توارث اليمنيون، سالفاً عن سالف، فنّ الزوامل، سواءً في الحرب أو في الحوار أو حتى في السلام. في كل الأحوال والظروف تكون الزوامل حاضرة ومجلجلة، يردّدها اليمنيون لشحذ الهمم، وأحياناً للعفو أو لطلبه، وفي مناسبات الفرح والترح أيضاً. يصل الضيف بزامل، ويستقبله المضيف بزامل آخر، بالوزن والقافية نفسيهما. زامل واحد قد يشعل حرباً، وزامل آخر قد يطفئها. وكم تكرّر عتق للرقاب بزامل طالب للعفو! والزامل بطبيعته هو نشيد يمني قَبَلي يتكون من بيتين إلى ثلاثة أبيات شعرية، ويتميز بأنه يؤدّى جماعياً أو بصدى جماعي، وقد انفرد به اليمنيون عن غيرهم، وكأنه ماركة مسجلة باسم اليمن.

يتبارى اليمنيون في الزوامل ويتنافسون فيها، ويظهرون من خلالها التحدي في أوقات كثيرة، ولعلّ من أشهر زوامل التحدي المعروفة هي المساجلة بين الإمام يحيى حميد الدين (حكم شمال اليمن ما بين 1918 و1948)، والشيخ علي ناصر القردعي المعارض لحكمه، إذ أنشد الأول قائلاً:
يا طير مهما طرت في جو السماء... لا بد ما تنزل رضا والا صميل (بالقوة)
من وين با تشرب إذا جاك الضمى... وان قلت ريشك يخزن الماء مستحيل
فجاءه الرد من القردعي:
الطير حلف بالله وبالرب اقسما... ما طاعكم لو تشعل الدنيا شعيل
ما دام له جنحين حاكم محكما... لافك ريشة يقطع الخط الطويل.
ومع أن الزوامل رديفة لليمني في كل الأحوال والظروف، إلا أنه يزداد ترديده لها في وقت الشدائد والحروب، ويتغنّى بها الثوار في وجه الطغاة والعكس، وهناك منها ما يظلّ خالداً في الوجدان، خاصة تلك التي تؤرخ لأحداث عظيمة، مثلما جاء في ثورة 26 سبتمبر 1962، حيث لا يزال يتذكر اليمنيون ما ورد على لسان الملكيين الذين وقفوا مع النظام الإمامي، وزوامل الجمهوريين الذين أيّدوا الثورة، ومن أبرز ما قيل في ذلك، زامل الشيخ ناجي الغادر، حيث قال:
حيد الطيال (منطقة في قبيلة خولان) أعلن
وجابه كل شامخ في اليمن
ما با نجمهر قط
لو نفنى من الدنيا خلاص
لو يرجع امس اليوم
والشمس تشرق من عدن
والأرض تشعل نار
وامزان السماء تمطر رصاص.
فجاءه الرد من الشيخ خالد بن ناجي الرويشان:
قلنا اسمحوا عفواً قفا ما قد تلوّن والّْتَوَنْ
الميج واليوشنْ مع ابو مروحه والسود خاص
ما يقطع الطيار ضرب الشرف والا الميم ونْ (بندقية)
قل للحسن والبدر (الإمام وأخيه) يا ناجي قد الفضة نحاس

«أنصار الله» والزوامل
برع «أنصار الله» في استخدام الزوامل منذ بدء مسيرتهم، وذلك يعود إلى كونهم ينتمون إلى بيئة الزوامل ذاتها. فأهل صعدة وشمال الشمال عموماً متيّمون بفن الزوامل ومعجونون به. كما أن القبيلة اليمنية بطبعها حساسة وعاطفية، زامل واحد قد يستهويها وآخر قد ينفّرها، لذلك أجاد «أنصار الله» فن الزوامل، ووصلوا عبرها إلى وجدان أبناء القبائل، واستطاعوا تحشيد الشباب في صفوفهم للقتال، بعكس خصومهم الذين حاولوا ذلك مراراً، سواءً عبر الزوامل أو «الشيلات»، لكنهم فشلوا، لعدم إجادتهم اختيار الكلمات الحماسية ولا المنشدين أصحاب الحناجر الحربية. أما «أنصار الله»، فقد نجحوا في انتقاء شعراء ومنشدين بارعين، أبرزهم الشاعر المتوفى عبد المحسن النمري، والمنشدان المتوفى لطف القحوم، وعيسى الليث.
ومن بين أولى الزوامل التي أصدرها «أنصار الله» في حربهم الثانية ضد النظام، ولا يزال يتردّد صداها إلى اليوم، تلك التي ألّفها النمري وأدّاها الليث:
طبلة الحرب دقّت دقدقي يا دفوفْ
داعي الحق ومنادي الجهاد أبرقا
إلى:
ما خُلِقْنا لغير الرمح وإلا السيوفْ
والفرسْ والمهنّد لي خيار أصدقا
بندقي في يميني والجعب في الكتوفْ
والكفن فوق راسي موت وإلا نقا.
هكذا واجه «أنصار الله» دعاية النظام، بحيث كانت الكلمات أداة تعبئة عامة، يشحذون بها هِمم مقاتليهم وحميّتهم، ويستقطبون مقاتلين جدداً في حرب تكرّرت لست مرات. وفي مرحلتهم الانتقالية، التي هي بين حروبهم الست مع النظام وحرب «التحالف»، أصدر «أنصار الله» العديد من الزوامل، لعلّ أشهرها «ما نبالي ما نبالي...»، الذي يُنظر إليه كنبوءة بالحرب الدائرة راهناً، وهو من كلمات النمري وأداء القحوم، تقول كلماته:
ما نبالي ما نبالي ما نبالي
واجعلوها حرب كبرى عالمية
إلى:
والله إن الحرب ما منها مجالِ
والكرامة في زناد البندقية

تتردد زوامل «أنصار الله» في كل المناطق التي هي تحت سيطرتهم: في دوريات الأمن، وفي «الشاصات» التي تنقل المقاتلين، وفي سيارات المواطنين أيضاً. الكل يشعر بالحماسة وهو يستمع إليها ويردّدها، حتى الذي لم ينخرط في القتال لا يستغني عن الاستماع إليها، وصار لسان حال الأغلبية يقول إن كل من يسمعها يتمنى أن يحمل بندقيته ويتوجه إلى الجبهة، لما فيها من حماسة لفظية وإيقاعات حادة. حتى المقاتلون في صفوف «الشرعية» يعبّرون عن شغفهم بهذه الزوامل. أحمد حامد، وهو جندي مقاتل مع القوات الموالية للرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، يقول لـ«الأخبار» إن «أغلب المقاتلين يحملون في جوالاتهم زوامل أنصار الله، ويعتبرونها إرثاً يمنياً كونها تعبّر عن الهوية اليمنية».
المغتربون اليمنيون في السعودية، والسعوديون أنفسهم، يظهرون في مواقع التواصل الاجتماعي وهم يطربون لسماع زوامل «أنصار الله». حتى في الولايات المتحدة الأميركية، يتردد صدى الزوامل في كل فعالية تطالب بوقف العدوان على اليمن، ويتباهى بها اليمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي. يقول صلاح العودي، أحد مشائخ العود (مقيم في الولايات المتحدة)، إن «الزوامل حالة ثقافية وفنية يمنية أصيلة، ونحن في بلاد المهجر لا نستغني عن تراثنا». ويضيف في حديث إلى «الأخبار»: «سنظل متمسكين بكل ما يربطنا باليمن، ومن بين ذلك الزوامل التي تربطنا بجذورنا»، معتبراً أن «أنصار الله أجادوا استخدامها في مواجهة العدو»، متابعاً: «في كل مرّة يرسل العدوان صاروخاً، نرسل له زاملاً ليشعر هو وأتباعه بالهزيمة والهلع».
توصيف يجلّيه بوضوح الزامل الذي خطّه عبد المجيد الحاكم، وأدّاه القحوم، ويقول:
توكلنا على الله بالبلاجيك (آلي كلاشنكوف)
على سلمان نوحي يا البواكي....
إلى:
وجزنا الشوك واجتزنا الشبابيك
بأقدام حافيه والجلد واكي... إلخ.