الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة كانت الحدث الإعلامي الأبرز في عام 2014. وقد لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً إعلامياً بديلاً في كشف المجازر الإسرائيلية التي استمرت لمدة 55 يوماً، وراح ضحيتها 2200 شهيد و11 ألف جريح من أهل القطاع. في حرب عام 2012، كان الدور الرئيسي للقنوات الفضائية والمواقع الصحافية في تغطية القصف والمجازر الإسرائيلية.


لكن في حرب 2014، أخذ الناس في قطاع غزة زمام المبادرة في نشر صور القصف والدمار الذي طاول جباليا ومدينة غزة ورفح وبني سهيلا، وفي نشر صور الشهداء الذين كان جلّهم من الأطفال. تويتر كان القناة المباشرة من أرض المعركة لنقل الأخبار إلى العالم العربي والغربي، قبل أن تنقلها القنوات الفضائية إلى مشاهديها. السرعة في نقل الخبر، وكسر احتكار تغطية القنوات الإخبارية للحرب، وتعدد أصوات «المغردين» تحت القصف الإسرائيلي في قطاع غزة، كانت من المزايا التي لعبها تويتر. وعلى عكس حروب عامي 2012 و2009، حيث الشهداء يتساقطون كتلاً مجرّدة وتحت عناوين إخبارية كبيرة، حضرت بقوّة القصص والتفاصيل الشخصية التي غرّد بها أهالي القطاع عن دموية الحرب، ولاقت تفاعلاً كبيراً من جمهور عربي وغربي.

انطلاق موقع «الحياة»
الإخباري من فلسطين التاريخية

هذا التفاعل أدى إلى «انفجار الشارع... لكن في أوروبا» (بالإذن من جوزيف سماحة). في لندن، خرج حوالى 150 ألف متظاهر من أمام مقرّ «بي. بي. سي» للتنديد بالحرب، واستنكار تغطية «هيئة الإذاعة» التي انحازت بشكل صارخ للبروباغندا الإسرائيلية. وما عدا تظاهرات في بيروت وعدن وعمان وأُخرى خجولة في القاهرة، كان الغضب العربي يترجم على شكل بوستات وصور عبر تويتر وفايسبوك، من دون أن يجد له قدمين في الشارع. «الميادين» و»الجزيرة» كانتا حاضرتين بفاعلية في تغطية الحرب. «الجزيرة» من خلال تقارير مراسليها من داخل منازل ضحايا القصف الإسرائيلي، التي أعادت إلى المحطة القطرية بعضاً من الألق الذي خسرته في تغطيتها للحرب في سوريا. قوّة «الجزيرة» في تغطيتها لحرب غزة كانت في الخبرة التي راكمها طاقم مكتبها في قطاع غزة في الحروب السابقة. «الميادين» التي خاضت أُولى تجاربها في تغطية حرب إسرائيلية على غزة، تُحسب لها إعادة قضية فلسطين إلى صلب الخطاب الإعلامي العربي. تابع مراسلو محطة «الواقع كما هو» الحملة العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية بعد اختطاف المستوطنين الثلاثة. كما كانت حاضرة بقوّة في تغطيتها لهبّة القدس التي انطلقت شرارتها بعد استشهاد الفتى محمد أبو خضير.
أما قناة «العربية» السعودية، فاستمرت على نهجها في إطلاق تسمية «بلدات» على المستوطنات الإسرائيلية. و»قتلى» بدل الشهداء. بل إن «العربية» حلّت ضيفة على قاعدة «رامات أفيف» الجوية الإسرائيلية (المقامة على أراضي قرية شحمة)، وقد احتفى الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي بتقريرها عن القاعدة على صفحته على فايسبوك. التقرير لاقى استنكاراً واسعاً، لكن «العربية» لم تعتذر لمشاهديها.
دخان الحرب على غزة لاحق «تلفزيون فلسطين» حتى بعدما أُطفأت نيرانها. أُقيل أخيراً أحمد زكي مدير عام الأخبار في «تلفزيون فلسطين» بعد انتقاده استضافة أنور عكاشة في برنامج «حال السياسة». إقالة زكي أثارت جدالاً واسعاً بين الصحافيين الفلسطينيين، وقد كتب زكي على صفحته على فايسبوك أن عكاشة «الذي يتأمل من إسرائيل إفناء نصف شعبي، لهو جاسوس وساقط، وأقل من الحذاء الذي رفعه على شاشة تلفزيونه المأزوم». يذكر أن عكاشة الذي يصفه الفلسطينيون بـ»الأراجوز»، دافع عن إسرائيل في شنّها للحرب على غزة على قناة «الفراعين»، ووصف حركة «حماس» ومن يساندها بـ»الكلاب».
وبعيداً من الحرب، انطلق موقع «الحياة» الإخباري من فلسطين التاريخية. الموقع الذي يجمع أخباراً وتغطيات صحافية من قرى ومدن فلسطين كافة، هو إضافة إلى الإعلام الفلسطيني الإلكتروني الذي ظهر على ساحته أيضاً موقع «شبكة القدس الإخبارية». هذا النوع من الإعلام الذي يستند إلى صحافيين ومحررين شباب وطلاب في كليات الإعلام الفلسطينية، يُؤمَل منه أن يلعب دوراً في رفع سقف النقاش الاجتماعي والثقافي في فلسطين، والخروج من حالة الاستقطاب السياسي بين حركتي «فتح و»حماس». ولا بأس من «حمى غينيس» عام 2014، إذ دخلت إذاعة «راية أف إم» الموسوعة العالمية بعد بثّها لأطول برنامج إذاعي حواري استمر لمدة 50 ساعة متواصلة. وفي غزة، انطلقت إذاعة «حواء أونلاين» التي يُراد لها أن تكون «صوت المرأة إلى المرأة» عن طاقتها الخلاّقة وإبداعها اللامحدود، رغم القمع والقيود الاجتماعية والسياسية.
مرّ عام 2014 بكثير من الدماء على الشاشة، وبكثير من الصمت العربي الذي «زاد حبتين» في الحرب على غزة. هذه الحرب طاولت الصحافي الفلسطيني أيضاً، إلى جانب قمع الاحتلال الإسرائيلي للصحافيين في القدس والضفة. الصحافي الفلسطيني عموماً حاله من حال شعبه. يسير في الشوارع ذاتها، ويركب الباصات ذاتها، ويقطع الحواجز العسكرية ذاتها التي يقطعها الناس. وحين يقمع ويعتدى عليه، دائماً ما يكون بجانب الناس الذين يواجهون قوات الاحتلال الإسرائيلي. «كلّنا في الهوا سوا» ربما هكذا سيجيب أي صحافي فلسطيني عن سؤال «كيف كان عام 2014؟».