على مدار سنوات سبع، عاش أبناء الديانة المسيحية شعور الخوف على تاريخهم ومستقبلهم، في ظلّ ما مرّت به منطقة الشرق الأوسط من موجة قتل وإرهاب إثر انتشار التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق. كاد المسيحيون أن يخسروا مناطقهم فعلاً، بما تحمله من تاريخ يصل إلى عصر نبي الله عيسى المسيح، لولا أن هناك من قدّم الشهداء لكي تُحفظ هذه الحضارة وأبناؤها. وفي ظلّ الأزمة المفاهيمية والقيميّة التي يمرّ فيها في لبنان، والهجوم الذي يشنّه فريق معروف من السياسيين على المقاومة، ورفده بموقف صادر عن المطران الياس عودة، الذي يجب أن يتحلّى بحسّ المسؤولية والموضوعية التي تجعله يميّز بين من حمى المسيحيين ومن أراد قتلهم وتهجيرهم، من المفيد جداً أن نعيد إلى الأذهان التذكير بالمشروع الذي كان يسعى له تنظيم «داعش»، ويستهدف من خلاله أبناء الشعوب العربية وفي مقدمتهم المسيحيون في الشرق، والإشارة إلى من حمى هذه الأقلية ولم يكن يريد منها أيّ شكر مقابل.

لن أذهب بعيداً في اختيار الأنموذج المكاني للحديث عمّا قامت به التنظيمات الإرهابية بحقّ المسيحيين، فلا تزال الأحداث في سوريا شاخصةً أمامنا كنموذجٍ لما كان يحضَّر لأبناء الأمة العربية، حيث أسفر النزاع المسلّح عن تدمير النسيج الاجتماعي في سوريا، وأدّى انتشار الجماعات الإرهابية إلى تهديد الأقليات الدينية، عبر تكفير الأديان المختلفة واستهداف دُور العبادة، والسعي لتهجير هذه الأقليات، خصوصاً أبناء الديانة المسيحية.

في سوريا... معاناة من القتل والتهجير
تُعدّ الأقليات الدينية إحدى ضحايا الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيما «داعش» و«جبهة النصرة» في سوريا، وذلك نتيجة الفكر الذي تعتنقه هذه التنظيمات، والأيديولوجيا المتطرّفة، التي كانت تبثّها في المناطق السورية، ما أدّى إلى ارتكاب جرائم كثيرةٍ بحقّ هذه المجموعات. وقد عاشت الأقليّات الدينية فتراتٍ عصيبة جعلت جزءاً كبيراً منها يهاجر خارج البلاد. وكما كان الأقباط عُرضةً لإرهاب «داعش» في مصر، كذلك كان الأيزيديون في العراق. إلّا أنّ المسيحيين كانوا من أكثر الأقليات استهدافاً في سوريا، وقد لعب تحويل النزاع من نزاعٍ سياسيٍ إلى نزاعٍ طائفيٍ دوراً بارزاً في تهديد الأقلّيات الدينية فيها، وكان هذا الاستهداف كبيراً للمسيحيين، علماً بأنّ الجماعات المُتطرّفة استهدفت الطوائف والمذاهب الأخرى من الشيعة والدروز والعلويّين، بل استهدفت كلّ من يخالفها.
وبعد توسّع الجماعات الإرهابية وانتشارها في معظم المدن السورية، بدأت هذه المجموعات تعمل على التطهير الطائفي والمذهبي. وقد حصل ذلك خصوصاً بعد احتلال حمص والقصير، حيث راحت هذه المجموعات تُمعن بهذه الأعمال في كلّ قريةٍ تطالها، وتعتدي على الكنائس والأديرة والكهنة وأبناء الديانة المسيحية بالقتل والخطف*.
ولطالما عُدّت مدينة القصير نموذجاً للعيش المشترك في سوريا، حيث يقطنها سوريون سُنّة وشيعة ومسيحيون، ولكلّ من هؤلاء دُور عبادتهم الخاصّة، ولهم الحرية بإقامة شعائرهم الدينية، كما يتواصل أبناؤها مع بعضهم ويحترمون مذاهبهم المختلفة؛ إلّا أنّ المجموعات الإرهابية، التي دخلت القصير عام 2012، عمدت إلى استهداف هذا العيش المشترك، وعملت «على فرض واقعٍ جديدٍ داخل المدينة، فقامت منذ وصولها بعمليات القتل والذبح والتهديد والتنكيل بحقّ الكفر والمرتدّين، فتمّ هدم الآلاف من منازلهم وحقولهم وقراهم، بعدها انتقل التهجير إلى قرى ريف القصير، وخصوصاً الغربي حيث يعيش الشيعة والمسيحيّون». بعد هزيمتهم في القصير، توجّه الإرهابيون نحو قرى القلمون، ودخلوا معظم مناطقها، بما فيها المناطق المسيحية في صيدنايا وقرية معلولا التاريخية، التي تعدّ أحد أهم الأماكن التراثية بالنسبة إلى المسيحيين في الشرق، وتذخر بالعديد من الأديرة والكنائس*.

لعب حزب الله دوراً كبيراً عابراً للطائفية يتمثل في الدفاع عن الأقليات الدينية


وسيطر الإرهابيون في «جبهة النصرة» على كامل معلولا، في أول كانون الأول/ يناير من عام 2013، فقاموا برمي المتفجّرات من أعلى النقاط في القرية وهدموا الكثير من المنازل، ومن ثمّ قاموا بهدم وحرق كلّ المواقع العبادية في معلولا من كنائس وأديرة وتماثيل، كما خطفوا ثلاث عشرة راهبةً من دير مارتقلا، وبدأوا بدعوة الناس إلى الإسلام وإلّا مصيرهم القتل، وهذا ما حصل مع بعض الشبّان*.
بالإضافة إلى ما تقدّم، تمّ اضطهاد المسيحيّين في منطقة الرقة، «التي يوجد فيها ست كنائس في تل أبيض والطبقة وغيرها، ويقطنها 3000 مسيحيٍّ، حيث تمّ تخييرهم بين التهجير أو دفع الجزية أو القتل، فهاجر حوالى 95% هرباً من «داعش»، بعدما حُرِقت كنائسهم وتمّت مصادرة أملاكهم وتمّ بيع نسائهم». بالإضافة إلى ذلك، تمّ ذبح سبعة كهنة في حماة، وراهب في حلب، وخطف آخرين، ودُمّرت الكثير من الكنائس ذات الطابع الأثري.

من ساهم في حماية المسيحيين في سوريا؟
لقد نالت المناطق المسيحية ــ للأسف ــ قسماً كبيراً من الأعمال الإرهابية، وهذا ليس سوى بعض ممّا حدث للمسيحيين، الذين كانوا يعيشون بأمان في كنف الدولة السورية، حيث لعبت الجماعات الإرهابية، بمختلف مسمّياتها، دوراً خطيراً جداً في تهجير المسيحيين من سوريا، ضمن مخطّطٍ لتهجير الأقليّات وخصوصاً المسيحيين المشرقيّين، الذين استهدفتهم هذه الجماعات. وقد أرادت من ذلك تهديد هذه الدول، عبر إفراغها من أبنائها وضرب العيش المشترك وتفكيك نسيجها الوطني.
هنا تكمن أهمية دور المقاومة (حزب الله) وأمينها العام السيد حسن نصر الله، فالدور الكبير الذي لعبه حزب الله في سوريا لم يقتصر فقط على حماية الحدود اللبنانية، وقد تحدّثنا في مقال سابق في صحيفة «الأخبار» عن هذا الموضوع. وليس ذلك من خلال المساهمة في حماية الدولة السورية، إذ لعب حزب الله دوراً كبيراً عابراً للطائفية، يتمثل في الدفاع عن الأقليات الدينية، التي عمل «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية على استهدافها. فقد بدأت هذه التنظيمات بالتطهير العرقي ضدّ الأقليات في المناطق التي دخلت إليها، وفي مقدمتها القرى المسيحية في مدينة حمص والقصير والقلمون كما ذكرنا، وفي المقابل دخل حزب الله هذه المناطق وحرّرها وقام بحماية أهلها، ومن يتسنّى له زيارة المنطقة، يعرف مدى أهمية الدور الذي لعبته المقاومة في الحفاظ على المناطق المسيحية التاريخية، وعلى أهلها وشبابها وأطفالها وطقوسها، من دون أن يطلب أيّ مقابل، وهذا ما يؤكده أهل تلك المناطق. ومن الإنصاف الوقوف على الحقائق قبل مهاجمة من وقف إلى جانب أبناء الكنيسة، كما من العدل إنصاف حزب الله الذي قام بحماية هذه الكنائس في حين قامت التنظيمات الإرهابية في تدميرها وقتل رعيّتها في كثير من الأحيان. ولم يقتصر هذا المشروع على سوريا، إنما كان محضّراً لأبناء هذه الديانة في كل منطقة الشرق الأوسط، وما حصل في العراق مثلاً لا يقل عمّا حصل في سوريا، وهذا ما كان يحضر للبنان في ظلّ احتلال التنظيمات الإرهابية جرود القاع ورأس بعلبك وغيرها من المناطق. تلك الجماعة التي تحدث عنها المطران عودة، هي من قدمت خيرة شبابها شهداء للدفاع عن اللبنانيين جميعاً.

المراجع:
أحمد شبيب مسلماني، حزب الله والجغرافيا السياسية للأقليات (معلولا نموذجاً)، الطبعة الأولى، بيروت، دار بيسان، كانون الثاني 2019، ص 130.
نضال حمادة، معركة قادش الثالثة (أسرار حرب القصير)، الطبعة الأولى، بيروت، دار بيسان، 2014، ص 208.
(مسلحو جبهة النصرة يقصفون دير مار سركيس وباخوس ويفكّكون تمثال العذراء في معلولا، صحيفة النهار اللبنانية، 7 أيلول/سبتمبر 2013، ورضوان مرتضى، نصارى الشام: الإسلام أو الجزية أو الرحيل، صحيفة الأخبار، العدد 2202، 21 كانون الثاني/يناير، ص 8).

*أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية