يخوض حزب الله غمار مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات. يجهد في فهم حيثياته ومفاتيحه الحُبلى بالمخاطر، وقد خصّص لذلك ملفاً منفرداً. وتسعى قيادة الحزب عبر الملف، الذي أنشأته منذ سنوات، إلى ترسيخ آرائها ومواقفها لدى الرأي العام. على أن ما يجري على هذه المنصّات لا يمكن ضبطه بسهولة أو بشكل كامل، سيما لضمّها جهات متنوعة وكثيرة، لبنانية وعربية وأجنبية، تتماهى جميعها في ثابتة تنظيم الحملات الإلكترونية الموجّهة. تُعدّ «إسرائيل» واحدة من أبرز محاضن تكنولوجيا الاتصالات، وليس خافياً الدور الذي تلعبه وحدة الاستخبارات الإلكترونية لديها لجمع وتوظيف المعلومات بهدف تحقيق مكاسب أمنيّة وسياسيّة واقتصادية. ليس هذا فحسب، بل تعمل على رصد ثغرات «العدو» لمقارعته وتوسيع الفجوة بين الأطراف المتنازعة داخله. عموماً، لا تنفرد «إسرائيل» بالمهمة وحدها، هذا حال الكثير من أجهزة الاستخبارات الأخرى.

ولأجل ذلك، أعلنت قيادتا «حزب الله» و«حركة أمل» نيّتهما إطلاق منصّة مشتركة على وسائل التواصل الاجتماعي «تعمل على تحديد وتعميم المواقف المشتركة، والتعامل مع أي حساب مشبوه يحاول بثّ مواد للفتنة والتفرقة»، بهدف تفعيل التنسيق المشترك حول هذا الملف، القائم منذ أكثر من سنتين، ولوضع آلية «للعمل الاستباقي لنزع فتيل أي سجال في شأن ما يمكن أن يستجد من قضايا أو مسائل إشكالية»، داعية الناشطين «للتحلّي بروح المسؤولية والإلتفات إلى أن بعض التغريدات والتعليقات تحقّق ما يطمح إليه الأعداء في وقت عجزت، وسوف تعجز، عن إحداث شرخ في هذه الوحدة». وعلى عكس ما أُشيع، ودفع بالناشطين في الأيام الماضية إلى مهاجمة المنصّة قبل إطلاقها، فإن دور هذه المنصّة إرشادي توجيهي للمحازبين، وهي تُعنى بضبط الخلافات والتباينات بين الطرفين في أماكن الاحتشاد الإفتراضي كموقعي «تويتر» و«فايسبوك»، وتوضيح المواقف الغامضة محل الجدال، والتركيز على العوامل المشتركة، وليس تتبّع الناشطين لمحاكمتهم أو إملاء الآراء عليهم أو كمّ أفواههم على ما يؤكده مصدر معني في ملف التواصل الاجتماعي في حزب الله. ليست المنصّة «ضابطة عدلية» ولا أداة لتقييد حرية التعبير، كما أنها ليست مؤسسة بحدّ ذاتها، بل هي استكمال للتنسيق الدائم والإستراتيجي بين الحزبين، كأي لجنة متابعة في ملفات أخرى، وهي واحدة من أدوات الإلتقاء وإحتواء التباينات، في ظلّ مناخ يرصد فيه الخصوم والأعداء كل ما يصدر عن جمهور المقاومة من مواقف وآراء تطلّعات، ويستغلونها في هجومهم السياسي. وفي هذا السياق، يمكن تصنيف الناشطين على منصّات التواصل الاجتماعي، المساهمين في صنع الخلافات بين «حزب الله» و«حركة أمل»، والمروّجين لها، إلى ثلاث فئات: غير مدرك للتبعات، يساهم عن غير قصد في تطوير الخلافات وتغذيتها ظناً منه أن يُضيء على المشكلات لحلّها. عامد متعمّد يسعى إلى خلق فتنة بين الحزبين، ويمكن أن يكون لبنانياً خصماً أو تابع لجهة استخباراتية خارجية. والثالث رمادي، لا يطلق موقفاً واضحاً أو ثابتاً، ويميل كيفما مالت الرياح.
ولفت المصدر المعني إلى أن «المنصّة» لم تُطلق حتى الآن ولم يُحسم اسمها ولا موعد إطلاقها بعد، وأن القيادتين تعملان على تنسيق جلسات متتالية هدفها وضع سياسيات وآليات عمل هذه المنصّة بالتفصيل، وستحدّد في أثنائها اسم الحساب الرسمي الذي ستنطلق من خلاله، موضحاً أن كل ما نُشر خلال اليومين الماضيين تحت اسم «المنصة الإلكترونية» أو «المنصة المشتركة»، والشعار الذي صُمّم لها افتراضياً إنما هي مواقف فردية لا علاقة لها بالقيادتين من قريب أو بعيد.
ويؤكد المصدر أن قيادة الحزب تتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي على أنها جهة من جهات المواجهة، وأن هذه المنصّات باتت واحدة أساسية من الوسائل الإعلامية الموجودة لدى كل عائلة وفي كل منزل. ولا تحصر قيادة الحزب إهتمامها بهذه المنصّات لناحية ترميم الخلافات حصراً، بل تعمل على بناء وعي متكامل من خلال جهود مشتركة للخطابات الرسمية والاجتماعات واللقاءات التوعوية وغيرها. وقد أولى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، شخصياً، اهتماماً واسعاً في هذه المنصّات، وتحدّث عنها مرات عدّة في إطلالاته التلفزيونية. صحيح أن حزب الله لم ينجح في كافة «معاركه» الإلكترونية، لكن نجاح تجربته في الحملة التي خاضها على مواقع التواصل الاجتماعي إبان الانتخابات النيابية الأخيرة، تحت عنوان «نحمي ونبني»، الشعار الراسخ، كان خير دليل على إيلاء الحزب هذه المنصّات أهمية عالية في منظومته الإعلامية.
يشار إلى أنه سيتم الإعلان عن المنصّة المشتركة فور إنشاء حسابها بشكل رسمي، ولن يُترك للناشطين مشقة البحث عنها أو اكتشاف اسمها بين الحسابات الإلكترونية.