنود السعوديين والإماراتيين والبحرينيين، مثّلت نقطة تحول، قرّر على إثرها «التحالف» تفعيل برنامج استئجار المقاتل اليمني عوضاً عن السعودي والإماراتي على طول الجبهات وعرضها.
وقد بدأ «التحالف»، بسرية تامة، عبر سماسرة وظّفتهم الرياض وأبو ظبي، مهمة تجنيد الشباب الجنوبي للقتال بالوكالة عنه، غير أن تدفق الآلاف من القتلى والجرحى الجنوبيين كان كفيلاً بكشف المخطط، الذي سرعان ما تعالت الدعوات السياسية والقبلية إلى وقفه.

طرق الاستقطاب
بحسب مصادر تحدثت إلى «الأخبار»، لدى «التحالف» سماسرة في كلّ المدن الجنوبية الرئيسة، يستغلون الشباب بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي يشهدها اليمن نتيجة الحرب والحصار، ويعرضون على الشاب 1000 ريال سعودي شهرياً (قرابة 250 دولاراً) مقابل القتال داخل الأراضي اليمنية، فيما للمقاتل داخل الأراضي السعودية مبلغ يصل إلى 2000 ريال سعودي (500 دولار)، ويحصل السماسرة عن كل فرد على 1000 ريال سعودي. وتؤكد المصادر أن العشرات لا يزالون يتدفقون إلى الجبهات، موضحة أن مدينة زنجبار في محافظة أبين سجّلت أعلى نسبة تجنيد بمعدل 10 باصات نقل (حمولتها 16 راكباً) يومياً.
وتتنوّع العناوين التي يُجنَّد الشباب تحت لافتتها، ومنها على سبيل المثال «التدريب على مكافحة الإرهاب»، الذي اقتيدت بموجبه أخيراً قوات جنوبية إلى السعودية وُعدت بالعودة إلى عدن. لكن السعوديين سرعان ما طلبوا من القوة الذهاب للقتال في مدينة جيزان، الأمر الذي سبّب اعتقال العشرات من الضباط بسبب رفضهم القتال، قبل أن يُفرج عنهم في أيلول/ سبتمبر الماضي بعد 9 أشهر من الاعتقال.

يعرض على الشاب 100 ريال سعودي شهرياً مقابل القتال داخل اليمن


كذلك، يحتجّ ضباط في القوات التابعة للرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، على طريقة تعامل الضباط السعوديين معهم، التي يصفونها بـ«الخداع». وفي هذا الإطار، يكشف ضابط جنوبي فضّل عدم ذكر اسمه لـ«الأخبار» أن القيادة السعودية طلبت منه تجهيز لواء قوامه 3000 مقاتل من شباب أبين من أجل القتال على الحدود السعودية، مضيفاً أنه بعدما أخذ الضباط السعوديون الكشوفات، اعتذروا له عن تجهيز اللواء، وسلّموا الكشوفات للسماسرة الذين تكفّلوا بتجنيدهم بنحو «غير نظامي».
وفقاً لمعلومات «الأخبار»، فإن المجندين الجنوبيين ضمن الألوية التي لا تخضع لوزارة الدفاع التابعة لحكومة هادي، يبلغ عددهم أكثر من 25 ألف مقاتل، يتوزعون على 5 ألوية تُسمّى «ألوية العمالقة» التي يقودها المدعو أبو زرعة المحرمي، أحد القادة السلفيين الموالين لأبو ظبي، إضافة إلى 9 ألوية على الحدود السعودية ـــ اليمنية، أبرزها «لواء الكواسر» الذي يقاتل في منطقة علب، المنفذ البري الدولي إلى اليمن عبر مدينة صعدة، وهو اللواء الذي يمثل «الثقب الأسود» للمقاتلين الجنوبيين، إذ قُتل الآلاف من مجنّديه في محاولتهم صدّ تقدّم «أنصار الله» داخل منطقة ظهران الجنوب في عسير السعودية.
هذه القوات غير ثابتة، ويُستبدَل مقاتلون آخرون بالقتلى والجرحى والأسرى ومن يعودون منها إلى الجنوب، من دون صرف أي تعويضات. كذلك إن جثث القتلى لا يُسمح بإخراجها من الأراضي السعودية إلا بإجراءات معقدة، وهو ما حصل للمجند توفيق سالم ناصر، من مديرية الوضيع في أبين، الذي قتل قبل أسبوع في جبهة البقع. إذ تفيد أسرته «الأخبار» بأن جثمانه لم يصل إلى الآن، رغم التواصل اليومي مع مندوب «التحالف» في البقع.

دعوة متجددة إلى التعقل
إزاء تلك المعطيات، تحذّر قيادات جنوبية من استمرار عمليات التجنيد التي تؤدي إلى استنفاد المخزون البشري الجنوبي، منبهة إلى أن هذه العمليات إنما تجري بسبب مآلات الأوضاع في الجنوب، التي يتحمّل «التحالف» المسؤولية عنها. وفي هذا الإطار، يرى رئيس «الهيئة الشرعية الجنوبية»، الشيخ حسين بن شعيب، في حديث إلى «الأخبار»، أن «القوى الخارجية تآمرت على الحراك الجنوبي السلمي بتفكيكه وإضعافه وشرذمته»، مضيفاً أن «الجنوب تحوّل إلى كانتونات صغيرة تتصارع فيها الميليشيات، وقد أسهم التحالف في خلق فوضى عارمة».
بدوره، يرى رئيس «اللجنة الإعلامية للائتلاف الجنوبي»، عبد الكريم السعدي، أن «لا فائدة لقضية الجنوب من عمليات تجنيد الشباب»، واصفاً هذه العمليات بأنها «متاجرة قذرة بدماء الشباب». ويلفت السعدي، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «مكونات جنوبية تقوم بدور السمسار في تجنيد الشباب، إضافة إلى أنها بسلوكها اليومي تُسهم في صنع الحاجة لدى الشباب الجنوبي، نتيجة افتعالها تعطيل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية»، متابعاً بأن «تلك القوى تدين بالولاء لأطراف إقليمية أكثر من ولائها للجنوب». ويشير إلى أن «الشباب ضحية لبعض الأطراف التي أنشأت المجالس والميليشيات التي تتخلى عن التزاماتها تجاه الجرحى والقتلى»، معتبراً أن «الضحايا الأكثر بشاعة هم الذين يقاتلون على حدود بعض دول التحالف، والذين يجري التعامل معهم كمرتزقة بالأجر اليومي».
وخلال الأشهر الماضية، وجّهت قيادات سياسية جنوبية دعوات إلى المقاتلين الجنوبيين لترك الجبهات. وقد لاقت تلك الدعوات صدىً عبر سحب قبائل الصبيحة في محافظة لحج العشرات من أبنائها مِمَّن يقاتلون في الساحل الغربي. وفي حديثه إلى «الأخبار»، يجدد محافظ لحج، المُعيّن من قِبَل حكومة صنعاء، الشيخ أحمد جريب، دعوته «كافة عقلاء الجنوب إلى وقف عمليات التحشيد التي يقوم بها سماسرة أبو ظبي والرياض في لحج وعدن وأبين والضالع وشبوة وحضرموت والمهرة»، مشدداً على أن «الوقت حان لحقن الدماء». وإذ يحذّر من أن «يتحول أبناء الجنوب إلى بنادق مأجورة خدمة للأنظمة العميلة التي تنفذ أجندة واشنطن في اليمن»، يتساءل حريب عمّا «قدّمه العدوان خلال 4 أعوام إلى المحافظات الجنوبية الواقعة تحت سيطرته غير الموت والجوع والأمراض والخوف؟».