لم يكن متوقعاً كل ما حدث حول العالم، مع انتشار وباء كورونا، وكل هذه المشهديات السياسية والشعبية والصحية التي تبدلت وبعضها ظهّر هشاشته. ولعلّ المشهد الأكثر تغيراً وتبدلاً طال الجسم الإعلامي وعمله وآلياته المتبعة الإعتيادية. منذ بدء تفشي الكورونا في الدول، وميكانيزمات العمل الإعلامي الذي يقوم في الأصل على الإتصال والتواصل، يشهد تغيرات جذرية وسريعة لم تحدث في تاريخه من قبل. في لبنان، بدل أن تتكاتف وسائل إعلامه في أوقات المحن، حلّ الإنقسام لأسباب تعود الى تنفيذ أجندات سياسية، اشتغلت على التحريض وعلى أبلسة فئة معينة من اللبنانيين جراء كورونا، ولم تعر أي اهتمام لحراجة الظرف وأيضاً لمسؤولية الإعلام الإجتماعية والمهنية. ومن الداخل أوقفت بعض القنوات مراسليها عن التغطيات الميدانية، أو حاولت التخفيف منها، مع الزام المراسلين باتخاذ الإجراءات الحمائية اللازمة.



هكذا، طغت على المشهد، الرسائل والمقابلات عبر «سكايب»، وفعّل الإتصال التكنولوجي، فيما آخرون راحوا ينتجون تقارير من منازلهم، اختبرتها «الجديد» قبل أسبوع، باجراء المراسل مقابلات متعددة مع المعنيين، عبر السكايب، وتوليفها في ما بعد. وبعدها، ومع الزامية بقاء بعض البرامج سيما الصباحية، والحوارية على الشاشات، كان لافتاً حجم الطاولة في الاستديو التي عُمل على استبدالها بواحدة أكبر حجماً كي تبقي المسافة آمنة بين الضيوف والمذيع/ة (الجديد مثالاً)، وإن لم يكن بالضرورة وجود طاولة في ما بينهم، جلس مقدمو البرنامج كل منهم على أريكة تفصل بينهم أمتار حفاظاً على السلامة (برنامج alive على mtv نموذجاً). هذا في الميدان، وفي الأستديو، أما في المقار الرسمية، فالأمر سيّان، سيما أن الإحتكاك بين المراسلين والمصورين والساسة كبير جداً. إذ كان لافتاً مثلاً في جلسة مجلس الوزراء الفائتة، اعتماد مسافة بين المراسلين في قاعة التصريحات، وكاميرا واحدة نقلت الصورة الى كل الشاشات، لتفادي التجمهر. والحال عالمياً، لا يختلف كثيراً، مع اجراءات اتخذت داخل المقار الرسمية، من ضمنها طلب «منظمة الصحة العالمية» أمس، من موظفيها ومن الصحافيين عدم الحضور الى مقرها، كذلك، كان واضحاً أمس، في قصر «الإليزيه» المسافات التي فصلت بين المراسلين الذين كانوا يواكبون اجتماع «مجلس الدفاع» الى جانب ارتدائهم للأقنعة الواقية. هكذا، وبوتيرة جد سريعة، تبدلت آليات التغطيات والعمل الإعلامي. بات الأخير الذي قام في الأصل على الإتصال والتواصل والبحث عن المعلومات، والعمل الميداني الصعب، يركن الى اجراءات مختلفة، تحدّ من حركته ومن اتصاله مع الآخر حتى لو كان زميلاً له في القناة عينها، مع مساعدة واضحة من الميدان التكنولوجي الذي سهّل مهامه، وأمنّ بدائل كانت لتشكل في غيابها معضلة حقيقية.