بالعودة إلى تسعينيّات القرن الماضي، وبداية الألفية الجديدة، شهدت كرة السلّة اللبنانيّة نهضة كبيرة، خصوصاً مع الرئيس التاريخي لنادي الحكمة أنطوان شويري، وسيطرة نادي الحكمة على البطولات المحليّة والقاريّة، وصولاً إلى المنافسة الكبيرة مع نادي الرياضي بيروت. الأخير يسيطر بشكل شبه كامل منذ العام 2005 على كرة السلّة اللبنانية، ويحقق نتائج خارجية مهمة. منذ التسعينيات وحتى موسم 2016 ـ 2017 كانت كرة السلّة اللبنانية محط اهتمام الجمهور، حتى أنها كانت تنافس كرة القدم، على اللعبة الأكثر شعبيّة في لبنان. اليوم اختلف المشهد تماماً، فمنذ بداية هذا الموسم 2018 ـ 2019، حرم الجمهور اللبناني من مشاهدة مباريات كرة السلّة على شاشة التلفزيون (باستثناء مباراة واحدة في الأسبوع)، بسبب بث المباريات على تطبيق على الهواتف الذكية في لبنان (تطبيق ألفا سبورتس). الأمر يعود إلى تراكم الديون على الشركات الناقلة، وعدم قدرة أي قناة تلفزيونية على دفع بدل نقل مباريات البطولة بحسب ما أُعلن في بداية الموسم، لذلك تم الاتفاق مع شركة ألفا على بث المباريات عبر هذا التطبيق، ومقابل 9 دولارات أميركيّة في الشهر، لمشاهدة مباريات كرة السلّة اللبنانية فقط. (يذهب دولار واحد من هذه الدولارات التسعة إلى ناد يختاره الشخص الذي اشترك في التطبيق).
لم تعد الجماهير تتفاعل مع المباريات أو أحداث كرة السلّة مهما كانت مهمة


قانون النقل الجديد، وعدم بث المباريات على شاشة التلفزيون أثر بشكل سلبي على اللعبة، حتى باتت شبه غائبة من جميع المنازل اللبنانية، والجمهور الذي كان ينتظر نهاية الأسبوع لمشاهدة مباريات كرة السلّة، نظراً لما كانت تشهده من تنافسيّة لم يعد يشاهد الدوري المحلي، بل يكتفي بمباريات منتخب لبنان كونها تُنقل عبر شاشة التلفزيون، وليس عبر شاشة الهاتف من خلال تطبيق. الأمر لم يعد سرّاً، فأحداث كرة السلّة لم تعد تحظى حتى باهتمام الجمهور اللبناني، الذي كان ينتظرها ويتابعها عن كثب، حتى إن أخبار كرة السلّة باتت غائبة عن وسائل الإعلام، إلّا فيما ندر. خلال مرحلة الذهاب قدّمت أندية تصنّف في الفئة المتوسطة من حيث المستوى، أداءً كبيراً وتمكنت من إحراج أندية الرياضي ـ بيروت والشانفيل ـ ديك المحدي وهومنتمن ـ بيروت، وعلى رغم ذلك الأمر لم يُحدث الـ«ضجة» التي كانت تحصل في البلاد عند هكذا أحداث أو مباريات. حتى إن مرحلة الإياب الحاليّة شهدت الكثير من الأمور، منها انتخابات نادي الحكمة، والإشكال الكبير الذي حصل في مباراة الحكمة والشانفيل الأخيرة على ملعب غزير، حيث شهدت تضارباً بين اللاعبين، بعد اعتداء لاعب ارتكاز الشانفيل آتر ماجوك على لاعب الحكمة، وفي نهاية اللقاء حصل تضارب كبير بين الجماهير وأعضاء من لجنة الملاعب وتدخلت القوى الأمنية لفض الإشكال. كل هذه الأحداث مرّت مرور الكرام على الرأي العام، ولم تحظَ إلّا بتفاعل «خجول» على وسائل التواصل الاجتماعي. الأمر تكرر هذا الأسبوع أيضاً، فحتى مباراة القمة هذا الموسم بين الرياضي ـ بيروت والشانفيل ـ ديك المحدي لم تحظ أيضاً بالاهتمام المطلوب من الجماهير اللبنانية. هذا الجمهور الذي كان يتفاعل بشكل كبير مع أحداث كرة السلّة اللبنانية، وينتظر المباريات الكبيرة، بات حتى لا يتابع المباراة الأسبوعية الوحيدة التي تُنقل عبر شاشة التلفزيون، لأن الاهتمامات باتت في مكان آخر، وجمهور كرة السلّة توجه نحو كرة القدم، ونحو الدوري الأميركي لكرة السلّة NBA. وبالعودة إلى ملف بحجم ملف الحكمة، فإن التعامل معه لو كانت اللعبة بالزخم التي كانت عليه جماهيرياً خلال السنوات الماضية، لكان الاهتمام أكبر، وتفاعل الجماهير مع بدء تعافي نادي الحكمة أكبر. وبين هذا وذاك فإن سوق الانتقالات وحركة اللاعبين والبطولات المحلية والخارجية لا تحظى بمتابعة من الجمهور لأنها مغيّبة عن الشاشات، ومن يريد أن يتابع هذه التفاصيل عليه دفع الأموال في أول كل شهر.
مرحلة جديدة دخلتها كرة السلّة اللبنانية، بعد الانتقال إلى مرحلة بث المباريات عبر شاشة الهاتف الصغير، فالجماهير لا تحضر بأعداد كبيرة في الملاعب، والتفاعل مع اللعبة وأحداثها بات أقل بكثير من السنوات الماضية. كرة السلّة تراجعت بشكل كبير على المستوى الجماهيري، وربما ما تمر به الأندية من ظروف ماليّة صعبة، وانسحاب العديد من الأندية من اللعبة هذا الموسم، انسحب على الجماهير، التي ليست قادرة على دفع مبلغ 9 دولارات أميركية في الشهر لمشاهدة مباريات كرة السلّة فقط، وهذه الفاتورة تضاف إلى فواتير أخرى تثقل كاهل المواطن اللبناني. الموسم سيستمر بهذه الطريقة، على اعتبار انه تم توقيع الاتفاق مع الشركة الراعية، وبالتالي النقل لن يتغيّر بحسب الظروف الطبيعية، ولكن أن تستمر الأمور بهذه الطريقة خلال السنوات أو المواسم المقبلة، فهذا من شأنه بحسب العديد من المراقبين أن يؤثر سلباً في اللعبة وفي الأندية على حد سواء. اللعبة تراجعت، والجماهير هجرت اللعبة، أو بمعنى أصح هُجّرت من اللعبة.