يمثل لويس فرناندو كاماتشو كل ما يمكن أن يكون تعيساً. محافظ، متزمّت دينياً، ويقلّد ترامب على طريقة بولسونارو. يسمّونه «بولسونارو بوليفيا». يتصرف كزعيم المعارضة البوليفية. لكن الإعلام ليس معنياً بالحدث، أو بتصرفات كاماتشو الخرقاء، بقدر ما هو معنيّ بصناعة الحدث، وبصناعة صورة مكسورة لموراليس. ليس الأخير مثالياً بالضرورة، وليس الحديث عن تجربته، بقدر ما هو عن الآلية الاعلامية التي تُخرج فيها التجربة.

الماينستريم سيتحدث عن انتخابات عندما تناسبه الانتخابات. الانتخابات بحدّ ذاتها ليست مهمة، بقدر ما أن الصورة التي يظهر فيها أعداء الانتخابات هي صورة سيئة. ما هو مهم فعلاً، في بوليفيا، بالنسبة إلى الماينستريم في الإعلام الأميركي، هو نتيجة الانتخابات. بشكل عام لا يمكن الدفاع عن الانقلابات. هذه الانقلابات هي نقيض العملية الديمقراطية، بينما يمكن الدفاع عن التظاهرات لأنها تتقاطع مع الديمقراطية. المسألة تقريباً بيداغوجية. هكذا تحدّث الإعلام عن «تلاعب» في بوليفيا وعن «تظاهرات» اعتراضية، وتم تجاهل انقلاب الجيش على الرئيس المنتخب. التزوير في الإعلام مسألة بيداغوجية أيضاً.

«موت الواقع» ... الديمقراطي
لم تنتبه «سي أن أن» في تقريرها إلى أن ثمّة انتخابات حدثت في بوليفيا. تجاهلت النتيجة. والذي يكتفي بتقريرها، سيعتقد أن موراليس تنحّى تحت ضغط شعبي عارم، وليس تحت وطأة تهديدات العسكر. ليس هناك حديث عن أسباب تراجع شعبية موراليس، أو عن قيام تظاهرات ضدّه، بل عن نقطة محدّدة: «تلاعب في نتائج الانتخابات». وتبنّي هذه التهمة ليس سهلاً عموماً، إذ أنه ينسف الحاجة إلى انتخابات في الأساس، طالما أن فرضية التلاعب قائمة دائماً في حالة الخسارة. لكن المحطة الأميركية تصرّفت على أساس أجندتها. خاطبت جمهورها بما ينتظر أن يسمعه: التلاعب. قدمت هذا الافتراض من دون البحث والتأكد حسب الأصول والمصادر. هناك تلاعب، التظاهرات تحدث لأن ثمّة تلاعباً، وهذا أشبه بمورفين يسكّن الجمهور المريض بالتصورات الحالمة عن الديمقراطية.
هناك وسائل إعلام مثل «سي بي أس» ليست بحاجة إلى هذا: موراليس يستقيل بسبب الضغط الشعبي وتلاعب في الانتخابات. فتّشوا عن التفاصيل بأنفسكم، المهم أنه استقال. مجلة «التايم»، لم تسمع بدورها بدعوات الجيش لموراليس للاستقالة. لم تبحث جدياً عن الدور الحقيقي للعسكر في الانقلاب. فجأة يصير العسكر مكوّناً شعبياً، ويصير الحرص على «سلامة العملية الديمقراطية» مقروناً بتجاهل أي عناصر غير ديمقراطية. في تشيلي حيث يتظاهر أكثر من مليون شخص ضدّ سبستيان بينيرا، يبدو أن الديمقراطية ليست ضرورية تماماً. الملياردير المحافظ يمثل المصالح الأميركية. لا يسمع صوت التظاهرات؟ ليست هناك أي مشكلة. حسب «رويترز»، التي يعتبرها كثيرون «مدرسة» في الصحافة، ما يحدث في تشيلي هو «شغب»، وليس تظاهرات. صرنا أمام حدثين: «انقلاب» في بوليفيا يستدعي «تظاهرات» وغضباً شعبياً، و«شغب» في تشيلي. الحياة جميلة في الإعلام المهيمن. والسياق متصل بالسياسة.

كاب ـ اسبانيا

أولاً، بدأت الأحداث بالتدحرج، انطلاقاً من التظاهرات في تشيلي ضدّ بينيرا. ثم خرج لولا دا سيلفا من السجن. استمرار موراليس في حكم بوليفيا، كان ليكون مُزعجاً لأميركا وتحالفاتها المتمثلة باليمينيين. حدث الانقلاب في هذا السياق، وكما سيتبيّن، فإنّ موراليس فاز بالانتخابات من دون أي إثبات لسردية التلاعب المضادّة.
ثانياً، حدث هذا أيضاً بالتزامن مع وصول ألبرتو فرنانديز من يسار الوسط في الأرجنتين، لخلافة كرستينا فرنانديز، متفوقاً على ماوريسيو ماكري. لكن فرنانديز ليس مهماً بحد ذاته. جرت الانتخابات في الأرجنتين تحت عنوان الأزمة الاقتصادية، وكذلك في بوليفيا. وعندما حدث الانقلاب، برزت حاجة معلنة إلى تصوير الانتخابات البوليفية كما لو أنها كانت بمثابة الاستفتاء على الديمقراطية، وليس على الاقتصاد. الانقلاب ضدّ إرادة البوليفيين لم يكن كافياً، بل كان ضرورياً أن يكون هناك انقلاب على الانقلاب في الإعلام أيضاً. وهكذا تم تشغيل أسطوانة، الانتخابات ديمقراطية، بدلاً من الهم الحقيقي الذي أطلق اللاتينيون أصواتهم على أساسه: العدالة في توزيع الثروات.
ثالثاً، لا يعرف كثيرون أن آلاف السجناء ما زالوا محتجزين رغم أنه يمكن إخراجهم بسهولة، لانتفاء أسباب سجنهم، استناداً إلى قرارات المحكمة العليا التي أخرجت لولا دا سيلفا. لم يحظَ هؤلاء بقرينة البراءة من قبل، ويتعرض غالبهم إلى ما يشبه الاعتقال التعسّفي، من دون أي مسوّغ قانوني، ومن دون أن يسأل أحد أو يهتم عن حقهم بالدفاع عن أنفسهم. ويحدث كل هذا في البرازيل، لأن هؤلاء ينتمون إلى الطبقات الفقيرة، وغالبهم من السود. لا نعرف لأن الذين يهيمنون على الإعلام، لا يشعرون بأي حاجة إلى الحديث عن هؤلاء. بالنسبة إليهم، هم أشخاص غير موجودين.
في بحثه عن الحقيقة، يخبرنا جان بودريار بلا تردّد عن هشاشة الواقع ووهنه الشديد أمام الصورة وقوتها. ليست هناك حقيقة، بل هناك بديل عنها: الأحداث ليست أحداثاً مكتملة، بل صارت أخباراً يمكن تقسيمها وتفكيكها، والتعامل معها باستقلالية. في الحقيقة، الأحداث متسلسلة وتتدحرج. من تشيلي، إلى البرازيل والأرجنتين، وصولاً إلى بوليفيا. ولفهم «ما بعد الحقيقة»، يجب العودة قبل كل شيء إلى «موت الواقع».

اليسار اللاتيني في برواز أميركا
ربما يجب التذكير أن موراليس ينتمي إلى السكان الأصليين. وهو أول رئيس من هذه الأصول في بلاده، يحكم جماعة من الأوروبيين البِيض. هذا ليس تفصيلاً أيضاً. والباحث ليس بحاجة إلى كثير من الجهد ليتأكد من نجاحه في تقليص مستوى الفقر في البلاد بنسب لافتة. حتى إن الحديث عن سلوكيات طبقة وسطى لم يكن ممكناً في بوليفيا قبل موراليس. كان يرى نفسه كجزء من مشروع نزع آثار الاستعمار، وضد السياسات النيوليبرالية. وهذا قابل للدرس، أي كيفية تطبيق هذا المشروع، وكيفية محاربته وشيطنته من الإعلام الأميركي أيضاً. حتى إن آراء غالبية اليساريين اللاتينيين عموماً، في ما يحدث في بلادنا ومن ضمنهم موراليس، هي آراء إطلاقية غالباً، ولا تأخذ في الاعتبار الحقائق، فتذهب في كثير من الأحيان إلى تأييد الديكتاتوريات. والحديث عن تعسّف الميديا الأميركية في حق اليسار اللاتيني، لا يعني أن هذا اليسار مثالي، وليس ديكتاتورياً في كثير من الأحيان. لكن بالتأكيد ليس حلفاء أميركا هم الذين يمكنهم التحدث عن الانتخابات والديمقراطيات.
في المقابل، وفي الإعلام السائد، ليس هناك أي حديث عن أوليغارشية في بوليفيا، وعن حجم التضرر ومستواه من هذه الطبقة التي تحتكر رأس المال وتسيطر على عملية الإنتاج. كان لموراليس هاجس وحيد، هو تحويل الاقتصاد البوليفي إلى اقتصاد منتج، عبر دعم الإنتاج المحلي وتعزيز قدرته على المنافسة، وتالياً توزيع الثروات بعدالة، أو بما يقترب من العدالة. قد يكون صاحب مواقف مُجحفة في حق كثير من الشعوب، بحجة محاربة الامبريالية، لكن في ذات الوقت، ليس هناك في الإعلام أي شيء عن سياساته التي حاولت حماية صغار المنتجين المحليين من المضاربات، وتحقيقه من ضمن سلة سياسات اقتصادية منحىً تصاعدياً في صعود الناتج المحلي. هناك السيئات دائماً.
يمكن استثناء تقرير طويل، قبل الانقلاب، ذكرت فيه «لو موند ديبلوماتيك» بأن أول المعارضين لحكم موراليس، كانوا كبار الاقطاعيين. ولكن المفارقة أن التحولات الاقتصادية الإيجابية التي أحدثها موراليس، أنشأت طبقة وسطى أكثر ميلاً للاستهلاك، وهي طبقة غير مؤهّلة لمواجهة الأوليغارشية. طبقة بطموحات تحاكي اقتصاد السوق، ما شكّل الأرضية المناسبة لولادة معارضة يمينية، وجدت ضالّتها الجيوسياسية في وصول ترامب، وفي إيصال بولسونارو لاحقاً، واستغلت الانتخابات في بوليفيا لتحقيق انقلابها المدعوم من الميديا المنحازة بطبيعتها إلى السوق وإلى أنماط الإنتاج الكولونيالي، في الاقتصاد وفي الثقافة.
انقلاب مدعوم من الميديا المنحازة إلى السوق وإلى أنماط الإنتاج الكولونيالي في الاقتصاد وفي الثقافة


هذه ليست دعوة لدفاع أعمى عن سياسات موراليس، أو عن إصراره «الشخصي» على الترشح، لكنها قراءة هادئة للتغطية الأميركية لانقلابها في بوليفيا. لقد بيّنت جميع مراكز الأبحاث المختصة والمتابعة للانتخابات، عدم وجود أي تغيير لا يمكن تفسيره في الاتجاه العام لاحتساب الأصوات. حتى إن مركز الأبحاث السياسية والاقتصادية CEPR الموجود في واشنطن، أكّد في دراسة له أن عملية احتساب الأصوات بقيت ثابتة، ولم يحدث أي تلاعب، في فترة التوقف، علماً أن هذا التوقف حصل عندما أعلنت نتيجة 83% من الأصوات، واستكمل بإعلان 96% منها. لا دليل واضحاً وحسياً على وجود تلاعب في نتائج الانتخابات. السبب الوحيد لتنحي موراليس هو الانقلاب. قبل كل هذا، قبل عشرة أعوام تحديداً، خلص تقرير عن «الديمقراطية على الطريقة اللاتينية» في الـ «إيكونيميست» الليبرالية، إلى أن الطبقة الوسطى الناشئة في بوليفيا التي صعدت بفضل سياسات موراليس نفسه، ستميل إلى تفضيل اقتصاد السوق على تدخل الدولة وعلى سياساتها الحمائية. وكانت تلك القراءة «اقتصادوية» صرفة، بالمقارنة مع الانقلاب الذي دعمته وسائل الإعلام الأميركية وتدعمه حالياً. الانقلاب الأخير لم نسمع به، لم يقع، بلغة جان بودريار.
بعد «موت الواقع» نحن نعيش اليوم في عالم «ما بعد الحقيقة». هذا صار نقاشاً عاماً ومفتوحاً. الأدوات متاحة وفهم هذه الأدوات قد يكون متاحاً أيضاً. فالاستخدام الخاطئ للأفكار، وتحوير المعنى على نقيض من الحقيقة أو من حقيقة المجتمع، يجعلان من المروجين أدواتٍ، ومن المتلقّين ضحايا مرحليين. لكن السطو على «حقيقة الحقيقة» غير ممكن عندما يكتشف الناس الطريق إلى تحقيق ذواتهم، ويظهرون في التاريخ بوصفهم أصحاب إرادات، وتتحدث إراداتهم باسم المجتمع ويتحدث المجتمع باسمها. «ما بعد الحقيقة» هو عالم بديل عن الهيمنة المباشرة بالقمع، ولكنه في الأصل عالم يفتقد إلى عناصر الحقيقة. وربما يكون تجاوز حدوث الانقلاب في بوليفيا، يُخفي خلفه قلقاً من ترنح الملياردير في تشيلي، وعودة لولا دا سيلفا إلى المشهد في البرازيل.