مات الشاعر اللبناني يونس الابن. حفلت الصحف اللبنانيّة بمرثيّات عنه (وإن لم تتّشح صحافيّات لبنان بالسواد لأنّ المرحوم لم يكن رجل استخبارات على شاكلة وسام الحسن ــ الذي تحدّثت مجلّة «دير شبيغل» عن علاقة بينه وبين الموساد، وفق مصادرها في أجهزة استخبارات شرق أوسطيّة). والشاعر يونس الابن لم يكن معروفاً من الجيل اللبناني الجديد، الذي يعرف أكثر عن محمد اسكندر وابنه «الشاعر» (بمعنى أنّه فيّاض في المشاعر المعادية والمهينة للمرأة). لكن يونس الابن أثّر في الجيل اللبناني الأول الذي شهد استقلال لبنان (الصوَري، طبعاً). وشعر يونس الابن خلّدته حنجرة وديع الصافي في أغنية «لبنان يا قطعة سما»، كما أنّ صباح خلّدت قصيدة «يسلم لنا لبنان» وخلّد نصري شمس الدين (الذي لم يحظ بالتقدير الذي يستحقّه) أغنية «لبنان، شو لبنان»، ولعازار حبيب أغنية جميلة من كلمات الابن («يا راجع عضيعتنا»). وشعر الابن ركن من أركان إرساء دعائم القوميّة اللبنانيّة في الثقافة الشعبيّة والسياسيّة، وفي الخيال العام الذي خلخل السلامة العقليّة لمسخ الوطن.

ويونس الابن أحبّ لبنان حبّاً جمّاً. كيف لا، وهو أطلق اسم لبنان على ابنه البكر كي يُكنّى بـ«أبي لبنان». واسم «أبي لبنان» كان اسماً حركيّاً في مقلب المنطقة الشرقيّة من بيروت الخاضعة لنفوذ القوّات الفاشيّة في سنوات الحرب. وهناك أكثر من «أبي لبنان» ممن قتلوا مسلمين وفلسطينيّين على الهويّة، لكن لا علاقة لهؤلاء بيونس الابن، طبعاً. وهناك من مقاتلي الـ«أبي لبنان» ممن أتقنوا التعذيب بعد الخضوع لدورات إسرائيليّة مكثّفة. لكن يونس الابن لم يخض معترك الحرب إلا من باب الدعاية السياسيّة، إذ إنّ «صوت لبنان» الكتائبي (والذي كان يخضع لإدارة سياسيّة توجيهيّة من العدوّ الإسرائيلي كما عرفنا من استجوابات مع عملاء لإسرائيل في لبنان) أعطاه برنامجاً صباحيّاً في سنوات الحرب. كان «أبو لبنان» مولعاً بلبنان بيار الجميّل، ولكن لا علم لي إذا كان مولعاً بـ«لبنان» وصبرا وشاتيلا وخدمة العدوّ الإسرائيلي الذي مثّلته خير تمثيل إذاعة «صوت لبنان» في سنوات الحرب. حبيب يونس، متخرّج من مدرسة حرّاس الأرز (ذات التعريف الإسرائيلي للبنان)، يقول في رثائه للابن إنّه كتب «بلغات ثلاث: اللبنانيّة المحكيّة والعربيّة الفصحى والفرنسيّة». لكن نسأل حبيب يونس: هل كتب الشاعر المرحوم بـ«اللغا الزغرتاويّة» أيضاً؟ لعلّه من دون أن ندري كتب بلغات أربع.
لكن قبل أن نستفيض في الحديث عن مشروع يونس الابن «الفكري» ــ بمعنى ربطه بمشروع القوميّة اللبنانيّة ــ يجب الاعتراف بأنّ الابن كان موهوباً، وكان فناناً أيضاً يجيد الرسم والخط العربي. وقد اكتشف الرحابنة موهبته الشعريّة باكراً ولحّن له عاصي (لنقلع عن «خبريّة» الأخوين رحباني) أكثر من قصيدة. لكن موهبة يونس الابن الشعريّة، مثل موهبة سعيد عقل المميّزة، وُظّفت في مشروع بناء القوميّة اللبنانيّة العنصريّة التي نخرت في جسم المجتمع اللبناني وعقله. لا يمكن الاستهانة بإسهامات الابن وعقل بعدما دخلت في الوعي الشعبي اللبناني وأدرجت في المنهج الدراسي المُقررّ في لبنان.
وتبدأ قصيدة «يسلم لنا لبنان» (بعد الموّال الذي لم يكن هناك غنى عنه، لكن الموّال في مطلع الأغنية لم يعد سائداً كثيراً، إذ إنّه يتطلّب أناة من المُستمع والمُستمعة، وفريد الأطرش كان يُدخل الموّال في منتصف الأغنية) بـ«عندي شوفته بكل الدني». يتساءل المرء: الذي كتب هذه الكلمات، هل جال في «كلّ الدني»، قبل أن يقرّر أنّ «شوفة» لبنان «بكل الدني»؟ هل أجرى الشاعر إحصاء أو حتى استطلاعاً من استطلاعات الإنترنت ليُقرّر أنّ «شوفة» لبنان تتفوّق على «شوفة» كل ما عداه من بقاع وبلدان في العالم أجمع؟ ثم تضيف صباح إنّها «استحلت» أن تعيش العمر في «حضنه الهني». لكنّها ولدت هي والشاعر الابن في لبنان، أي أنّه لا داعي للاستحلاء بتاتاً. نفهم أن تستحلي الصبّوحة والشاعر أن يعيشا في حضن لبنان «الهني» (وهذا الهناء يعمّ هذه الأيّام في طرابلس وصيدا أكثر من غيرهما من المدن والقرى اللبنانيّة) لو أنّهما ولدا في البرازيل أو هونغ كونغ، مثلاً. ثم يحيّي الشاعر لبنان كـ«جنّة أمانينا». لكن الابن لم يوضّح طبيعة الأماني، وخصوصاً أنّ الأماني في البلد الطائفي طائفيّة مثله ــ على شاكلة هيئة إدارة النفط اللبناني المُفترض، والذي سينقسم فور خروجه من باطن البحر إلى نفط سني وشيعي ودرزي وماروني وروم الخ. أما أن يكون لبنان «جنّة للأماني»، فهذا ما يتعارض مع تاريخ لبنان وحاضره الزاخرين بالصراعات والحروب الأهليّة
المستمرّة.
وتضيف القصيدة المذكورة إنّ اللبنانيّين مهما تنازعوا وعطشوا وجاعوا، يتشاركون في أنّهم نشأوا كلّهم على محبّة لبنانهم «الغالي» («مهما تنازعنا وعطشنا وجعنا لبناننا الغالي عمحبتو ربينا»). لكن هناك ما هو ناشز هنا: لو أنّ كل اللبنانيّين يتشاركون في النشأة على حب الوطن الغالي، فما يفسّر هذه المهارة في تكرار الحروب الأهليّة المُستمرّة؟ طبعاً، هناك جواب طريف بات جاهزاً عند أعوان إسرائيل في فريق 14 آذار (الوارث الشرعي لجيش أنطوان لحد في لبنان)، إذ إنّهم يصدحون بأنّ الشعب اللبناني هانئ ومُسالم ومُحبّ لولا وجود سلاح مقاومة إسرائيل. ولا ندري إذا كان يجوز إسقاط هذا الطرح عن مسؤوليّة سلاح المقاومة عن الصراع الأهلي على كل التاريخ اللبناني، فيصبح هذا السلاح أساس العلّة في دير القمر وفي باقي مسارح الحروب الأهليّة في القرن التاسع عشر. لكن هذه المقولة مسروقة من مقولة صائب سلام (والذي سرقها بدوره من الأيديولوجيا الكتائبيّة) ومفادها أنّه كان يخشى في عام 1981 «على اللبنانيّين من الاختناق لكثرة العناق لو تركهم الغريب» الفلسطيني. طبعاً، إنّ وحشيّة الحرب الأهليّة زادت وتفاقمت بعدما تركت المقاومة الفلسطينيّة لبنان، والتي كما يدور الحديث في لبنان اليوم كانت تُحمَّل مسؤوليّة كل الحروب والصراعات في لبنان. لكن في الأمر صدفة: إنّ هناك في لبنان من يتنطّح دوماً للقول إنّ أساس المشكلة والنزاع في لبنان يكمن فقط لا غير في السلاح الموجود عند تلك الفصائل التي تقاوم العدوّ الإسرائيلي.
لكن الأغنية التي اختصرت مسّ الجنون في الثقافة الوطنيّة اللبنانيّة تجلّت أكثر ما تجلّت في قصيدة «لبنان، شو لبنان»، وهي مُغنّاة من قبل نصري شمس الديّن (وليس وديع الصافي كما هو شائع خطأً) في مسرحيّة رحبانيّة. والقصيدة تُعزى خطأً أيضاً إلى سعيد عقل، ربّما لأنّ الجنون الوطني التي تتضمّنه يتناسب مع جنون سعيد عقل «الوطني» ــ كيف يمكن وضع كلمة وطني في الجملة نفسها مع الرجل الذي وصف جزّاري صبرا وشاتيلا بالأبطال، والذي شكر العدوّ الإسرائيلي على اجتياحه للبنان وقتله نحو 20000 لبناني وفلسطيني وسوري ــ معظمهم من المدنيّين والمدنيّات؟ تبدأ القصيدة بسؤال بريء عن ماهيّة لبنان: «لبنان، شو لبنان»، وكأنّ السؤال شغل المعمورة على طريقة السؤال الشكسبيري، «نكون أو لا نكون». لكن يونس الابن يسارع إلى الجواب عن السؤال بالقول: «هالكمّ أرزة، العاجقين الكون، هاد قبل ما في كون كانوا هون». أوّاه. يختصر مقطع القصيدة كل علل العقليّة اللبنانيّة. من قرّر أن أرز لبنان عاجق الكون؟ وكيف تقرّر أنّ أرز لبنان عاجق الكون؟ لكن من الأكيد أنّ أرز لبنان عاجق لبنان وأنّ هناك أسطورة خُلقت حول أرز لبنان تدثّرت بالأسطورة الفينيقيّة وعن تاريخ متخيّل للبنان (يعزو كمال الصليبي في كتاب صقر أبو فخر عنه، «الهرطوكي الحكمي»، بداية الأسطورة إلى كتاب طانيوس الشدياق، «أخبار الأعيان في جبل لبنان»، لكن هناك كتابات خصوصاً في كتب الرحّالة الأجانب سبقت إصدار ذلك الكتاب). ونستطيع أن نجد تجليّات للفكر نفسه الذي أنتج قصيدة يونس الابن ترجع إلى الخطاب الذي ألقاه أمين الجميّل في الأمم المتحدة عام 1982 (وبصياغة إيلي سالم وغسان تويني ووديع حدّاد) والذي جاء فيه: «أعطونا السلام وخذوا ما يدهش العالم» (والجملة تنضح بالفكاهة في النصّ الإنكليزي الذي أعدّه الثلاثي الفينيقي، إذ إنّه يهدّد بأنّ الشعب اللبناني سيدهش العالم مجدّداً، أي أنّ الترجمة الدقيقة كان يجب أن تكون: «أعطونا السلام وخذوا ما يدهش العالم مجدّداً.» لكن لبنان أدهش العالم عن حقّ بوحشيّة حروبه الأهليّة.
وهناك تجلّيات سياسيّة وثقافيّة لفكرة هوس العالم بأرز لبنان تظهر في الأخبار التي تزدحم تاريخيّاً على صفحات جريدة «النهار» عن نبوغ لبنان حول العالم، وهي تظهر في الفكر السياسي الذي أقنع الطبقة السياسيّة والشعب اللبناني على حدّ سواء بأنّ العالم كله يتابع تفاصيل الحياة في لبنان، وأنّ لبنان هو أولويّة على جدول أعمال كل الدول. وهي تتجلّى في أخبار عرضيّة شبه يوميّة: ما معنى مثلاً أن يرسل وليد جنبلاط برقيّة إلى باراك أوباما يهنئه فيها على إعادة انتخابه، ويطلب منه فيها بعض الخدمات للبنان ومدّ الجيش اللبناني بالمعونة؟ هذا نتاج المسّ الذي أصاب العقليّة الشعبيّة اللبنانيّة. إنّ المسّ الذي يصيب العقل اللبناني في الصميم يوهم زعيم 80% من 5% من شعب البلد الصغير بأنّ مساعدي أوباما سيقطعون عليه اجتماعه كي يزوّدوه بالنص الكامل لبرقيّة زعيم الحزب التقدّمي الدرزي الجنبلاطي. إنّ المبالغة في تقدير حجم لبنان وأهميّته في المداولات الدوليّة تدفع بزعمائه إلى تقديم الخدمات إلى مختلف الدول لظنّها أنّ خدماتها ستسمح لها بتقرير سياسات دول كبرى. عاد جنبلاط من زيارة قبل أشهر إلى موسكو، وعبّر فيها عن خيبته من عدم قدرته على تغيير وجهة السياسة الخارجيّة لروسيا. بمعنى آخر، لم يفهم زعيم قرية المختارة كيف أنّ الرئيس الروسي لم يغيّر سياسات بلاده إكراماً له. وفي حقبة بوش، ظن فريق 14 آذار أنّ تحالفه الذيلي مع المحور الأميركي ــ الإسرائيلي سيؤهله ليلعب دور الصدارة في تقرير مصائر العالم. انتشى فؤاد السنيورة من تربيت جورج بوش كتفه، لظنّه أنّ التربيت رفع من مرتبته في السياسة العالميّة. (بالمناسبة، زها السنيورة أخيراً بأنّه تلقّى دعوة لإلقاء محاضرة «من جامعة هارفرد» مع أنّ الدعوة أتت من القيادة اليمينيّة الصهيونيّة لجمعيّة متخرّجي جامعة هارفرد، أي أنّه لا صفة أكاديميّة «بنوب» لدعوة السنيورة هذه).
لكن مطلع القصيدة المذكورة يقول أكثر من ذلك: يقول إنّ الأرز سبق وجود الكون نفسه. وهذه الفكرة، أي التقديس الديني شبه الوثني للبنان، سائدة في الثقافة الشعبيّة. إن القول بأنّ الأرز سبق في وجوده وجود الكون هو إضفاء صريح للألوهيّة على أرز لبنان. لكن هناك من يقول (ويغنّي أو تغنّي مثل صباح عن) «أرز الرب»، أي أنّ شجر لبنان هو خاصّ بالله، لكن، لماذا لا يكون شجر الخرّوب أو الزيتون أو الإجاص خاص بالله أيضاً، وخصوصاً أنّ الأرز لا يحمل ثماراً؟ ويضيف يونس الابن: «شاب الزمن والأرز باقي شب». أي أنّ الأرز مثل فكرة الله تعصى على الزمن.
ويكمل يونس الابن نسج الأسطورة في تلك القصيدة التي غنّاها وديع الصافي: «لبنان يا قطعة سما، عالأرض تاني ما إلا». والفكرة كان الابن قد عبّر عنها في قصائد أخرى له تتحدّث عن قرب لبنان من السماء. وهذه الفكرة تفترض أن لبنان أعلى من كل بقاع الأرض قاطبة، والفكرة غير مُستغربة، وخصوصاً أن التغزّل بجبال لبنان يُقنع التلميذ اللبناني بأن جبال لبنان هي وحيدة، أو أنها أقرب إلى السماء _ أو إلى الله لأن الفكر الوثني الأسطوري غير العلمي يفترض أنّ الإله أو الإلهة يقطنون في مكان ما في العلوّ. ثم لماذا يكون لبنان قطعة من السماء، ولا يكون الصومال أو المغرب (وللمغرب أشجار أرز، لكنّها لم تصب شعب المغرب بالمرض العقلي الذي أصاب الشعب اللبناني)؟ وهذا الاستثناء اللبناني يدخل ضمن العقليّة السياسيّة والشعبيّة اللبنانيّة. إنّ فكرة الاستثناء اللبناني كامنة في الاقتراح المُتكرّر لميشال سليمان حول جعل لبنان مركزاً للحوار بين الحضارات، على أن يكون مقرّ المركز إما في باب التبّانة أو في مسجد بلال بن رباح. والاستثناء هو الذي عناه يونس الابن في «عالأرض تاني ما إلا». وهو يوحي بأنّ إمكان وجود مثيل للبنان في الكرة الأرضيّة من المستحيلات، مع أنّ إمكان وجود مثيل للبنان في كواكب أخرى غير مُستبعد. ويضيف الابن إنّ لبنان عبارة عن «لوحات الله راسما». لكن الفكرة تتناقض مع فكرة الأديان بحد ذاتها. والابن كان مؤمناً بالدين المسيحي، وكان عليه أن يعترف بخلق الله لكل البلدان، إلا إذا أراد الابن أن يقول إنّ لبنان هو من خلق الله وإنّ باقي البلدان في العالم هي من خلق الشيطان. هذا ممكن.
لكن الابن يضفي طابعاً سياسيّاً على دور الله في لبنان، إذ يقول: «عالطامعين محرّما». أي أنّ لبنان لا يحتاج إلى استراتيجيا دفاعيّة، إذ إنّ الله يتكفّل بحماية لبنان من الطامعين، مع أنّه تخلّف لأسباب خاصّة به عن حماية لبنان في كل مفاصل الاجتياحات الإسرائيليّة وفي مراحل الاستعمار الغربي، بدءاً من الحروب الصليبيّة.
لا داعي للاستفاضة في أشعار يونس الابن. المشكلة في الثقافة السياسيّة والشعبيّة في لبنان. لكن المشكلة تتفاقم: كانت الأيديولوجيا الفينيقيّة تحكم فكر حزب الكتائب الذي كان محصوراً بجزء من طائفة. لكن اتفاق الطائف ومشروع الحريري في لبنان عمّما أيديولوجيا الوطنيّة الفينيقيّة اللبنانيّة على كل الطوائف، وهي تصيب بأكثر من رذاذ الأبناء والبنات من الفريقين في لبنان. قد يكون تحرير المواطن من هذا الفكر ممكناً، ولكن عبر تهديم بنيان الكيان من أساسه. الفضاء العربي ــ خصوصاً بعد زوال إسرائيل ــ رحب جدّاً.

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)