في زحمة شهر آذار (مارس) الماضي و«المتاريس» التي بنيت آنذاك بين البرامج التلفزيونية المتنافسة، برز «متلي متلك» (إخراج شربل يوسف) على mtv ضمن البرامج الإجتماعية، وقدّم نفسه كموعد ثابت مساء الأربعاء، متنافساً مع «أنا هيك» (الجديد) و«أحمر بالخط العريض» (lbci). في ذلك الوقت، علت جرعات الإثارة إلى أقصاها مع تعمّد نيشان ديرهاروتيونيان مثلاً طرح مواضيع جدلية تدور غالبيتها في فلك الجنس والتابوهات الإجتماعية. حلقات استطاعت استقطاب الجمهور وإثارة فضوله، خصوصاً مع خروج شهادات تتحدّث عن مثليتها أو عن امتهانها لرقص التعرّي وغيرهما من الأمور. ضاع «متلي متلك» في خضم المنافسة، ولم ينل حقه من المتابعة كما يجب، علماً بأنّه قدم نموذجاً في البرامج الحوارية الإجتماعية، وسار بخلاف الموجة السائدة. ومع ذلك، أكمل طريقه إلى أن وصل إلى الختام ليلة أمس. أُسدل الستار عن «متلي متلك» بعد 13 حلقة أسبوعية استقبلت ضيوفاً وأصحاب شهادات في مجالات مختلفة، أتوا ليحكوا قصصهم ويقدّموا نماذج إيجابية من رحم الصعوبات التي مروا بها. أناس عاديون حضروا إلى الاستديو وإلى جانبهم مجموعة وجوه معروفة على الشاشة (نسرين طافش، كارلا بطرس، كارولينا دي أوليفيارا، رندا كعدي، جاد حديد، سهى بشارة، بيار جماجيان..)، ليتحدثوا بدورهم عن معاناة شخصية إن كانت تخصهم بشكل مباشر، أو حدثت داخل أسرهم. من هذا المنطلق، يتساوى هؤلاء مع البقية، في تحمّل صعوبات الحياة وتحدياتها.

في الحلقات السابقة، ومع القصص الكثيرة التي شاهدناها لتكون بمثابة دروساً في الحياة والمواجهة والإيجابية، حرص وسام بريدي على التعاطي برفق واحترام مع ضيوفه. تعامل باحترافية مع ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الدخول في الخصوصيات وبين ترك الحرية للضيف للخوض في التفاصيل. لم ينزلق بريدي إلى تسطيح الحوار، بل كان يشعرنا ويشعر ضيفه دائماً بأنّه ملمّ بتفاصيل الحالة ومهتم بإظهارها بصورة أمينة للواقع، محترماً قراره في حال قرّر عدم الخوض عميقاً في سرد التجربة.



سلسلة مواضيع وحلقات تحدّى فيها البرنامج التيّار السائد على الشاشات، على الرغم من أنّه مسار صعب، إذ أنّ هذا النمط من البرامج يحتاج إلى وقت ليثبّت حضوره في وجه التشويه الذي أصاب البرامج الأخرى.
أمس، أنهى «متلي متلك» حلقاته مستضيفاً المصور في «فرانس برس» باتريك باز، في استعادة للقطات أرشيفية تعود إلى الحرب الأهلية، وبحثه بعدها عن أبطالها الذين نجوا من موت محتم. حلقة ظهّرت الوجه الإنساني الآخر لمصوّر الحروب والمآسي، وألقت بثقلها على علاقة بنيت بعد سنوات مع أصحاب الصور. ولا ننسى حلقة كريمة الإمام موسى الصدر، مليحة، التي ظهرت للمرة الأولى تلفزيونياً الأسبوع الماضي، لتتحدث عن والدها وظروف اختطافه. حلقة حظيت بحفاوة جماهيرية لما أظهرته مليحة الصدر من كياسة وسلاسة في الحوار وحضور ذهني متوهّج وذاكرة ما زالت تسلسل زمنياً الحوادث من السبعينيات إلى اليوم، على الرغم من صغر سنّها لدى اختطاف والدها.