عدنان منصور *

لعل المرحلة التي يمر بها العالم العربي اليوم هي من أخطر المراحل التي يواجهها منذ النكبة عام 1948. فهو يعاني من سياسات إسرائيلية عملية تنفّذ على الأرض، مستهدفة وحدة الأمة وأمنها القومي بكلّ أبعادها السياسية والجغرافية والاقتصادية والعسكرية.
في السنوات الأولى للقرن العشرين، جاءت اتفاقية «سايكس بيكو» لتقسم المشرق العربي وتبعد أيّ أمل أو حلم بإنشاء دولة عربية موحدة تؤسس لنهضة بعد انحطاط سبعة قرون. لم يكتف الغرب بهذا المقدار من مؤامرته، بل ذهب إلى أبعد من ذلك متواطئاً ومتعاوناً ومستجيباً لأهداف الحركة الصهيونية بإرساء دولة عنصرية في فلسطين. وكان ذلك تنفيذاً لمخطط صهيوني بالغ الدقة، مكرّساً إسرائيل قاعدة للغرب وحاجزاً بين عرب المشرق وعرب المغرب. عندما نشأت أول وحدة عربية بين مصر وسوريا عام 1958 لم يرُق هذا الأمر إسرائيل والدول المهيمنة على المنطقة. عملت بكلّ قواها لفك عرى الوحدة، مستعينة ببعض الأطراف العربية التي وجدت فيها خطراً عليها. جاء الانفصال في 28 أيلول 1961 ليبعد عن الشعوب العربية وعن الأنظمة بالذات أي طموح أو عمل وحدوي مستقبلاً.
منذ نصف قرن ـــ أي منذ مؤامرة الانفصال ـــ لم يهدأ العالم العربي ولم يتسنّ له أن يوّفر الاستقرار والأمن القومي والسلام لشعوبه. النظريات كثيرة، والمواقف متباينة، والهواجس بين الأطراف كثيرة، والثقة المتبادلة يشوبها الحذر، والرهانات على الخارج تظل البوصلة السياسية التي يهتدي بها البعض ويعمل بإرشاداتها وتوجهاتها.
إنّ سياسات إسرائيل الرامية الى تفكيك كلّ الدول العربية إلى وحدات صغيرة، تنبع من نظرية متأصلة في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. نظرية يراد منها جعل إسرائيل قوة دولية تتحكم بزمام أمور المنطقة. فاستراتيجية إسرائيل التي كشف عنها مستشار رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين، عوديد يونون، في مجلة كيفونيم Kivonim (توجهات) في 14 شباط 1982 لا تزال سارية المفعول بكلّ دقة وحتى اليوم وتأخذ أبعاداً أكثر خطورة وتهديداً.

طمحت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى تفتيت الدول العربية، بدءاً بمصر وانتهاءً بالمملكة العربية السعودية لخدمة مصالحها
ترى الاستراتيجية الإسرائيلية أنّه من أجل تحقيق الهدف السياسي لإسرائيل على حدودها الغربية، يجب عليها «تفكيك مصر وتقسيمها إلى وحدات جغرافية منفصلة، فمصر ممزقة فعلياً، والسلطة فيها ليست واحدة بل متعددة. فإذا تحللت مصر فلن تتمكن دول مثل ليبيا والسودان من الاستمرار في أشكالها الحالية... وسوف يصبح لدينا دولة مسيحية في مصر العليا وعدد من الدول الضعيفة الأخرى ذات السلطة المحدودة بدلاً من الحكومة المركزية الحالية. هذا هو التطوّر التاريخي المنطقي وغير الممكن تجنّبه على المدى البعيد الذي أخّرته اتفاقية السلام لعام 1979». وتضيف الاستراتيجية «إنّ تقسيم لبنان إلى خمسة كانتونات ينبئ بالمصير الذي ينتظر العالم العربي أجمع». أما هدف الاستراتيجية «الأكثر إلحاحاً على المدى البعيد»، فهو «تحقيق اضمحلال سوريا، والعراق وتحوّلهما إلى مقاطعات عرقية ودينية متجانسة في داخلها كما هي الحال في لبنان، ويعتبر الهدف على المدى القصير تحقيق الانحلال العسكري لهاتين الدولتين. سوف تتقسم سوريا إلى عدّة دول بحسب الجماعات العرقية، بحيث إنّ الساحل سيصبح دولة علوية شيعية، ومنطقة حلب دولة سنية، ودمشق دولة أخرى سنية معادية لجارتها الشمالية، وسوف يشكل الدروز دولتهم الخاصة التي يمكن أن تمتد إلى جولاننا».
وترى الاستراتيجية أنّ «العراق البلد الغني بالنفط هو فريسة للخلافات الداخلية الخطيرة وأرض مثالية لتحرك إسرائيل». وتضيف إنّ «تفكيك هذا البلد يهمّنا أكثر من تفكيك سوريا، لأنّ النظام العراقي هو الذي يهدد أمن إسرائيل بالدرجة الأولى على المدى القصير، وسوف تفكك حرب بين العراق وسوريا أو بين العراق وإيران الدولة العراقية». وترى أنّ «كل خلاف داخل العالم العربي يصب في مصلحتنا على المدى القصير وسيسهم في تقريب الموعد الذي سينقسم فيه العراق بسبب طوائفه الدينية... وستتشكل ثلاث دول أو أكثر حول المدن الرئيسة الثلاث: البصرة وبغداد والموصل».
ولا ينسى تقرير الاستراتيجية السعودية، فهي «مهددة بالتفكك تحت الضغوط الخارجية والداخلية... فإما أن تحافظ على قوتها المبنية على البترول، وإما أن تذهب في اتجاه انحداري».
أما الأردن فلا «يمكنه أن يعمّر طويلاً في ظل بنيته الحالية. ويجب أن تركز الخطة الإسرائيلية سواء العسكرية أو الدبلوماسية على تصفية النظام الأردني ونقل السلطة إلى الأكثرية الفلسطينية. سوف يحلّ هذا التغيير في النظام الأردني مشكلة أراضي الضفة الغربية التي ترتفع فيها نسبة السكان العرب». ويضيف التقرير «لم يعد بالإمكان ترك الوضع الحالي يستمر دون فصل الدولتين: العرب في الأردن واليهود في الضفة الغربية».
بعد ثلاثين سنة من عمر هذه الاستراتيجية، يبدو مشهد العالم العربي أكثر إيلاماً وأكثر خطورة. لقد سار المخطط الإسرائيلي شوطاً كبيراً إلى الأمام، وحققت إسرائيل مبتغاها بتفكيك العراق وشلّ قدراته والقضاء على وحدته.
كذلك فإنّ السودان على طريق الانفصال والتقسيم، ودخل اليمن في أتون صراع يهدد وحدته الجغرافية والقومية والدينية، لا يعرف أحد متى وكيف سينتهي.
أما في مصر، فإنّ الاحتقان السياسي الداخلي الحاد والمشاكل المعيشية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة وتأجيج النعرات الطائفية يطرح في العمق ما تبيّته إسرائيل وما تتطلع إليه.
وفي فلسطين، فإنّ إسرائيل، بسياساتها الحالية، لن تبقي شيئاً للفلسطينيين يفاوضون عليه نتيجة لسياسات التهويد والقضم والضم لأراضيهم. فهي ترى أنّه يجب على الأردن تحمل تبعات ما تطلبه إسرائيل من الفلسطينيين (الإقرار بدولة يهودية) مع ما يترتب على ذلك من ترحيل كل عرب فلسطين إلى المملكة الهاشمية وإن أدى ذلك إلى تغيير النظام الأردني في الشكل والأساس.
في لبنان، يستمر الصراع مع العدو، إلى جانب أزمات وخلافات سياسية داخلية لا تنتهي، واحتقان عميق يزيد من الشرخ الداخلي في ظل خروقات إسرائيلية للبنان على كل الأصعدة. هناك مشاكل تبحث عن حل، وحلّ يبحث عن معادلة تصون سيادة لبنان ووحدة شعبه وتحفظ مقاومته التي تستهدفها إسرائيل في الأساس.
لعل أصحاب الشأن من العرب توقفوا ملياً أمام «منجزات» الجنرال عاموس يادلين رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المنتهية ولايته، والتي أزاح النقاب عنها في حضور الصحافة بداية شهر تشرين الثاني الجاري. لقد قامت الاستخبارات الإسرائيلية على مساحة العالم العربي بكلّ ما يخطر على البال من: قتل وتفجيرات، وزرع شبكات تجسس وسيطرة على الاتصالات، وتوفير السلاح للجماعات الانفصالية، ونشر شبكات جمع المعلومات وإحداث اختراقات سياسية وأمنية وعسكرية، والعمل على تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي وإعادة صياغة عدد كبير من شبكات التجسس وتشكيل العشرات منها.
كيف يمكن العرب اليوم الحديث عن التنسيق والتعاون المشترك ووحدة الصف والهدف، وهم عاجزون أصلاً عن صون وحدة دولهم وتعزيز العيش المشترك لشعوبها؟ كما هم عاجزون عن مواجهة سياسات إسرائيل والغرب المتواصلة والرامية إلى تفتيت العالم العربي.
لقد آن الأوان للقادة العرب كي يقفوا وقفة مشرفة في حق أمتهم لوقف الانهيار المتسارع، لأنّ سياسة التفتيت الإسرائيلية للعالم العربي ستقوّض وحدة الأمة ومستقبلها وأمنها، ولن توفر بلداً عربياً واحداً، أكان عدواً لها أم صديقاً أم معاهداً أم متواطئاً.
* سفير لبناني سابق