تروي «ملحمةُ جلجامش» الأسطوريّة أنّ جلجامش ملك أورك الذي ينحدرُ من أبٍ بشريٍّ وأمٍّ سماويّة، جالَ مع صديقه الأثير أنكيدو في رحلةٍ للبحثِ عن معنى لوجوده؛ وعن سبيلٍ يجعلُ منهُ اسماً خالداً أو يهبهُ حياةً أبديّة. قامَ، في سبيل ذلك، بقطع غابات الأرز التي كانت تقطنها «الآلهة»؛ علَّ هذا العملَ التخريبيّ يُخلّد ذكراه. رفض الزواجَ من إلهة الخصبِ عشتار، وقتلَ ثورَ آنو المقدّس. غاصَ في أعماق بحر دلمون (البحرين حاليّاً) ليقتلعَ عُشبَ النضارة والشباب الأبديّ. لكنّ شيئاً من ذلك كلّه لم يُجدِ نفعاً. عادَ الرّجلُ مُجهَداً قلِقاً؛ وماتَ في مملكته العظيمة أورك؛ شاغرَ الوفاض من المعنى، وخليّاً من فكرةٍ وجوديّةٍ ينتمي إليها بكلّه. لطالما كانَ الخيالُ البشريُّ خصباً في رسمِ الأساطيرِ التي تسكنُ هواجسه؛ وهو بطريقةٍ بيّنةٍ يُعبّر عن قلقنا المعرفيِّ الأكثر بدائيّةً وحضوراً: «ما هو مَعنى وُجودنا، وكيفَ نصِلُ إليه؟». السؤالُ البكرُ هذا لم يفقد حساسيتهُ يوماً؛ ولا ألمه. وفي ما يخصُّ «كيفَ الوصولِ» تحديداً؛ فقد وجد الإنسانُ في المعتقدات، على اختلافِ أنواعها، وبغضّ النّظرِ عن صوابيّتها طبعاً، راحةً للنفسِ البشريّةِ؛ أمّا السؤالُ الدائمُ فهوَ قلقٌ دائم. كانت تلكَ المعادلةَ الأكثرَ رسوخاً في العقلِ البشريِّ مُذ كان. وفي حينِ لم ينتصر أحدُ منطِقَي السؤالِ أو التسليمِ على الآخر يوماً، لم ينفكّ هذا الكائنُ المعتدُّ بعقلانيّته المحدودة يُحاوِلُ منطَقَةَ الأشياء تحت سقف فهمه وإدراكه. «التديُّنُ» إذاً بمعنى التسليمِ فطريّ فعلاً، والسُّؤالُ بدورِهِ تمرُّدٌ فطريٌّ على استفزاز التسليم.


الإجابات الوجوديّة
كُلّ ما يُسمّى «ديناً» يكتنزُ إجابةً أو مجموعةً من الإجابات الوجوديّة الشافية (هكذا يفهمُهُ المؤمنون تقليداً). في حين يفهمهُ المتدينون الحركيّون تنظيماً لعمليّة السؤال فحسب؛ سعياً للوصول إلى الحقيقة السيّالةِ، أو بعضها. الفارقُ بين النظرتَين مهولٌ حرفيّاً، والأولى (التقليديّة) أكثرُ رواجاً بما لا يُقاسُ من الثانية، التي تكاد تنعدمُ إلا في بيئاتٍ نخبويّة. يكادُ المتديّنونَ الحركيّونَ يجزمونَ بأنّ الله ينتصرُ للسؤالِ لا للإجابة، ويرمي إلى صقلِ كائنه البشريَّ الأثيرِ، طوال حياته، في أتونِ البحثِ الشيّق والشائق هذا. في حينِ يَغرقُ التقليديّون حتّى رؤوسهم في طمأنينة الجواب؛ وهو ما ينعكسُ فعلاً على دافعيّتهم للتديُّن نفسه؛ ليُصبح أقربَ إلى التكرارِ المُؤنِسِ منهُ إلى فهم فلسَفةِ الفعل الدينيّ المُكرَّر.
قد يكونُ اصطلاحا: «الحركيّين» و«التقليديّين» غيرَ منصفٍ بحدّ ذاته؛ لكنّهُ دلاليٌّ صرفٌ لا يُقصدُ منهُ التزكيةُ أو التوهين. وبعيداً بعضَ الشيء عن هَذين، تنامى تيّاران آخران مُلفِتان: أوّلهُما يتصالحُ مع فكرة اللاجواب بطمأنينةٍ تامّة؛ ولا ينتمي لقلقِ السؤال أصلاً؛ العبثيّةُ الوجوديّةُ مقبولةٌ لديه، والقيمةُ للّحظة واستغلالها بألذِّ طريقةٍ مُمكنة. وهم إذ لا يعبؤون بالسؤال نفسه؛ لا يولونَ أدنى أهميّةٍ لمناقشة الإجابات الدينيّة الرائجة.

نحنُ نتحدّثُ عن فئة تمتلك جُرأة صناعةٍ أديانها أو مذاهبها الخاصّة


في حين يتنامى تيّارٌ ثانٍ شبه عَقديٍّ؛ بدأ يلقى رواجاً متزايداً في الأوساط الشابّة وذائقتها الجريئة؛ وباتَ يُمثّلُ ظاهرةً فعليّةً تضمُّ من يميلُ إلى خلق منظومته الفكريّة بشكلٍ شخصيّ صرف، أو حتّى طُقوسهُ أحياناً. وبلغةٍ تقنيّةٍ؛ نحنُ نتحدّثُ عن فئة تمتلك جُرأة صناعة أديانها أو مذاهبها الخاصّة، وليسَ مُجرّدَ أفهامها الشخصيّة للدين أو المذهب؛ وهو مفترقٌ كبيرٌ يفصِلُ جُزءاً من الشارع عن المؤسسات الدينيّة؛ بما لذلك وعليه. «دينٌ» قد لا يتجاوَزُ عددُ مُعتنقيهِ الفردَ الواحد، أو بضعة أفراد ممن ينقادونَ لرأيه ويتأثّرونَ به. ويميلُ هؤلاء إلى قولبة معتقداتهم بحيث يرتاحون لها، وكذلك آرائهم الفقهيّة (وإن لم يُغادروا عناوينهم الدينيّة العامّة). ولهم آراء شخصيّة حاسمة في مسائل كالعلاقات، الزواج الثاني، المأكولات والمشروبات المحرّمة، فضلاً عن أفهامهم المستقلّة لمحاور عقديّة رئيسة؛ كالوحي، العصمة، العالم الآخر... إلخ؛ ويُصرّحون غالباً بالاختلاف في هذه المسائل. الملفت أنّ أثر هذه التديّن الشخصيّ يكاد يُعطي الطمأنينة النفسيّة ذاتها للتعبّدُ مع الجماعة؛ بل ورُبّما يتفوّق عليها بإحساس صاحِبهِ بالفرادة العقديّة أو الطقوسيّة. هذا اللون من التّفريغ الدّاخلي للفكرة الدينيّة ظاهرةٌ بحدّ ذاتها؛ حَريّةٌ بالتفكيك والدرس.

الدّينُ للفرد أم للجماعة؟
ما سبقَ يوُصلنا إلى سؤالٍ منطقيّ: هل الدينُ، في جوهرهِ، تجربةٌ فرديّةٌ لتحقيق السلام الذاتيّ، أم حاجةٌ اجتماعيّة بغرض الأمن الفكريّ والسُّلوكيّ العَام؟ وهل يُؤثّرُ ذلكَ على عُمقِ التجربةِ الدينيّة نفسها؟ الحقيقةُ أنّ الإجابة لم تكن يوماً بالسهولة التي قد تبدو عليها في مقاربةٍ دينيّةٍ تقليديّة. وفي سياقٍ مُماثلٍ طرحَ الفيلسوف وعالم النفس التربوي الأميركي وليم جيمس (1842_1910، والمناهض العنيد للمؤسسات الدينيّة والتنظيمات الكنسيّة آنذاك) فكرةً جديرةً بالنّقاش؛ تتمحور حول «الصلاحيّة النفسيّة» للأُطُر الدينيّة أو انشقاقاتها المذهبيّة.
الرّجلُ ابتعدَ في كتابه «الصّور المختلفة للتجربة الدينيّة» (1902م) عن مناقشة الموضوع من حيث مبدأ «الصحّة العلميّة» أو «الثبوت التاريخي»؛ إنّما حاولَ مماسّته كتجربةٍ تنسجمُ أو تتعارضُ مع الهدف الأكثر أصالةً في عالم البشر: «البقاء». بمعنى: هل التّديّنُ (والتّمذهبُ ضمناً)
تجربةٌ مساعدةٌ على بقاء النّوع البشري؛ أم مُهدّدةٌ له؟
هذا السؤالُ في حِدّتهِ وبدائيّته؛ يُعيدُ البحثَ عن التديُّن أو التّمذهُب إلى خانة «الصلاحيّة»؛ ويُلزمُ القائمين عليهِ بمستوى من التنافسيّةِ لتقديم رؤيةٍ معرفيّةٍ تجدرُ بالبقاء والاستدامة (وهو برأيه ما لا يحصلُ في أكثر جوانب الخطاب الدينيّ التقليديّ).

يرزح جزءٌ كبير من الخطاب الدينيّ اليوم تحت عبثٍ مُحرجٍ في طرح ومناقشة مسائل بائدة


وفي معرض الإجابة عن السؤال من حيث كون «الدين» تجربةً فرديّةً أو تسليماً جماعيّاً؛ اختلف المتديّنون أنفسهم حولَ ذلك؛ بينَ من أكّدهُ في الإطار الفرديّ وأشرعَ قنواتِ «عرفانٍ وتصوّفٍ» غاية في التنوّع؛ تفيدُ أنّ الطرُقُ إلى الله بفردانيّة النّاس و«عدد أنفاسِ الخلائق». ومن حدّدهُ كنظامٍ اجتماعيٍّ عُصبويٍّ، يصبُّ في سيطرة القوّى الحاكمة على المجتمعات، كما ألمحَ ابنُ خلدون في الفصل الثالث من مقدّمته الشهيرة؛ حينَ تحدّث عن نظريّة العصبة في شدّ أواصر المجتمعات واستتباب نظام الحكم (ومن ضمنها العصبة الدينيّة، العرقيّة، المناطقيّة،...). هذا إلى جانب «جامعي الآراء» المعتادين؛ الذين يجهدون للمواءمة بين كل الخيارات المتاحة؛ فيكونُ الدّينُ من منظورهم ظاهرةً فرديةً واجتماعيّةً في آن.
أمّا جيمس فقد خلصَ إلى أنّ الدين، ليكون حالةً حيّةً لدى معتنقه، لا بُدّ أن يكونَ تجربةً فرديّةً من ألِفها في عمليّات البحث عن الأسئلة الوجوديّة؛ إلى يائها في بناء القناعات وما يرتكز عليها من سلوكيّات وأخلاق عمليّة. ورأى أنّ الحياة الدينيّة المتفرّعة عن خطاب طبقة الكهنوت أو الانصياع لما يعيشه المجتمع، ما هو إلّا تقليدٌ ممجوجٌ لا يُنتجُ سلوكاً شريفاً إلا بقدرِ الخوفِ من وعيدِ المرويّات الدينيّة التي تتحدّث عن عقوبة المخالفين. وبعبارةٍ أكثرَ مُباشرةً فإنّ التديّن حينها يخسر «ما هو أصليٌّ وحقيقيّ»؛ وينقلب إلى «طقوسيّة عمياء وعادات عقيمة جوهرها ميت»؛ والرّأيُ لجيمس. غايةُ هذه النّقطة؛ أنّ الدّينَ بلَحظِ كونهِ حالةً فرديّة يتجذّرُ بشكلٍ أكثرَ عُمقاً. وفي حين أنّ الاعتداد بالفهم والرأي الفرديّ في عصر الحداثة هذا قد بَلغَ مستوى لا تُقيّدهُ السلطات الدينيّة أو الأفهام الموروثة؛ فإننا بالفعل أمام ظاهرةٍ حقيقيّةٍ لصناعة أديانٍ ومذاهبَ فرديّة؛ لا مُجرّد أفهامٍ خاصّةٍ ضمن الأديان والمذاهب. المناخُ العالميُّ يضربُ عميقاً في دعم الفردانيّة المعرفيّة والسلوكيّة؛ وفي هذا تحوّلٌ نوعيٌّ ضخم في خطّ التطوّر الزمني للأديان؛ بغضّ النظر عن كمّه الآن طبعاً.
يرى بعضُ الدّارسين أنّ مُستقبلُ المؤسسات الدينيّة، وإن فيما بعدَ الأمدِ المنظور، يكادُ يتوقّفُ على قدرتِها على الإشرافَ والمُساعَدَةَ في ترشيد الجهودِ والأذواقِ الفرديّة للبحثِ عن طريقها إلى «سماءٍ» ما. وأنّ تموضع «رجال المعرفة الدينيّة» ما بين الإنسان المؤمن وإلههِ باتَ غيرَ مُستقرٍّ إلى حدٍّ بعيد، وليسَ من المعلوم أنّها ظاهرة سلبيّة إن تمّ ترشيدها لتطوير النبوّات الفرديّة. غيرَ أنّ المؤكّدَ حساسية (وخطورة) العمل على آليّاتٍ لا مركزيّةٍ تستطيع قيادة المعرفة الدينيّة وتنضيج «الاجتهاد الفرديّ»؛ وأن تكون فاعلةً وقادرةً على مواكبة بيئة المعرفة التي تنفجرُ في كلّ اتجاه. يرزح جزءٌ كبير من الخطاب الدينيّ اليوم تحت عبثٍ مُحرجٍ في طرح ومناقشة مسائل بائدة. وفي حينِ يُمكنُ للميّالين إلى الاسترخاء المعرفي مجرّد إنكار مثل هذه التحدّيات وبعديّاتها؛ فإنّ انتشار الظاهرة الآنفة باتَ مسألة وقتٍ، لا أكثر.
* باحث وأستاذ حوزوي