تنديدٌ بـ«الجرائم المرتكبة ضدّ الاحتجاجات الشعبيّة السلميّة» في ليبيا و«استنكارٌ لأعمال العنف ضد المدنيّين الليبيين» و«لاستخدام الرصاص الحيّ والأسلحة الثقيلة» ضدّهم بما يمثّل «انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي». لم يرد هذا الكلامُ على لسان ناطق رسميّ باسم منظّمة العفو الدولية أو هيومان رايتس واتش، أو غيرهما من الجمعيات الحقوقية العالمية. لقد ورد في تصريحات كثيرة، أدلى بها الأمينُ العام لجامعة الدول العربية، صاحبُ السعادة عمرو موسى، منذ اشتعال فتيل التمرّد على «قائد ثورة الفاتح» و«ملك ملوك أفريقيا». كان لنا أن نأمل أنّ عمرو موسى، وهو يُتبع التنديدَ بالتنديد، عقد العزمَ على أن يكون انتهاءُ ولايته على رأس الجامعة بدايةَ عهد جديد، ليس فيه «العمل العربي المشترك» مجرّد اجتماعات دورية لوزراء الداخلية ومديري الاستخبارات العربية لتنسيق «مكافحة الإرهاب» مع وكالة الاستخبارات الأميركية. كان لنا أن نأملَ ذلك لولا أنّ اهتماماتِه الديموقراطية لم تطل بلداناً عربية أخرى، لجماهيرها ذاتُ رغبة الجماهير الليبية في التحرر والعدالة والعيش الكريم. لم تطل هذه الاهتماماتُ اليمن ولا الجزائر ولا المغرب ولا البحرين، التي يقمع أميرها البحرينيين بدعم من دول خليجية، تصف في الوقت ذاته سلطةَ العقيد القذافي بأنّها «غير شرعية» (10 مارس/ آذار 2011). كذلك، لم تطل هذه الاهتمامات الديموقراطية والإنسانية مصر وتونس بالأمس القريب. فعمرو موسى لم يُفدنا، خلال الانتفاضتين التونسية والمصرية، بشيء يدلّ على دهشته وهو يرى «وعي الشباب» الثائر («الشرق الأوسط»، 17 فبراير/ شباط 2011)، ولا نذكر شجبَه «الجرائم المرتكبة ضد الاحتجاجات الشعبية السلمية» ولا مطالبتَه بإجراء «تحقيق دولي فيها». كلّ ما أفادنا به، والرصاصُ يحصد المتظاهرين المسالمين بالمئات، دررٌ خالدة من لغته الخشبية الصمّاء من «قلق» و«ترقّب» و«دعوة إلى الحوار» و«التعقّل»، وحديث عن «الضحايا» كما لو كان مَن ضحّى بهم مجهولاً غير معروف. لم يدعُ عمرو موسى الأنظمةَ العربية إلى الاتّعاظ بالدرس التونسي إلا بعد هروب زين العابدين بن علي إلى جدّة. وجّه إليها دعوته هذه خلال القمّة الاقتصادية العربية يوم 19 يناير/ كانون الثاني 2011 (في شرم الشيخ، أي في ضيافة حسني مبارك)، ما كان أشبه بنصيحة أخوية لها بزيادة ميزانياتها الاجتماعية، تحسباً لكل طارئ جماهيري. لم يزر ميدان التحرير إلا بعدما أصبح التلفزيون الحكومي المصري نفسُه يصف المعتصمين بـ«الشباب الرائع» (وإن «اندسّ» في صفوفه «المندسّون»، كما يعلم الجميع)، أي بعد استحالة إخلائه بكتائب البلطجية المحمولة على ظهور الجمال. لم يقل كلاماً جميلاً عن الانتفاضة المصرية إلا بعد انتصارها، ولحاجة في نفس يعقوب، الترشّح لرئاسة مصر، فأوحى إلى أصدقائه بتصويره دبلوماسياً بارعاً (ما ليس بخاطئ إذا قصدنا بـ«الدبلوماسية» ضبابية الخطاب وتناقضه وقدرته على المراوغة الخطابية). وكذلك بأن يتم اعتباره همزةَ وصل ضرورية بين الجيش و«الشارع»، خصوصاً أنّ شباب 25 يناير، كما يظن، «على وعي بأنّهم لا يستطيعون وحدهم قيادة البلاد لصغرِ سنِّهم وقلّة تجربتهم» («الشرق الأوسط»، 17 فبراير/ شباط 2011).

لا يندّد عمرو موسى بمستبدّ عربيّ إلّا إذا اجتمع الإنس والجنّ على التنديد به، وأدانه بالإضافة إلى شعبه، كلّ من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وكان بطبيعة الحال غيرَ مصري. فانتقاد حاكم مصر، انشقاقٌ على «القصر» وتكديرٌ لصفو العلاقات معه، خصوصاً أنّ الجيشَ اليوم هو الآمرُ الناهي فيه وأنّه لا أملَ في الترشح للانتخابات الرئاسية من دون موافقته، فضلاً عن الفوز بها. لا يكفي أمينَ الجامعة العربية للتنديد بزعيم عربي جائر أن يراه يحكم بلدَه بالحديد والنار منذ عشرات السنين. يجب أن يتبيّن جنونُه ويقولَ عنه معارضوه إنّه يقصف المدنيين بالطائرات الحربية، ما لم يقم به طيّب القلب مبارك، الذي اكتفى بالبنادق الآلية لتفريق المتظاهرين وبعرض سلميّ لطائرات أف ــ 16 فوق رؤوس المعتصمين في ميدان التحرير، يوم 30 يناير/ كانون الثاني 2011.
الجامعة العربية رمزٌ للنظام الاستبدادي العربي، لمباركته التدخّل الأجنبي (أو صمته عنه في أحسن الأحوال) ولخيباته المتتالية، من غزو العراق إلى غزو ليبيا المحتمل، مروراً باتساع رقعة الاستيطان في فلسطين. لا يمكن أن نتصور وضعاً عربياً جديداً ترتب له هيئة تجمع قادةً لم ينتخب معظمَهم أحدٌ، ويسيّرها أمينٌ عام، عمرو موسى، صرّح يوماً بأنّه سيصوّت لمبارك لو ترشح للانتخابات وظلّ يمتدحه بعد سقوطه، قائلاً إنّ «الوعي الذي أبداه باستقالته هو ما ينقص العقيد القذافي» («دير شبيغل»، 14 مارس/ آذار 2011).
* صحافي جزائري