«في الشرق الأوسط هناك مجال لشاه واحد أو سلطان واحد، ولكن ليس لهما معاً»، هكذا يستخلص الخبير في الشؤون التركية لدى معهد واشنطن تسونر كاغابتاي الذي توصل الى هذه المقولة في سياق أنّ التنافس الإيراني ـــ التركي في الهلال الخصيب قد فتح «علبة قاذورات» بين البلدين، وأنّ تركيا بدورها الحالي هي التهديد الأكبر لإيران، وهو ما قد يدفع إيران إلى إظهار عداونية أكبر تجاه تركيا، إذ إنّ البلدين عادا لخوض لعبة القوة الأقدم في المنطقة. (يمكن مراجعة «تركيا في مواجهة طهران»، نيويورك تايمز، 14 شباط 2012). تعدّ تلك المقاربة الأخطر في الشرق الأوسط، إذ إنّها تنفي إمكان بناء نظام إقليمي متجانس، وتجزم بأنّ مستقبل الشرق الأوسط كتاريخه، أي محكوم بالصراعات الدموية بين أقطابه. تبرز أهمية العلاقة التركية ـــ الإيرانية الحالية بقابليتها لأن تمثّل دليلاً واقعياً على إمكان أن ترسم القوى الإقليمية في الشرق الأوسط مستقبلاً، يحكمه التكامل والتعاون، أو المساكنة على أقل تقدير.

تحظى علاقات البلدين بحساسية خاصة لأسباب شتى، منها: كونهما القوتين الإسلاميتين الأبرز في المنطقة، أي أنّ مستوى الانسجام أو التوتر المذهبي في العالم الإسلامي يتأثر مباشرة بطبيعة العلاقة بينهما. أما الخاصية الأخرى لتلك العلاقات فهي في تأثرها وتأثيرها على طبيعة العلاقة بين القوى الدولية المتورطة في المنطقة (روسيا/ الصين/ إيران بمواجهة أميركا/ الناتو/ تركيا). تتعدد الملفات الشائكة بين أنقرة وطهران، إلا أنّ الأزمة السورية تبقى هي الاختبار الأهم لهما. تدرك كلّ من الدولتين أنّ نفوذها الإقليمي مرتبط بنحو ما بمقدار استحصالها على الشرعية في العالم العربي، لذا تمثل سوريا حجر الزاوية في السياسة الإقليمية للبلدين، وبناءً على وجهتها سيتحدد جزئياً الوزن الاستراتيجي لكلّ منهما في لعبة القوة الشرق أوسطية.
منذ انفجار الأزمة السورية، تجرى المراهنة على أنّها ستؤدي الى صدام إيراني ـــ تركي مباشر ودموي، إلا أنّ الوقائع المتتالية، كالزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لطهران، تشير الى أنّ المساكنة بين الطرفين هي أقصى الخصام. فرغم تعرض القيادة التركية لضغوط عربية وغربية للتصعيد في الملف السوري، بل وتلزيمها إياه بشكل شبه كامل، إلا أنّ أنقرة تبدي حرصاً واضحاً على أن تبقى سياستها تجاه سوريا ضمن الخطوط الحمراء الإيرانية، وهو ما تلاقيه القيادة الإيرانية بدورها في منتصف الطريق.
لقد أقر الغرب أخيراً بالدور التركي كواجهة ضرورية للمصالح الغربية في الشرق الأوسط، وهو ما يعكسه الدور التركي في سوريا. مثلاً، دعا ديفيد بولوك الى الحد من المخاوف التي تدفع روسيا لدعم الأسد، «عبر تشجيع تركيا على طمأنة موسكو بأنّها لا تنوي منعها من لعب دور في سوريا ما بعد الأسد» ( فصل ارتباط الأسد بروسيا، الخميس 22 كانون الأول/ ديسمبر، 2011، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى). بدوره دعا زبغنيو بريجينسكي إدارة أوباما، في ما يخص الأزمة السورية، الى اتباع نصائح الأتراك والسعوديين والعمل معهم، فهما البلدان اللذان لهما المصالح المباشرة في الوضع السوري وكذلك الإمكانية للتأثير، لذا ينبغي العمل معهم وعبرهم، لا قيادتهم حتى ولو لفظياً. (مقابلة مع قناة «س بي أس»، 14 شباط 2012).
يطمح الغرب الى أن يمثّل النموذج التركي مرجعاً في هذه اللحظة الـتأسيسية للنظام العربي، ولا سيما من ناحية علاقة الدين بالدولة وعلاقة دولة ذات غالبية إسلامية بالغرب. خلص سينان أولغن إلى أنّ بإمكان النموذح التركي أن يؤدي هذا الدور، لكن «بشرط أن يتم تقديمه على نحو حذر ولكل قطاع بقطاعه، وبحسب كل قضية وليس كسلة واحدة. فالتجربة التركية أوجدت جملة من السياسات المميزة في الإصلاح السياسي والاقتصادي وبناء المؤسسات. في هذه المجالات، بإمكان تركيا أن تقوم بدور في دعم الديموقراطية وتعزيزها وبناء الدولة في العالم العربي» (من الإلهام الى الطموح: تركيا في الشرق الأوسط الجديد، مؤسسة كارنيغي، كانون الأول 2011). يتغاضى الكاتب في المقابل عن جملة إشكاليات في التجربة التركية، مثل علاقتها بالأقليات الدينية والإثنية، دور المؤسسة العسكرية في العملية السياسية، الموقف من القضية الأرمنية، وموقف الإسلاميين العرب ـــ ومنهم الإخوان ـــ من نموذج العلمانية التركية.
تمثّل علاقة أنقرة بالغرب العقبة الأبرز بوجه بناء تفاهم إيراني ـــ تركي شامل على مستوى الشرق الأوسط، إذ إنّ البلدين هما الأقدر على وضع مداميك نظام إقليمي جديد في المنطقة تحكمه قواعد واضحة للتكامل والتعاون على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. بالطبع، لن يكون هذا النظام المرتجى قابلاً للتحقق من دون دور مركزي لكلّ من مصر والعراق، وبدرجة أقل المملكة السعودية. فالعائق أمام التكامل الإقليمي ليس عدد القوى الإقليمية الكبرى، ولا في التجربة التاريخية لها، وإلا كيف أمكن لكلّ من فرنسا وألمانيا في منتصف القرن الماضي أن تمثّل نواة ما أصبح يعرف بالاتحاد الأوروبي. بالتأكيد، كان للدور الأميركي نصيب لا يمكن تجاهله في بناء الثقة، وإيجاد آليات ومؤسسات للتكامل الإقليمي، فضلاً عن خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا. إلا أنّ ذلك لا ينفي أهمية بروز قيادات فكرية وسياسية ذات وعي جديد ورؤية مختلفة للمستقبل ولهوية المنطقة، وهذا ما يحتاج إليه الشرق الأوسط تحديداً.
إنّ الأحداث العربية الأخيرة، ولا سيما في العراق وسوريا ولبنان، ورغم ما أنتجته من توتر على خط طهران ـــ أنقرة، أتاحت للبلدين إمكانية للتعلم والفهم المتبادل، وخلق آليات للتواصل والتنسيق، واستكشاف فرص التكامل والتعاون، وإدراك حدود القوة والنفوذ، وتلمس عوائد العمل المشترك ومكاسبه، فضلاً عن إتاحة الفرصة لاحتكاك اجتماعي وثقافي أوسع بين الشعبين. ينبغي في هذا السياق أن تنصبّ جهود الباحثين والأكاديمين وأصحاب الفكر وصنّاع السياسات في المنطقة على صناعة خطاب ومفاهيم وخيارات جديدة تؤسس لإمكانية التكامل الإقليمي والنظر الى الآخر من هذا المنطلق، وعدم البقاء رهائن نظريات القوة وتوازن القوى ومعضلات الأمن. الصراع ليس قدرنا في المنطقة، والمكان يتسع لتركيا وإيران والعراق ومصر والخليج، شرط أن نزيل من عقولنا أكذوبة الشاه والسلطان والفرعون والعاهل.
* كاتب لبناني