سوريا: آذار رابع... ولا ربيع | اللاذقية | «أقلّب هاتفي في السهرات بحثاً عن أصدقائي. أكتشف أن معظمهم شهداء، فيما بعضهم يخدم في الجيش»، يقول بشار زاهر. الشاب الثلاثيني يفتقد الصباحات الفيروزية، المفعمة برائحة قهوة الصباح. «تغيّرت صباحات المدينة. أصبحنا نستهلّ يومنا بأصوات الرصاص ونعي الشهداء»، يضيف. لديه الكثير ليقوله، فـ«الثورة» غيّرت حياته كليّاً، إذ يتابع قوله: «لولا الثورة لكنتُ الآن متزوجاً، ولديّ طفل.


الأسعار تضاعفت، وأصبح امتلاك منزل هو حلم الشاب السوري المستحيل». مليون ونصف مليون ليرة هي مدّخراته التي كانت تكفي قبل الأزمة لشراء منزل مقبول في حي مناسب. اليوم، فقد المبلغ الذي يملكه جزءاً كبيراً من قيمته. كذلك خسر بشار «شلّته» القديمة في القرية. يقول: «لا شِلل للشباب كما الماضي. القرية التي لا يتجاوز عدد سكانها 1500 نسمة، قدّمت للجيش 160 شاباً، بين ضابط ومتطوّع وجندي إلزامي».
طفا العنف السوري على السطح خلال السنوات الثلاث الفائتة. اكتشف السوريون خلالها أنهم كانوا يعيشون كذبة عدم قدرة أي كان على اختراق «لُحمتهم»، وسرعان ما افتقدوا أمنهم وأمانهم، وراحوا يعانون من الفساد الذي ازداد والجشع الذي ملأ النفوس. يذكر رائد، وهو نازح من حلب، أن الوضع المعيشي أصبح صعباً إلى حدّ البكاء، حيث افتتحت اللاذقية أرضها للنازحين الحلبيين مع تذمّر بعض أهلها من وجودهم، رغم أنهم لم يقيموا فيها مجاناً. لم يرحم أهل الساحل النازحين، من حيث رفع أسعار الإيجارات، في مقابل اضطرار الحلبيين الهاربين من الموت في مدينتهم إلى الحصول على مأوى آمن مهما كلّف الأمر، مع فرحهم الكامل بالقدرة على الاستئجار، في ظل انتهاء سوريين آخرين إلى الحياة داخل خيمة. لا يلوم رائد أهل الساحل وحدهم، إذ إن «السوريين عموماً ملأهم الجشع في معظم المدن، وعلى رأسها العاصمة». الحسرة تختلف، بالنسبة إلى حُسام، مزارع في ريف اللاذقية، الذي يفتقد أياماً كان يسافر فيها، ليلاً، بعربته المحمّلة بأفخر أنواع البرتقال، لبيعها في درعا. السعر الذي كان يحصل عليه في أولى المدن السورية الثائرة، لم يكن ليحلم به في اللاذقية أو دمشق. يفتقد الشاب معارفه في درعا، الذين كان ينزل في بيوتهم ويختبر كرمهم، ما جعله يحاول الاتصال بهم من دون جدوى. ويفتقد علاقات ربطته بعائلات في مدينة إدلب، إذ كان يتبادل معهم الزيارات في كل الأوقات.
وإذا كان فقدان التواصل بين أبناء البلد هو أكبر خسائر المجتمع السوري بنظر البعض، فإن منذر، الموظف الحكومي، يؤكد أن أولى الخسارات هي اعتياد مشاهد الدم والاستئناس به. يقول الرجل الأربعيني: «أصبح العنف أمراً عادياً في حياتنا. وهو متداول بين أيدي أطفالنا كصور وممارسات، بعد سنوات قضيناها بهدوء وسلام. مشاهد الخراب التي استغربناها في البداية ألفناها اليوم، حتى لم تعد تزعجنا». يناقش هاشم، وهو طبيب في المشفى الوطني، كيف تغيّرت شوارع اللاذقية بفجاجة، وعادت بذاكرة أبنائها إلى مرحلة الثمانينيات، حيث أصبح «الشبيحة» أسياد شوارعها. يضيف الرجل الثلاثيني قائلاً: «أصبح المرء يخشى أن يرافق فتاة جميلة في الشارع، خشية عليها من الخطف. وأصبحنا نخشى أن ننظر إلى أي كان نظرة لا تعجبه، فالإنسان لا يساوي أكثر من رصاصة». الصورة القاتمة التي يراها هاشم لا يشاركه فيها الجميع، إلا أنها مبنية على قصص يتداولها الأهالي، بعد تناقل حدوثها مع كثيرين. اللباس المموّه ضاعت هيبته، بحسب هاشم، فقد «ارتداه الجميع بدءاً برجال الجيش، مروراً بعصابات الخطف والقتل على الشريط الساحلي، ووصولاً إلى مقاتلي عصابات النصرة والجيش الحُر».
وعلى صعيد مهنة البحث عن المتاعب، تذكر الزميلة فرح يوسف، مديرة البرامج في تلفزيون الخبر السوري المستقل، أن الحياة تغيّرت إيجاباً، من ناحية «أننا صرنا نقدّر قيمة اللحظة التي نعيشها، ونصرّ على أن نسعد خلالها». وتضيف: «أصبح السوريون، شعباً ومسؤولين، يدركون قيمة الصحافة والصحافيين، فقد كشفت الأزمة حساسية هذه المهنة خلال الحرب القائمة». ومن المتغيرات السلبية، حسب يوسف، إضافة إلى الموت والدمار والفقد التي ملأت حياة الناس، أن مهنة الصحافة امتلأت بالمتسلقين والدخلاء الذين يبحثون لأنفسهم عن دور بطولي. وفي ما يخصّ الحياة الجامعية للطلّاب، فقد تغيّرت خطط المستقبل وخيّم التأخّر والتراجع على كل شيء. يذكر نبيل، طالب في كلية الآداب، أن الطلاب اليوم يؤخرون تخرّجهم، خشية أن يُطلبوا للالتحاق بالجيش. «كُنا نتسابق قبل الأحداث للتخرج، والانتهاء من الخدمة الإلزامية، بهدف التفرّغ للعمل وبناء مستقبلنا» يقول نبيل. ويضيف قائلاً: «نجلس اليوم في مقاهي الكليّات المختلفة بلا أمل بأي شيء، بعدما قدمت عائلة كلّ منا عدداً من الشهداء يجعلنا نفكّر قبل أن نذهب إلى الموت بأرجلنا». وحدهم جنود الجيش السوري الذين تغيّرت حياتهم نهائياً، بعدما أمضوا ثلاث سنوات بين كرّ وفرّ، وحصار، ووداع رفاق السلاح، وتشييع شهداء، ومقارعة الموت دون الكثير من الكلام.