في 2005، نُظِّمت انتخابات المجالس البلدية السعودية لأول مرة، وجرت عمليات الاقتراع في مختلف المناطق لاختيار نصف أعضاء المجالس البلدية، على أن يُختار النصف الثاني بالتعيين. وبعد أربع سنوات تأجلت الانتخابات، ومُدِّد للمجالس البلدية لمدة سنتين، لأسباب غير مفهومة، ليصبح السعوديون على موعد مع عودة تلك الانتخابات بصياغتها القديمة نفسها خلال الفترة القريبة المقبلة.

ومع إعلان تنظيم الانتخابات، بدأ نقاش جاد في جدوى الانتخابات البلدية والمجالس الناتجة منها (أو نصف المجالس للدقة!)، ليبدأ الحديث عن خيارات المشاركة والمقاطعة لهذه الانتخابات وتبني مجموعة من النخب والمثقفين لخيار المقاطعة، في ظل دعوة آخرين للمشاركة ووصفهم المقاطعة بغير المؤثرة. ويقدم كلا الطرفين في هذا النقاش أسبابه ودوافعه.
أسباب متعددة تدعو إلى تبني خيار المقاطعة، أولها وأهمها أنّ هذه الانتخابات بصيغتها ومحدودية ما تقدمه، لا تلبي طموح المشاركة الشعبية الموسعة. طموح يرتقي لانتخاب برلمان بكامل أعضائه، له صلاحيات تشريعية حقيقية. وفي ظل التحولات الديموقراطية وموجة التغيير في المنطقة العربية، من غير المعقول البقاء في المربع نفسه، وخاصةً أنّ البيانات الإصلاحية التي ظهرت في الفترة الماضية طالبت بتوسيع المشاركة الشعبية عبر انتخاباتٍ لمجلس الشورى، وعبّرت عن تعطش شعبي للمشاركة السياسية الفاعلة، ووعي كبير بأهمية سلوك المسار الديموقراطي.
يتحدث البعض عن غياب الوعي السياسي في المجتمع السعودي، وعدم جهوزيته لخطوة من هذا النوع، وهو حديث مستهلك يقلل من شأن التغييرات المتسارعة في هذا المجتمع، وتنامي وعيه السياسي والحقوقي. فرغم غياب تجربة ديموقراطية شعبية، تعزز الثقافة الانتخابية لدى الناس، يمكن القول إنّ الوعي الانتخابي موجود بفضل ثورة الاتصالات التي نقلت للشرائح الاجتماعية المختلفة، وخاصةً الغالبية الشابة في المجتمع، ثقافة كونية تتبنى الخيار الديموقراطي بوصفه خياراً استراتيجياً. إضافة إلى ذلك، إنّ من يتحدث عن قلّة الوعي السياسي والانتخابي لدى الناس، يجب أن ينتقد نفسه أولاً لتقاعسه عن تنمية هذا الوعي وتطويره، وهو ما لا يمكن حدوثه بغير إفساح المجال لتجربة المشاركة. فالوعي الانتخابي لا يُبنى بدروس ومحاضرات، بل بممارسة حقيقية في مختلف الدوائر والمؤسسات، فكلما تأصلت الممارسة زاد الوعي والنضج.
ثاني أسباب الدعوة للمقاطعة يتلخص في عودة الانتخابات البلدية بقالبها القديم نفسه. فلا يزال حق الانتخاب يشمل نصف أعضاء المجلس، ولا تزال المرأة ممنوعة من المشاركة، ترشيحاً وانتخاباً، باستخدام الحجة الغريبة ذاتها المستخدمة قبل ست سنوات: عدم الجهوزية. ولم يتغير غير بعض التفاصيل الإجرائية الصغيرة في صيغة هذه الانتخابات، بعد التجربة الأولى وعامَي التمديد. ومع إعادة القديم (نصف المجتمع ينتخب نصف المجلس) وعدم تكلّف عناء تبرير ذلك، يشعر الناخب بنوع من الاستخفاف في التعاطي معه، وخصوصاً إذا استرجعنا الحديث في 2005 عن تدرجٍ في المشاركة الشعبية يبدأ بهذه الصيغة. هنا، تصبح إعادتها نسفاً لكلّ حديث عن التدرج وعن بناء الوعي، لأنّ المسألة تتحول إلى روتين مفرّغ من المضمون الانتخابي الحقيقي، حيث الانتخاب لأجل الانتخاب، لا لأجل المشاركة في صناعة القرار.
من هنا يمكن الانتقال إلى السبب الثالث لدعوة المقاطعة، فالمجالس البلدية بلا صلاحيات حقيقية أو أدوار مؤثرة. وقد أوضحت تجربة الأعوام الماضية غياب فاعلية معظم المجالس البلدية أمام أمانات المدن القوية، وغياب الاستقلالية المالية والإدارية وصلاحيات تحديد أولوية المشاريع والميزانيات التي تحتاجها المدن. وبالتالي، من الصعب إقناع الناخب بأنّه يشارك في صناعة القرار في ظل محدودية صلاحيات هذه المجالس نصف المنتخبة. لذلك، يسود الانطباع بأنّ العملية برمتها لا تتجاوز الاستمتاع بتكديس الأوراق في الصندوق.
في المقابل، يصر الداعون للمشاركة على تكريس الوعي الديموقراطي، ونشر الثقافة الانتخابية، بغض النظر عن نواقص التجربة. ويرى هؤلاء استغلال أيّ نافذة للمشاركة ثم التطوير لاحقاً، لأنّ الغياب والمقاطعة يقدمان صورة لغياب الوعي السياسي لدى الشرائح الاجتماعية المختلفة، ويرون أنّ رفض بعض النخب المشاركة يعطي الفرصة لآخرين (التيار التقليدي المحافظ وأصحاب المصالح) لحصد نجاح سهل، لن تؤثر فيه هذه المقاطعة.
يؤكد أنصار المشاركة عدم تأثير المقاطعة، لعدم وجود أرضية صلبة تستند إليها تلك المقاطعة. فلا تيارات حقيقية أو هيئات تمثيلية أو أحزاب سياسية، يمكنها ترجمة خيار المقاطعة إلى جهد جماعي مؤثر، يحقق نتائج على الأرض. كذلك لا يمكن التعويل على مواقف فردية لمثقفين ونخب في تحقيق النتائج المرجوة من المقاطعة، وستبقى المسألة في حدود تسجيل المواقف الفردية، من دون أن تتجاوزها إلى التأثير في العملية الانتخابية.
رغم منطقيةٍ بادية في كلام أنصار المشاركة، يمكن اعتبار المقاطعة خيار المرحلة، لأنّها جزء من العمل الديموقراطي المعبر عن وعي أعلى، سياسياً ومطلبياً، لا عن قلة وعي، كما يروج البعض. كذلك تمثّل نشراً للثقافة الانتخابية، لتماهيها مع مطالب ديموقراطية حقيقية، تسعى إلى توسيع حجم المشاركة الشعبية ودورها. ورغم غياب الأرضية التمثيلية عبر الأحزاب والمؤسسات القادرة على جعل المقاطعة مؤثرة، يظل موقف المقاطعة فرصة مهمة للنخب والمثقفين لصناعة رأي عام، وتوجه معين يجتذب شريحة شعبية واسعة في اتجاه التعبير عن موقف سياسي مُطالِب بالتقدم في الإصلاح والتغيير وتعزيز المشاركة الشعبية.
المقاطعة تسجيل موقف يؤسس لمطلب المشاركة الفاعلة والمنتجة، وعلى المثقفين الإصلاحيين المؤمنين بموقف المقاطعة القيام بجهد جماعي ضمن الأُطُر المتاحة لتحقيق التأثير الممكن. والأهم اعتبار هذه القضية منطلقاً لاستكمال الحراك الإصلاحي وترسيخه في الوجدان الشعبي، عبر تحديث الآليات، والعمل على التواصل المستمر مع الشرائح الاجتماعية المختلفة.
للمقاطعة رسالة تفيد بوجوب التأسيس لمشاركة حقيقية ومؤثرة لجميع الشرائح الاجتماعية في صناعة القرار، لأنّّ من الصعب هضم الفُتَات الديموقراطي في زمن التغيير.

* كاتب سعودي