مع اختتام الحرب في اليمن عامها الرابع، تتأكد قدرة الجيش اليمني واللجان الشعبية على تطوير أساليب قتالية وأدوات عسكرية جديدة، بما يتناسب مع متطلبات المعارك التي يخوضانها. ومع أن مصاديق التطور العسكري المقصود كثيرة في الميدان اليمني، إلا أن أبرزها وأكثرها حضوراً في العام الأخير من الحرب كان سلاح الطائرات المسيرة المتعدّدة المهام، وغير المكلفة، والتي أثبتت قدرتها على تنفيذ مهام دقيقة ومتنوعة، على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.

منذ عشر سنوات تقريباً، شهد العالم انتشاراً واسعاً للطائرات المسيّرة، سواءً على شكل نماذج تجارية صغيرة مثل «DJI Phantom» ذات الاستعمالات المدنية، أم على شكل إصدارات عسكرية كبيرة مثل طائرة «WingLoon» الصينية القادرة على حمل صواريخ موجّهة. وتحظى الطائرات المسيّرة الصغيرة بأهمية كبيرة في الحروب غير المتماثلة (بين جيوش تقليدية ومجموعات مسلحة منظمة)، بسبب توافرها بسهولة، وتكاليفها المنخفضة عموماً. وفضلاً عن إمكانية تسليحها لتنفيذ مهام قتالية مباشرة، فإن الطائرات المسيّرة الصغيرة التي يتم التحكم فيها عن بُعد يمكن أن تؤدي أدواراً مختلفة في تعطيل العمليات العسكرية للعدو، عبر التشويش والتأثير على رادارات منظومات الدفاع الجوي والرصد الإلكتروني والاتصالات. كما يمكن استخدامها لرصد الأهداف العسكرية المحتملة. وفي السابق، استعمل المسلحون في سوريا مثل هذه الطائرات عدة مرات في استهداف قاعدة حميميم الروسية. كما استُعملت، أخيراً، طائرة مسيّرة في محاولة اغتيال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو. أما في الحالة اليمنية، فقد توزّعت استخدامات الطائرات المسيّرة الصغيرة المختلفة على مهام الرصد وجمع المعلومات، بالإضافة إلى القصف وإلقاء القذائف، وأخيراً تم تحويلها إلى طائرة مفخّخة تتوجه إلى هدفها وتنفجر فيه أو فوقه، على طريقة الطائرة المسيّرة المفخخة الإسرائيلية «هاروب»، والتي تُعتبر من الأنجح في العالم. وقد أظهرت القوات الجوية اليمنية ذكاءً وحنكة في استخدام الطائرات المسيّرة، كما عملت على تطويرها وتجهيزها بما يتناسب مع طبيعة المعارك.

القوة الجوية تمتلك «مخزوناً كبيراً من الطائرات المسيّرة الحديثة»


بدأ الأمر في الشهر الثاني من العام 2017، حيث تم الكشف، دفعة واحدة، عن أربع طائرات مسيّرة، ثلاث منها ذات مهام استطلاعية، وواحدة ذات مهام هجومية وهي «قاصف 1». فيما بعد، توالى الإعلان عن عمليات تمت بواسطة طائرات مسيّرة تحت أسماء مختلفة، ولكن لم يتم الكشف عن تفاصيل أي منها بعد. ومن بين الطائرات التي لم يتم الكشف عن خصائصها، سلسلة طائرات «صمّاد 1،2،3»، التي اضطلعت بمهام كبرى ضدّ أهداف بعيدة المدى، كمطار أبو ظبي الدولي، ومطار دبي، ومنشأة «أرامكو» في الرياض. ولعلّ أبرز العمليات الموثقة التي نُفّذت بنجاح تمت عبر طائرة «قاصف k2» المفخخة، التي استُخدمت في استهداف المنصة الرئيسية في عرض عسكري للقوات التابعة لحكومة عبد ربه منصور هادي، في قاعدة العند في محافظة لحج في الجنوب في كانون الثاني/ يناير الفائت، ما أدى الى مقتل عدد من قيادات القوات التابعة لـ«التحالف»، وأبرزهم رئيس شعبة الاستخبارات في القوات التابعة لهادي اللواء الركن محمد صالح طماح.
وتمثّل هذه العملية الأخيرة نقلة نوعية في تطوير الطائرات المسيّرة اليمنية واستخدامها، إذ يشير خبراء عسكريون مطلعون على سياق تطور سلاح الطيران المسيّر في اليمن، إلى أن العملية كانت «معقدة إلى حدّ كبير، وقد اشتركت فيها قوات أخرى إلى جانب القوات الجوية». كما يعتقد هؤلاء الخبراء بأن «الهجوم اعتمد على معلومات استخبارية دقيقة، تحدّد مكان العرض العسكري وموعدة ونوعية الحضور فيه، بالإضافة إلى دقة غير عادية في إطلاق وتوجيه وتفجير الطائرة فوق المنصّة المستهدفة». ويقدّر الخبراء العسكريون أن تكون المواد التي تحملها الطائرة شبيهة بـ«اللغم الأرضي الموجّه المضاد للأفراد، وهو متوافر بكثرة، وفعّال إلى حدّ كبير في عملية كهذه». وبحسب ما كشفت عنه القوات اليمنية المشتركة بعد عملية استهداف القاعدة، فإن طائرة «قاصف k2» التفجيرية تنفجر على ارتفاع بين 10 و20 متراً فوق الهدف، وهي تحمل شظايا قاتلة على رقعة 80x30 متراً بشكل بيضاوي. كما تتمتع بقدرة جيدة نسبياً على التخفّي عن الرادارات، ما يسمح لها بالتوغل خلف خطوط العدو.
وبينما تقوم الطائرات المسيّرة بمهامها بشكل شبه يومي في اليمن، يدّعي تحالف العدوان أنه قام عبر طائراته الكبيرة وصواريخه المدمّرة باستهداف مخازن للطائرات ومراكز توجيه وتحكم، وذلك بعد عملية قاعدة العند. وفي المقابل، تؤكّد مصادر عسكرية رفيعة المستوى في صنعاء، في حديث إلى «الأخبار»، أن القوة الجوية تمتلك «مخزوناً كبيراً من الطائرات المسيّرة الحديثة، والتي لم يُعلن عن البعض منها من قبل، وبمديات كبيرة تصل إلى عمق دول التحالف وتحقق الأهداف بدقة ونجاح». كما تؤكد هذه المصادر أن الطائرات اليمنية المسيّرة الحديثة «لديها قدرة فائقة على التخفّي عن رادارات العدو، وقد قامت بعمليات رصد خلال الفترة الماضية لعشرات المواقع في عمق الأراضي السعودية». هنا، يعلّق خبير عسكري مطلع بالقول: «إن طلعة جوية واحدة لطائرة حربية من طراز أف-16 مثلاً، تعادل بكلفتها كلفة تصنيع وتجهيز أكثر من عشر طائرات مسيّرة، قادرة على استهداف مواقع في عمق السعودية والإمارات». وبذلك، تتمكّن «أسلحة الفقراء» من تغيير المعادلات العسكرية أمام دول المليارات الخليجية!