يتضح يوماً بعد آخر أنّ المراهنين على تغيير الرجل الأول، بل وحتى أغلب رجال الخط الأول، في نظام الحكم، وإجراء سلسلة من الإجراءات ذات المنحى الإصلاحي سيحل مشاكل العراق وينقله من حال الفوضى العارمة والشاملة والتفكك الاجتماعي والاقتصادي التي يعيشها إلى حال مختلفة من الاستقرار والنمو. غير أن تغييرات فوقية كهذه، ومثالها ما تم بعد وصول العبادي وداعميه الى مركز القرار الأول في الدولة، لم تأت بالحل المرجو، إنما زادت الطين بلة.

هذا الواقع المتردي أكد بوضوح أن ما يعانيه العراق دولة ومجتمعاً هو معضلة نظام حكم لا مشكلة قيادات وزعماء تنحل بتغييرهم والإتيان بغيرهم!
إن رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في نهجه الحالي في الحكم، وعلى رغم قصر مدة حكمه التي أكملت المئة الأولى من أيامها، والذي بلغ ذروته في الاتفاقية النفطية بين المركز والإقليم الكردي والتي عرضناها في مقالة سابقة نشرتها «الأخبار» (العدد 2467/ 11 كانون الأول 2014)، لم يكن مخيّراً تماماً، ونحن لا نعفيه من المسؤولية هنا، بل نحاول أن نصف المشهد كما هو: فقد تسلم الرجل دفة السلطة التنفيذية في ظرف خاص جداً، بلغ فيه النظام الذي دأبوا على تسميته «العملية السياسية» نهايته، وأصبح من المستحيل إصلاحه من داخله أو تعويمه لفترة إضافية، وقد أصبحت هذه المهمة أقرب إلى المحال مهما ضخوا من عائدات نفطية وامتيازات وغنائم جديدة لمصلحة الفرقاء من زاعمي تمثيل الطوائف والإثنيات. السبب وراء ذلك هو أن هذه التجربة الحكومية أفرزت تقاطعات وانقطاعات ومقاطعات بين أطرافها المشاركة فيها، فأمسى لكل طرف قائمته الطويلة من المطالب والشروط والتي دونها التهديد بالانفصال التام «كالتهديد بإجراء الاستفتاء على استقلال الإقليم الكردي» أو الانفصال الجزئي ضمن ما بات يعرف بالأقلمة في المنطقة الغربية أو الجنوبية، وصولاً إلى التهديد الصريح برفع السلاح واجتياح بغداد، كما قيل علناً في مناسبات عديدة.

كانت صفقة «عبد المهدي
/ برزاني» ذروة سياسة التفريط التي انتهجها العبادي

وحتى داخل الطرف المهيمن على الحكم، أي «التحالف الوطني»، فقد رفعت بعض أطرافه مطالبها وشروطها بوجه العبادي في محاولة لرفع ما تعتبره حيفا ألحقه بها إفراط المالكي وتشدده وفرديته. لم يكن بوسع العبادي الاستمرار على نهج المالكي، بعد أن وصل الى دفة الحكم في انقلاب أبيض دعمته وخططت له وقادته هذه الأطراف التي تجمعت في ما كان يعرف بتحالف «أربيل/ النجف»، فهذا النهج كرّس الفساد ونشره وعمقه من جهة، ولم يحل أزمة الحكم عبر التراضي وتقاسم الغنائم وتقبيل اللحى. لقد أمست إمكانية دوام تقاسم كعكة السلطة ومغانم العوائد النفطية بين الأطراف المتحاصصة بالطريقة القديمة مستحيلة تماماً، وزاد من تلك الاستحالة الانخفاض الحاد والسريع في أسعار النفط والذي يقترب من خصم ثلث تلك العائدات، ولهذا بدأ العبادي وحلفاؤه باعتماد سياسية تبريد الجبهات الداخلية عبر تقديم التنازلات التي امتنع سلفه المالكي عن تقديمها، ومنها ما تعلق بقضايا الخلاف الشامل وليس النفطي كما يحب البعض أن يسميه مع الإقليم الكردي.
كانت صفقة «عبد المهدي/ برزاني» ذروة سياسة التفريط التي انتهجها العبادي وكابينته الحكومية، إذ حُذفت بموجها الديون المتراكمة على الإقليم بسبب «إضرابه» عن تصدير الحصة المقررة من نفط المستخرج من مناطقه لعامي 2012 و2013 وشهرين من عام 2014، وتبلغ مليارات عدة من الدولارات. لا بل إن أربيل هي التي أعلنت بعد الاتفاقية الأخيرة أن بغداد مدينة لها بـ16 ترليون دينار جراء وقف حكومة المالكي لصرف بعض مستحقاتها من الموازنة! وبمجرد أن وقع الاتفاق الأخيرصُرف قسط أول من تلك المستحقات بلغ نصف مليار من الدولارات حُوّلت من قبل وزير المال الاتحادي «عن الكردستاني» بعد ساعات فقط على التوقيع، على أن يليها صرف قسط ثان بمبلغ نصف مليار دولار آخر خلال أيام. كذلك دُفعت رواتب ومستحقات البيشمركة (وهي مليشيات مدنية كردية مسلحة تأسست منذ الستينيات من القرن الماضي وخاضت حروباً عدة ضد الحكومة المركزية) كما جرى تحريك ملف كركوك والمادة 140 من الدستور التي تتعلق بما يسمه هذا الدستور «المناطق المتنازع عليها». واعترفت بغداد ضمناً بأن كركوك باتت تحت سيطرة البيشمركة الكردية، وأن تصدير النفط منها سيكون بالاتفاق مع حكومة الإقليم وعبر أنابيبها التصديرية الخاصة والمتجهة إلى سواحل تركيا على البحر المتوسط إضافة الى بنود أخرى لا تقل أهمية وخطورة وإجحافاً بالدولة العراقية أو ما تبقى منها.
لم يكن تفريط العبادي وتحالفه الوطني حكراً على هذه الاتفاقية «الصفقة» بل ترادف مع سلسلة من الإجراءات والقرارات والصفقات تتعلق بعناوين وميادين أخرى من أخطرها:
ــ الموافقة على عودة الآلاف من العسكريين الأميركيين، ومنحهم حصانة قضائية تجعلهم فوق القانون العراقي. وهذا أمر نفته حكومة العبادي نفياً عجيباً: فقد نفت وجود قوات أميركية أولاً، ثم اعترفت بوجود مدربين عسكريين أميركيين ثانياً، ثم نفت أنها منحتهم حصانة قضائية بل حصانة سمّتها دبلوماسية ثالثاً، وأخيراً ألقت بمسؤولية ذلك على الحكومة السابقة لها، وكأن حكومة المالكي سقطت من السماء ولم يشكلها ويقودها التحالف السياسي ذاته، والحزب الإسلامي ذاته «الدعوة الإسلامية»، وله ينتمي العبادي الذي وصف المواهب القيادية لزعيمه الحزبي السابق والحالي – المالكي - حين تسلم منه مهمات الرئاسة بـ»المذهلة»!
ــ الموافقة على تشكيل قوات «الحشد الشعبي» من الفصائل الشيعية المسلحة كـ»بدر» و»العصائب» و»كتائب حزب الله» و»سرايا السلام» الصدرية و»سرايا المجاهدين» و»كتائب عاشوراء» التابعة لحزب المجلس الأعلى و»كتائب الإمام علي» وغير ذلك من كيانات مسلحة، وتمويلها وتسليحها بمبالغ طائلة. صحيح أن المردود العسكري لهذه القوات لا يمكن إنكاره في صد مسلحي «داعش» ووقف تداعيات الانكسار العسكري للجيش الحكومي في الموصل وتكريت والفلوجة ولكن المعارك لم تحسم وليست في طريقها إلى الحسم القريب بل دخل الوضع العسكري في حالة من الجمود وثبات الخنادق بعد استعادة بضع بلدات منها آمرلي وبيجي وجرف الصخر إضافة الى مصفاة بيجي وسد الموصل، ثم أن الثمن الاستراتيجي لتشكيل هذه القوات اجتماعي لذلك سيكون باهظاً. وقد تحولت هذه القوات بمرور الوقت وحيثيات الأمر الواقع إلى قوات مسلحة مدنية من مكون طائفي واحد، رغم أن المرجعية الشيعية العليا حين دعت إلى تشكيل هذه القوات قامت بتوسيع دعوتها لاحقاً لتشمل «جميع فئات الشعب العراقي وعلى أن يتطوع القادرون والمستجيبون لدعوتها في صفوف الجيش وليس في مليشيات مستقلة عنه». نستدرك ونضيف أن السياسيين العراقيين يعتبرون كلمة «مليشيات» الأجنبية والتي ليس لها مقابل عربي حصري سُبة وشتيمة، ربما لأن أغلبهم قادمون أو مدعومون من مليشيات! وقد زاد من حساسية هذه الكلمة أن الإعلام الطائفي والتكفيري المضاد دأب على وصف هذه القوات بـ»المليشيات السائبة»، علماً أن كلمة «مليشيات» استقرت في الاستعمال الإعلامي والسياسي العراقي للدلالة على المليشيات الشيعية فقط، أما المليشيات السنية فيشار إليها بعبارة «الجماعات المسلحة» وهذان الاستعمالان عراقيان حصراً.
ــ الموافقة على تشكيل مليشيات مقابلة للحشد الشعبي تدعى «الحرس الوطني» في المناطق ذات الغالبية العربية السنية، والتي رفضت أغلب زعامات هذه المناطق دخول الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي لمحافظاتها. واعتبرت ذلك خطاً أحمر، رغم أن بعض هذه الزعامات حملت مسؤولية سيطرة «داعش» على عدد من مدن هذه المناطق لانسحاب الجيش الحكومي وطالبت بإرسال المزيد من هذه القوات الحكومية في مناسبات أخرى. ويتأكد بالتدريج ومن خلال تسريبات وتصريحات رسمية أن الحرس الوطني سيتشكل من مكون واحد هو المكون العربي السني وبقيادات عسكرية من جيش النظام السابق والمنظمات المسلحة التي تشكلت في سنوات الاحتلال الأولى وتحت الإشراف العسكري والسياسي الأميركي المباشر والكثيف وبتمويل عراقي.
إن جوهر هذا التطور يعني تحويل المحاصصة الطائفية في المؤسسات الأمنية ومنها الجيش إلى تأسيس جيوش منفصلة قائمة على أساس طائفي وعرقي هي الحشد الشعبي الشيعي والحرس الوطني العربي السني والبيشمركة الكردي، وقد قوبلت دعوة أحد أقطاب نظام المحاصصة، (هو مستشار الأمني الوطني السابق والمعين من قبل حاكم العراق الأميركي بول بريمر، الطبيب موفق الربيعي) لدمج هذه الجيوش في قوة واحدة تدعى «قوات الحرس الوطني» بالسخرية والاستهزاء من قبل جميع الأطراف.
استمرت حكومة العبادي في المسار التفريطي الذي بدأت بعض تمظهراته في عهد الحكومات السابقة كالتعينات الإرضائية ذات الطابع السياسي، إذ عُيّن أغلب القيادات السياسية السابقة في مناصب لا مردودية لها، ولا قيمة سياسية أو إدارية ولكنها برواتب خيالية، كتعيين ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية تصدق عليهم صفقة «الأصدقاء الألداء»، وهم علاوي والمالكي والنجيفي. وهؤلاء الثلاثة لم يجتمعوا سوية على طاولة اجتماع واحدة ذات مرة، ويكفي لمعرفة طبيعة هذه التعيينات التفريطية أن نعلم أن رئيس الجمهورية نفسه ذو منصب تشريفي ورمزي فكيف يكون له ثلاثة نواب؟ إضافة الى ذلك استمر تعيين وانتخاب نائبين لرئيس مجلس النواب ومثلهما لرئيس الوزراء علماً بأن الاتفاق قد أجري بين أهل الحكم على أن تكون هذه المناصب للفترة الانتقالية فقط وقد انتهت هذه الفترة منذ ثماني سنوات.
خلاصة القول هي أنّ هذه الأمثلة على النهج التفريطي الذي يعتمده العبادي وتحالفه المهيمن على الحكم ليس جديداً، وهو لن يكون حلاً لمعضلة النظام غير القابلة للحل وهي من ناحية أخرى تعبير صريح على موت وفشل هذا النظام أولاً. وهي الوجه الآخر للعجز عن إصلاح غير القابل للإصلاح الذي وصلت إليه حكومة المالكي السابقة لها، فرغم أن منهجية المالكي اعتمدت الإفراط في الممانعة والرفض اللفظي واللف والدوران ولكنها انتهت إلى وجود سلطة الفرد الواحد المحافظ بمحازبيه ومستشاريه فقط، ومقاطعة الأطراف المتضررة كافة، حقاً وباطلاً، من هذا النهج، والتي عوقبت بحرمانها موقتاً من الحصول على مغانم الحكم وامتيازاته. بكلمات أخرى، فإن النهج الإفراطي لحكومة المالكي هو الوجه الآخر وغير المنتج بل والتخريبي لنهج حكومة العبادي التفريطي وكلاهما سيقود إلى خراب العراق وإلحاق الأذى بشعبه ونهب ثرواته وجعل التقسيم «حلاً سائغاً» في نظر العراقيين، وهذا ما تسعى إليه واشنطن وحلفاؤها الإقليميون وفي داخل العراق. ولهذا فهم يحاولون إحياء عظام العملية السياسية الطائفية وهي رميم، رغم أن العقل والمنطق والتجربة تقول إن «لا حلَّ لها إلا بحلّها»، ولكن أهل الحكم يريدون إقناع الناس بمقولة تهديدية مفادها: «ودون حلّها خرط القتاد»!
* كاتب عراقي